الثقافة… حين تصبح فعلاً لبناء المستقبل

محمد منير*
أمام التحولات السريعة، والأسئلة الكبرى المتشابكة حول الهوية، والحرية، والتنمية، والمعرفة، تبدو الثقافة أكثر أهمية من مجرد نشاطٍ رمزي أو ترفٍ فكري؛ إنها فعل حضاري، وطريقة لإثراء الوعي، ويمكن استخدامها لبناء المجتمع، وصناعة المستقبل. ومن هنا، تواصل مجلة مدارات الثقافية رسالتها، إيمانًا بأن الكلمة الجادة، والفكر النقدي، والإبداع الأصيل، ليست ترفًا، بل ضرورة مجتمعية.
لقد اخترنا، منذ انطلاقة المجلة، أن نكون فضاءً للحوار، لا صدى للأصوات المتشابهة؛ ومنبرا للأسئلة، ولا وعاء للأجوبة الجاهزة، فالثقافة التي لا تفتح أفقا للتفكير، ولا تُلامس قضايا المجتمع، تتحول إلى خطاب معزول عن الحياة.
إن المشهد الثقافي المغاربي والعربي يعيش اليوم مفارقة واضحة؛ فبقدر كثرة وسائل النشر والتواصل،
نلاحظ ضعف القراءة المتأنية، وهيمنة السرعة على العمق، والصورة على الفكرة، والاستهلاك على الإنتاج، ولهذا أصبحنا وبقوة الى مؤسسات ثقافية جادة ومتمكنة، ذات رؤية واضحة واستقلالية، وإلى منابر ثقافية إعلامية جادة تحفظ للتفكير مكانته، وللنقد وظيفته، وللمبدع حقه في التعبير الحر والمسؤول.
ولهذا مدارات الثقافية، منذ انطلاقتها سنة 2016 عملت على فتح نوافذ متعددة على قضايا الثقافة والفنون، والهوية، والكتابة، والتشكيل، والمسرح، والذاكرة، إيمانًا منا بأن الثقافة لا تتجزأ، وأن الإبداع الحقيقي يولد من الحوار بين مختلف الحقول المعرفية والجمالية، من خلال منح مساحة للأقلام الجديدة، لأن تجدد الثقافة رهين بتجدد أصواتها، ولأن المستقبل لا يُبنى إلا بإشراك الأجيال الصاعدة في صناعة المشهد الثقافي.
إن الحديث عن الثقافة اليوم لا يستقيم إلا باستحضار بعدها التنموي، لأنها ليست نشاطا مكملا، بل هي جزء لا يتجزأ من التنمية، فهي التي تقدم مناعة ضد التطرف، وتعزز قيم المواطنة، وتقوي وتثبت قوة الانتماء الكوني، فالاستثمار في الثقافة والفن هو بالأساس استثمار في الإنسان، والاستثمار في الإنسان هو الفعل التنموي الحقيقي الأكثر استدامة لبناء الوطن.
مدارات للثقافة والفنون هي وفية لرهاناتها الثقافية والفنية، وستبقى منصة خاصة للمعرفة والإبداع، وبوابة مفتوحة بين الباحث والمبدع، وبين الكاتب والقارئ، وبين اليوم والغد.
في النهاية، سيظل وعينا الكبير بأن المجتمعات لا تقاس بما تملك من ثورات مادية، بل بما تقدمه من فكر، وترعاه من مبدعين، وما تنتجه للأجيال القادمة من معرفة وخلق ابداعي إنساني، من هنا فالثقافة ليست ترفا أو هامشا في حياة الأمم، انها قلبها وذاكرتها الحية .
المدير التنفيذي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي