أخبار عاجلة
الرئيسية / أنا أقرأ / أنا موجود / وابتلعه السّلّم- فتحية الهاشمي

وابتلعه السّلّم- فتحية الهاشمي

وابتلعه السّلّم

 

فتحية الهاشمي*

 

إنّه شهر نوفمبر ، و لا غيمة تنذر بالانفراج، و لا نسمة تداعب وريقات [ الشّعباطة ] ° المتسلّقة لشبّاكها ، تهالكت على أرضيّة الغرفة مقلّبة نظرها في جنباتها ” كم هي خائفة ، رغم ارتفاع جدرانها حدّ الغثيان و نافذتها التي تحتل ثلاثة أرباع الجدار الأملس ، اللّزج ” قلّبت نظرها في الأفق الشّاحب ، وارتدّ إليها بصرها مفعما بالخيبة ، على البقعة السوداء ، الرّطبة ، عينان لمعتا في تحدّ صارخ ، قبالتها تماما ، حرّكت أصابعها في اتجاهيهما ، دارتا دورة كاملة ولم يتحرك الجسم قيد أنملة ، زادت في سرعة يديها تقلّبت ذات اليمين و ذات الشمال ، حاولت الوقوف على رأسها العينان اللّمّاعتان تتحديانها … ضربت كفا بكف ، يا لغرابة هذا الزمان : حتّى ” أنت ” توقفت نظراتها عند المدفأة ، تأمّلتها جيّدا ، حدّقت فيها ، تناهت إلى سمعها أصوات متداخلة ، ذات لكنة غريبة ، ضحكات رنّانة ، مستهترة ، حينا ، لا مبالية ، مفتعلة ، أحيانا أخرى … عبقت الغرفة برائحة
لم يألفها أنفها، إنها ليست رائحة [ القيحوانة و لا بوقرعون ] و لكنها رائحة أصابتها بخدر لذيذ ، ربما هي رائحة [السيقار] ممتزجة برائحة النبيذ، من الركن القصيّ ، انسابت موسيقى هادئة ، حالمة، تسارعت الأقدام ، تلاحقت، تطاير الشعر بلون التبن، في كل اتّجاه ، فاحت رائحة العطر الباريسي ممتزجة برائحة العرق، التفّت حول نفسها ، طوّحت بذراعيها في الهواء ، تمايلت مع الموسيقى ، حلّقت ، داخت، تكتكة الحطب في المدفأة، ذوّبت جليد وحدتها، أضرمت الجذوة في دمائها ، ارتفعت حرارتها
اشتعلت، بدأت بنزع ثيابها ، القطعة تلو القطعة، لم تأبه للعيون الزرقاء والخضراء و بألوانها القزحية المختلفة، المحدّقة في نهم في الجسد الأسمر الملفوف، قطرة عرق كبيرة ، انسابت فوق الشفة المنفرجة في ابتهال، أغمضت عينيها في شبه إغفاءة، مرّرت لسانها على الشفة المالحة ، أحسّت بلسع الملوحة ، انتفضت فجأة… [ الله أكبر ] أسقطتها التّكبيرة في قاع لا قرار له،… إنّه منزل الجيران ! ها هم كالعادة ملتفّين حول التّلفزيون ! الزوج في مكانه المعهود ، في جلسته المعهودة ، كأنّه نحت هناك منذ وضع حجر الأساس للعمارة المتهالكة ، الموشكة على السقوط لو سعل جميع السكان مرّة واحدة، في قرار لا سابقة له، كأس الشاي الأحمر على الطاولة، يلوّن ” جناح الدجاجة البيضاء” التي تلازمه ، مادامت الأخبار تؤنس وحدته و زوجته تسرد على مسامعه أحداث المسلسل المكسيكي الذي شهد ولادة ابنتها البكر و التي توشك أن تضع مولودها الأول هي أيضا هاته الأيّام، و مادام ابنه الجامعي ، يضحك حتى يستلقي على ظهره وهو يتابع الصور المتحركة و أخبار الأرض المحتلة لا تحرك فيه ساكنا ، ومدت أصابعها و بدأت بالعدّ: هي حقا لا تتذكر كم أرضا محتلة… و سخرت من سذاجتها، الأرض واحدة ! المحتلّ واحد ! و الشهداء بالآلاف !وهي تتابع التكبير من منزل الجيران، تحسب الشهداء و فيروز تردّد [ سنرجعيوما]… و تساءلت : أين يمكن أن يكون جارها الملعون الآن ؟ فكلما تعالى التكبير من بيت الجيران ، اختفى ذات ليل أو ذات فجر أو ذات وقت و لكنه دائما ، كان يعود، هي لا تعرف حتى اسمه، فكلما تقابلا على السلم الحلزوني ، الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والذي كتب أسفله [ممنوع التبول ووضع الزبالة ] و لكن أطفال البناية و البنايات المجاورة يفعلون أشياء و أشياء تحت الكتابة نكاية في كاتبها ، طأطأ رأسه في انكسار لا يواتي نظرته التي تعريها من أسفل إلى فوق، وهو يسارع بالولوج إلى شقته، محتضنا ” الخبزة” و معلبات لا تعرف محتواها، صافقا الباب بقدمه و كثيرا ما شاهدت عنده شيوخا بوجوه غريبة و بلكنات كثيرة، يأتون خفافا يغادرون ثقالا وحركت كتفيها في لامبالاة ، ما همها هي من ذلك ؟ …
حدّقت في الفراغ، حملقت في المدفأة، في الرّكن السّاكن ، أحسّت بقشعريرة تسري في الجسد المكوّر ، تمنّت لو كان معها ، حدّثها، شاركها همومها، وأفضت إليه بكلّ ما لديها، قرفصت، وقفت، فتّحت الأبواب، حاولت الصّراخ بأعلى صوتها، لكن الصّوت ، رفض مغادرة حنجرتها، تمرّد على الرّأس الموشكة على الانفجار، إنّها تريد أن يكون معها، لكن، حتّى الصّورة الوحيدة ، التي سرقتها من ألبومه، ذات غفلة، قامت بتمزيقها، في فورة غضبها من لامبالاته، دارت في الغرفة الضّيّقة ، [كجمل برّوطة]1 و لم تسعفها الحيلة … فجأة ، لمعت في رأسها فكرة، أسرعت إلى أدوات الرّسم المبعثرة على الطّاولة ، سوف ترسمه، أو بالأحرى سوف تحاول رسمه، فهي في حياتها لم تُجِدْ رسم شيء [ واحتدّ صوت مدرّسة الرّسم في أذنها، الرّسم ، جميل ، و يوحي بموهبة حقيقيّة ، و لكنه لا يمتّ إليك بصلة ، سوف أسند العدد إلى صاحبه ، و أخيرا ، حسمت أمرها وأسندت إليها عشرة من عشرين . ] حملقت في القلم و الورقة ، تربّعت على الأرضيّة ، تساقطت خصلات شعرها، حجبت عنها الرّؤية، رفعتها إلى فوق، شبكتها بقلم ، من أين ستبدأ يا ترى ؟ الأنف ؟ أم الفم ؟ و لكن ألا يجدر بها أن ترسم حدود الوجه أوّلا؟ أخيرا بدأت برسم الخطوط الأولى للتّقاسيم الملتصقة بالذّاكرة…
الوجه مستطيل في استدارة، كيف يكون ذلك ؟ و حكّت جبينها، إنّه كما يقولون [ قلب لوز ]، وابتسمت في خبث ، رجل بوجه كقلب اللّوز، و ما نوع اللّوز يا ترى ؟ و تجاوزت الفكرة وانطلقت تخربش و تحاول ألا تمحو ما رسمت ، الشّفة السّفلى ممتلئة ، قرمزيّة اللّون، متدلّية في سخرية لاذعة، كأنّها على استعداد للنّيل من كلّ شيء و من اللاشيء، مرّرت سبّابتها عليها في تؤدة ، أحسّت بلزوجتها، أبطأت في الانفراجة السّاخرة،
أحست بحركة فجائيّة سحبت الإصبع المستكين ، الشّفتان تحاولان قضمه في دعابتهما المعهودة ، حرّكت رأسها ، يمنة و يسرة في تركيز مستميت ، مرّت بالأنف ، أرنبته مازالت مرتفعة في شموخ، وصلت إلى العينين ، حارت في لونهما : خضراوين ، بلون أعشاب البحر ، أو رماديّتين كهذا المساء، برموش طويلة ، كحيلة ، حاولت النّظر فيهما مليّا حتّى تتمكّن من تحديد اللّون ، لكنّها تراجعت في رعشة عصفور مقرور، النّظرة الحادّة ثبّتتها مكانها، سقطت كلّ دفاعاتها أسيرة بريقها، ألقت بنظرتها الحسيرة إلى الأرض… كم تمنّت أن تدقّق النّظر في عينيه، لكنّها دائما كانت تنهزم أمام النّظرة الكاسرة ، أسرعت تمرّر القلم على الشّعر المسترسل ، الأشقر أوالخرنوبي، بل الفاحم، وهذا ما تريده حقا واستقر رأيها على اللّون الأخير،وضعت كفّها على النّظرة المحدّقة فيها وخلّلت الشّعر بأصابع مرتجفة … اكتمل الرّسم : لكنّها نسيت أهمّ ما في وجهه، شاربه، كم كانت تحسّ بالزّهو كلّما رافقها وعيون الفتيات تلاحقه، كانت تغار عليه حتّى الموت، لكنّها لم تتجرّأ على إبداء عواطفها ، تنهّدت ، كم كانت غبيّة
كانت تعتقد أنّه مكتمل الرّجولة بشاربه الفاحم وأمضت وقتا ليس بالقصير في تشذيبه و تلوينه…
و أخيرا توضّحت معالم [ قلب اللّوز] جلست أمامه، تأمّلته ، ربّما كان الأصل أجمل، قطعا ، هو كان و مازال كذلك و لكنّها اجتهدت في نقل الصّورة كما هي و لعلّها نجحت في ذلك، وجهها الصّغير، عيناها المنذرتان بعاصفة من البكاء ، لن تنتهي أبدا، تسمّرتا أمام الرّسم الجامد …
الورقة الملطّخة بالسّواد ، تدغدغ أحاسيسها ، تحطّم كبرياءها ، تحسّست النّتوءات على البياض الموشي بخصوصيّاتها، جفّ حلقها، تلاحقت أنفاسها، أحسّت بحرارة الدم المتدفّق في التّقاسيم ، تلهب بصماتها، الجانب الأيسر يكاد ينخلع، قلبها ينتفض في محاولة لمغادرة قفصه، اهتزّت في صلاة مكبوتة ، رفعت يديها إلى فوق، الماء الحارق تدفّق يلهب الوجنتين، العاصفة انفجرت أخيرا، قطرة، قطرتان ، حتى أصبحت ، سيلا جارفا…
على الشّفة المنفرجة ، استقرّت قطرة بحجم صلاتها، اضطربت الورقة، اختلجت، اهتزّت و كأنّها تنازع ، توقّفت العاصفة ، العينان الحمراوان ، التصقتا بالخطوط التي بدأت بالبروز: الأنف الحادّ كالسّيف أوّلا، عن أيّ سيف تتحدّث، الغلبة الآن للأسلحة الجرثوميّة والبيولوجيّة و العنقوديّة والتي
كلّها على وزن البليّة ، فلنقل حادّا كمثلّث برمودا، بعدها ها هي الرّموش تنسل من الأجداث، ثمّ ها هي النّظرة الحادّة تخترق الحجب و تتجسّد أمامها، أمسكت باليد المعروقة ، أرادت تقبيل الأصابع ، إصبعا ، إصبعا
لكنّ الرجلين أرغمتاها على التّخلّي عن الفكرةّ و أخيرا استقام الجسد الفاره أمامها بشحمه و لحمه، أنبتته من دموعها، صقلته بابتهالاتها، ركعت على ركبتيها، في حركة شكر و أذهلتها اللّحظة الواعدة عن الإتيان بأيّة حركة، حملقت في الوجه المنحوت و كأنّه قدّ من صخر وماء، لا يبدو أنّه أحسّ بوجودها ، استجمعت شجاعتها و جذبته من يده، همست : أهكذا يكون الاستنساخ ؟ أيخرج النّفر ، صورة بلا أحاسيس؟ إنّه ليس حبيبها، ثمّ استطردت، لمَ كلّ هذا التّشاؤم؟ لعلّه لم يستوعب الموقف بعد ؟ و لكن يبدو انّه يحاول فعل شيء باليد الأخرى، ها هو يحاول إخراج شيء ما من جيبه، تعلّقت عيناها بالجيب و باليد الباحثة فيه ، أتراه يفعلها بعد كلّ هذه الأعوام؟ و تلمّست الإصبع الخالية من المعدن البارد و الذي هو على وشك الإزهار بعد حين … و جذب يده في حركة سريعة ، سمعت رنينا متقطّعا و أحسّت بلسعة في القلب المنتظر ، لم تدر لماذا تحفّزت كلّ حواسّها عند سماع الرنين المتقطّع، أحسّت أنّ الصوت مألوف لديها، قطعا هو ليس صوتا من العالم الآخر و هي حقّا لم ترسم ذاك الشيء بصوته المميّز…
لكنّه رفع هاتفه الجوّال إلى أذنه و همس في نعومة مستجدّة عليها :
ــــ لقد عدت منذ لحظات حياتي !لا تقلقي ! سوف أكون عندك” أسرعمن الصّوت” !
… وانطلق في خطى عملاقة ، تخطّاها، تجاوز اليد الممدودة في ذهول .
فتح الباب وابتلعه السلّم الحلزوني …

الهوامش
القيحْوانة : الأقحوان
بوقرعون : شقائق النّعمان
برّوطة : مقام بمدينة القيروان بوسط الجمهورية ، به ، ناعورة ماء ، يديرها جمل ، يصعد إلى المقام منذ الصغر و لا ينزل إلا بعد أن يشيخ و يقع نحره …
و هذا المثل التونسيّ يطلق على الشّخص الصّبور ، الجلد و الذي يقوم بنفس العمل دون أن يشتكي أو يملّ …

شاعرة وروائية من تونس

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور المجموعة القصصية القصيرة: “جرّبوا الموت قليلاً”. للقاص سمير بية

أعلنت دار أديب للنشر والترجمة والتوزيع مع مطلع عام 2025 عن صدور المجموعة القصصية الجديدة …

اترك تعليقاً