تأمــــلات فكريـــــــة
في حضرة العابر المقيم: استعادة إدريس الخوري.
عبد العزيز الخبشي*
تمر ذكرى رحيل القاص المغربي إدريس الخوري التي تصادف الاحتفال بعيد الحب، والذي هو يوم 14 فبراير من كل سنة، تمر كأنها لحظة عابرة في تقويم الزمن، لكنها بالنسبة لمن جايلوا نصوصه أو جلسوا إليه، لا تبدو مجرد تاريخ يمر، بل ومضة تستعيد صوتا ظل يكتب الهامش ويحتفي بالإنسان البسيط كأنما كان ينقذ الحياة من سطوة البلاغة الزائفة. وإذ أستعيده في هذه الذكرى، لا أستعيد فقط صاحب نصوص قصصية طبعت منعطفا في السرد المغربي، بل أستعيد أيضا ظلا إنسانيا خفيفا، عابر الملامح لكنه عميق الأثر، التقيته مرات عديدة في مقهى متواضع بالرباط، حيث كان يجلس كأنما يراقب الحياة وهي تتسرب من بين أصابعه، ثم يعيد تركيبها في قصة قصيرة لا تشبه إلا نفسها.

لم يكن إدريس الخوري قاصا بالمعنى المدرسي للكلمة، ولم يكن أسير الأشكال السردية المغلقة التي تسعى إلى إرضاء الذائقة الأكاديمية أو التموقع داخل تيارات نقدية جاهزة. لقد كان، منذ بداياته، مشروع كتابة مفتوحة على الحياة اليومية بكل ما تحمله من هشاشة وعبث وتناقض. وإذا كانت القصة المغربية قد عرفت منذ الستينيات أصواتا سعت إلى بناء حداثتها عبر الاشتغال على الشكل واللغة، فإن الخوري اختار مسارا آخر: أن يكتب من الداخل، من قلب التجربة الحياتية نفسها، دون أن يرفع شعارا أو يتورط في تنظير ثقيل. كان ينصت إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تبدو عادية حدّ الابتذال، ليحولها إلى مادة سردية نابضة، مشبعة بوعي مرير، لكنها مفعمة بسخرية خفيفة تخفف وطأة العالم.
من هنا جاءت فرادة تجربته. لقد كتب القصة القصيرة بوصفها فضاء لالتقاط الهامشي والمنسي، لا باعتبارها بنية مغلقة محكومة بصرامة الحبكة. في نصوصه لا نجد ذلك البناء التقليدي الذي يبدأ بمقدمة وينتهي بذروة، بل نجد حركة سردية أقرب إلى تيار داخلي يتكثف حول لحظة أو مشهد أو انطباع. وكأن القصة عنده ليست حكاية تروى بقدر ما هي حالة تعاش، أو شذرة تلتقط قبل أن تضيع. هذه الشذرية لم تكن ضعفا في البناء، بل اختيارا جماليا يعكس وعيا عميقا بطبيعة الزمن الحديث، زمن التقطع والتشظي، حيث لم يعد ممكنا الإمساك بالعالم في سرديات كبرى متماسكة.
لقد كتب الخوري المدينة المغربية كما لم تكتب من قبل. ليست المدينة عنده فضاء عمرانيا فحسب، بل كائن حيّ متقلب، مزيج من العابرين والمنكسرين والحالمين الصغار. شخصياته لا تسكن الأبراج ولا تمشي في الشوارع الكبرى، بل تنتمي إلى الهامش: موظفون بسطاء، عاطلون، سكارى حالمون، عشاق خاسرون، ومثقفون يعيشون على تخوم الخيبة. هؤلاء هم أبطاله الحقيقيون، وهم أيضا مرآته التي كان يرى فيها نفسه والعالم. ولذلك بدت قصصه دائما وكأنها تنحاز إلى المهمل، إلى ما لا يرى في العادة، فيمنح له لغة خاصة، حميمة، بعيدة عن الزخرفة.
ولعل ما يميز كتابته أيضا ذلك التوتر الخفي بين السخرية والحزن. كان قادرا على أن يضحكك من جملة عابرة، ثم يتركك بعد سطور قليلة أمام مرارة عميقة. هذه القدرة على الجمع بين النبرة الساخرة والوعي التراجيدي جعلت نصوصه أقرب إلى اعترافات مبطنة، لا تبوح بكل شيء لكنها تلمح بما يكفي لإشعال الأسئلة. إنه ذلك النوع من الكتابة التي تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في أثرها، لأنها لا تفرض معنى جاهزا، بل تترك القارئ يتورط في تأويلها.
أما لغته، فقد كانت جزءا من هذا المشروع الجمالي. لم يسع إدريس الخوري إلى لغة متعالية أو مشحونة بالبيان، بل اختار لغة شفافة، قريبة من اليومي، لكنها مشغولة بعناية داخلية. كان يكتب كما يتحدث، أو كما يبدو للوهلة الأولى، لكن وراء هذه البساطة الظاهرة كانت هناك براعة في الاقتصاد اللغوي، وفي القدرة على اقتناص الجملة الموحية. إن لغته تذكرنا بأن البلاغة الحقيقية لا تكمن في التراكم، بل في الحذف، فيما يترك مسكوتا عنه ليعمل داخل النص مثل صدى بعيد.
وقد انعكست هذه الخصائص في مجمل أعماله، التي شكلت، على امتداد عقود، علامة فارقة في السرد المغربي. لم يكن غزير الإنتاج بالمعنى الكمي، لكنه كان وفيا لمشروعه، يكتب ببطء، كأنما ينقح الحياة قبل أن ينقح النص. في كل مجموعة قصصية كان يعيد اكتشاف ذاته، ويعيد اختبار العلاقة بين الكاتب والعالم، دون أن يسقط في تكرار نفسه. كان يدرك أن القصة القصيرة ليست ملعبا للاستعراض، بل مختبر داخلي للإنصات، ولهذا ظل محافظا على نبرة خاصة يصعب تقليدها.
غير أن الحديث عن إدريس الخوري لا يكتمل إذا اكتفينا بالنصوص وحدها. فالرجل كان أيضا حضورا إنسانيا دافئا، مزيجا من التواضع والتهكم والذكاء الخاطف. أتذكر لقاءاتي العديدة والمتكررة به في أحد مقاهي الرباط، “هينريس” قبالة محطة القطار الرباط المدينة حيث كان يجلس يحتسي “ريكاره” بلا ادعاء، كأنه واحد من رواد المكان العابرين، لا كاتبا صنع اسما في الأدب المغربي. كان يستمع أكثر مما يتكلم، يبتسم بنصف دهشة، ثم يطلق جملة قصيرة تختصر موقفا أو تلخص حكاية. لم يكن يحب الأضواء ولا الاحتفاء المبالغ فيه، وربما لهذا ظل قريبا من جوهر الكتابة: أن تكون صادقا مع نفسك أولا.
في تلك الجلسات كنت أشعر أن الرجل يكتب حتى وهو صامت. كان ينظر إلى المارة عبر النافذة، إلى تفاصيل الحانة، إلى حركة النادل، إلى ارتباك الحوارات الصغيرة، وكأنه يخزن كل شيء في ذاكرة سردية لا تهدأ. وربما لهذا جاءت نصوصه مشبعة بذلك الإحساس الحي بالواقع، إحساس لا يمكن تعلمه في الكتب، بل يكتسب من الاحتكاك اليومي بالحياة. لقد كان يكتب بعين الشاهد، لا بعين المنظر، وهذا ما منح قصصه ذلك الصدق الذي يصعب اصطناعه.
ومع مرور السنوات، بدا أن إدريس الخوري يزداد انحيازا إلى الاختزال. كأنما كان يسعى إلى بلوغ لحظة الصفاء القصوى، حيث تتكثف التجربة في أقل عدد ممكن من الكلمات. هذا المسار نحو التكثيف لا يعكس فقط نضجا فنيا، بل أيضا رؤية وجودية: كلما تقدم العمر، أدرك الكاتب أن الحياة لا تحتمل إلا إذا اختزلت في جوهرها. ومن هنا جاءت نصوصه الأخيرة أشبه بومضات، لكنها ومضات مشحونة بتاريخ طويل من الكتابة والتأمل.
إن استعادة إدريس الخوري اليوم ليست مجرد تمرين في الحنين، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الكتابة نفسها. في زمن يركض فيه الأدب نحو الاستعراض والانتشار السريع، تبدو تجربته تذكيرا بأن الكتابة الحقيقية فعل بطيء، مقاومة صامتة ضد الابتذال. لقد كان يؤمن، ضمنيا على الأقل، بأن الأدب ليس مهنة ولا سلعة، بل طريقة في النظر إلى العالم، أو ربما طريقة في تحمّل قسوته.
ولهذا، حين نستعيده في ذكرى رحيله، لا نستعيد فقط كاتبا رحل، بل نستعيد درسا في التواضع الجمالي. لقد علمنا أن القصة القصيرة يمكن أن تكون بيتا صغيرا يسكنه الهامشيون، وأن اللغة يمكن أن تكون جسرا لا جدارا، وأن الكاتب الحقيقي هو الذي يختفي خلف نصه، تاركا للقراء مهمة اكتشافه بين السطور.
هكذا يظل إدريس الخوري حاضرا، لا بوصفه اسما في سجل الأدب المغربي فحسب، بل كأثر خفيف يرافق من قرأوه أو جالسوه. أثر يشبه تلك الجملة التي يقولها أحدهم ثم يختفي، لكنها تظل ترنّ طويلا في الذاكرة. وربما في هذا يكمن سره: أنه لم يسع إلى الخلود، بل اكتفى بأن يكتب لحظته بصدق، فصار العابر المقيم، والغائب الذي لا يغيب.
كاتب من المغرب.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
