الرئيسية / الأعداد / العدد الثامن والسبعون / أعمدة ثابتة 78 / مسألة المنهج في “لن أقتفي غير أثري” إسماعيل هموني – المختار النواري

مسألة المنهج في “لن أقتفي غير أثري” إسماعيل هموني – المختار النواري

عطر الكلام وعبق الكتابة

مسألة المنهج في “لن أقتفي غير أثري” إسماعيل هموني

المختار النواري*

 

الشعر مشدود على الدوام بين وترين رفيعين، قويين جادبين:

ـ وتر الرقة والعذوبة، والروح المستكينة، ونشدان جمال الحياة؛

ـ وتر الثورة والتمرد، وروح الرفض، ونشدان التغيير، والسعي نحو الأفضل.

وفي تلك الحالتين، ومع وتر من الوترين، لا يتردد الشعر في أن يسري في النفس، وأن يهز أريحيتها، وان يثير كوامنها، ويرفع درجة إحساسها، ويجعلها تشعر بآدميتها في أبهى تجلياتها، وأصفى تمظهراتها.

وعلى هذا كان الشعراء يوقعون نغماتهم على أحد الوترين، فيوصمون به وصم الدهر، الذي لا يزول. ويصنفون عليه تصنيف النقد، الذي لا يحول. أو يراوحون بين الوترين، فمرة يعلوهم الفرح ومرة يعلون الغضب؛ ومرة ينتابون الصلح، ومرة ينتابهم العطب؛ ومرة يغرقهم الهناء، ومرة يغرقون في الكرب.

ولا يخرج شاعرنا إسماعيل هموني اليوم عن هذا التصنيف، وفي ديوانه الجديد: “لن أقتفي أثر غيري”، فهو الشاعر الشعّار، القرّاض الروّاض، البحّاث النحّات، الصوّاغ النبّاغ، الرصّاف الصرّاف، الحكّاك السبّاك، الهذّاب الشذّاب، الفكّار الغوّار.

وهو ـ وكما عهدناه في دواوينه السابقة

وهو معنا اليوم في هذا الديوان، الذي نحاول أن نستكشفه، ونكشفه للحضور، وليصبر على نشره على مناخل النقد، فعل الشاعر أن يقول، وعلى الناقد أن يفْهم ويفهِّم، ويفْسُر ويفسِّر ويشْرَح ويُشرِِّح، ويُقِيم ويقيِّم. فذلك قدره كشاعر، وتلك مطباتنا كنقاد وباحثين ودارسين، بارك الله له، وأجزل له العطاء، وغفر لنا، وتجاوز عن الزلل.

بوابات الديوان

يتحدثون عن العتبات في المصنفات، وسأتحدث عن البوابات في هذا الديوان، ولا مدعاة إلى تبيان الفرق بين العتبة والبوابة، فهي أوضح من أن تشرح، وأفصح من أن تطرح، وألمح من أن تصرح. ولهذا الديوان بوابات، لابد للقارئ أن يلج منها، وأن يخرق سقف توقعاته عبرها، وأن يعبر امتدادات صفحاته من خلالها. وإذا كان هذا واجب في شريعة القراء، فهو في نهج الدارسين أوجب، وفي بغياتهم أطلب.

بوابة العنوان:

وأول هذه البوابات بوابة العنوان، فهذا العنوان الرباعي: “لن أقتفي غير أثري”، محكوم بالتصريح بما في النفس، ونشر الهواجس، وبث الكوامن. ولذلك فإن الرغبة في المواجهة والمكاشفة تعلوانه. وكلما كثرت كلمات العنوان، وطالت عبارته، كلما عبرت عن الرغبة في الإفصاح، والحرص على مد مساحات البوح، بين الشاعر وقارئه، والعمل على نثر رذاذ الروح، وبث اللواعج، وبسط الفواجع.

وتعمل هذه البوابة على رص خمسة ثوابت عنوانية، هي:

1ـ حضور الذات القوي من خلال مؤشرات صرفية تعود على المتكلم ـ الشاعر: همزة المتكلم في “أقتفي”، وياء المتكلم في “أقتفي”، وفي “غيري”، الخاتمة للعنوان.

2ـ الإصرار على الرفض: بتقدم الحرف “لن” على العنوان بقوته الجزمية والنافية.

3ـ رسم المنهج: حمل العنوان في عمومه يافطة المنهج، التي ترفض الاختفاء، وتعاند أثر الغير، وفي الوقت نفسه ترفع عاليا روح الاستقلالية، وتتمنطق بالتفرد والتميز، وانتهاج النهج الخاص.

4ـ روح الاستقلالية: يرفع العنوان عاليا التحكم في الذات، ورفض الخضوع للآخر، ومقت التقليد.

5ـ التشبت بالفرادة والتميز: يصرح العنوان برفض التقليد والمحاكاة، ويخفي خلف التصريح حب التفرد والتميز، والحرص على الخصوصية.

ثاني البوابات: بوابه الإهداء:

يأتي نص الإهداء تحت عنوان “إهداء”، ومحتوى المتن الإهدائي في سطرين:

الأثر الذي قادتني إليه النون

وأبقاني نعيما…

وتشتمل بوابة الإهداء على آخر لفظة في العنوان (أثري)، لتجعلها أول لفظة في متن الإهداء، بعد ان جردتها من النسبة ـ الياء ـ وكستها التعريف (الأثر)، مانحة إياها العمومية والإطلاق، رافضة تقبل ان يكون الأثر أثر أحد ما.

ويبقي الاهداء على آلية استلال الألفاظ من العنوان، فيأتي برديف لأقتفي، ويكون هو قادتني، ولكن بزيادات لا تمنحها لفظة العنوان. فالاقتفاء يكون تلقائيا واختياريا، ولذلك يُلحق بالفعل ضمير واحد (ياء المتكلم) المعبرة عن الفاعل، بينما القيادة تكون إجبارية توجيهية، تعطي السلطة الكاملة والمطلقة للقائد، وتلزم المقود بالخضوع التام، والاستجابة غير المشروطة، ولذلك أُلحق الفعل بضميرين: غائب مؤنث فاعل وحاضر متكلم مذكر مفعول، يزاوج بين النون والياء في “قادتني”.

وهنا يُثار الاستلال الضدي، ما بين أسلوب النفي (لن أقتفي) وضده (قادتني)؛ ما بين الفعل المزيد الخماسي (أقتفي) والمجرد الثلاثي (قاد)؛ ما بين الملحقات من الضمائر: ضمير الفاعل (أقتفي) مقابل ضمير الفاعل والمفعول (قادتني)؛ ما بين الوجهة المبهمة الخاصة (أثري) والوجهة المحددة المشتركة (إليه)؛ ما بين الحضور بالضمير المبهم المعروف (الياء من أقتفي وأثري) والاسم المعلن المجهول (النون)؛ ما بين الحصر والمنع (غير أثري) الى التعميم والإطلاق (الاثر).

وخلاصة، فما كان في العنوان منع، تحول في الإهداء الى إباحة، فهل  المنع هو الإباحة؟ ذلك ما لا يستقيم له منطق! أم هل أن “النون” من “أثري”، و”أثري” هو “النون”؟ ذاك ممكن، وإن كانت الأسماء، وتنوعها واختلافها، لا يسمح بذلك. فهل الشاعر من خلال ضمير المتكلم هو النون؟ بمنطق الأسماء ليس كذلك! ولكن بمنطق الشعر يمكن أن يكونا وجهين لذات واحدة، تتحقق بقوة الذوبان والانصهار والفناء، الذي توطده كيمياء العشق، ويصوغه قانون الغزل.

آلية الزيادة والتفصيل: 

يكاد يكون السطر الأول من الإهداء مكافئا للسطر الأول من العنوان، ويغايره في إضافة ما رص في السطر الثاني: “وأبقاني نعيما”، حيث يجسد فضل الأثر، ويزيد من تزكية حضوره، وترجيح قبوله، مما يُعتبر إغراقا في مناقضة العنوان.

ومما يؤكد ان الإهداء كان أسير العنوان وفوق انه ظل وفيا لخصائصه المعجمية، وأتى على قالبه الأسلوبي، وتقاطع مع مضمونه بالمقاطعة، بحيث جاء ذاتيا صرفا، يتحدث عما تحقق في ذاته وأسبابه، والنعائم التي يرفل فيها.

البوابة الثالثة بوابة التصدير:

طبيعي أن تحظى الدواوين الشعرية، كغيرها من مختلف المصنفات، بتقديم، وليختر له المصنف ما يشاء من تسميات (مقدمة ـ تقديم ـ مدخل ـ تصدير…)، ولصاحب الديوان أن يسند مهمة إنجاز التقديم لمن شاء، فيتكفل بها هو شخصيا، أو ينيب عنه من يراه يسد هذا المسد. ولقد تحققت في هذا الديوان هذه الخاصية التصنيفية ـ التقديم ـ ولكن بمفارقات، تجدر الإشارة إليها:

1ـ: أنه كان مادة شعرية صرفة، بلا بسملة ولا حمدلة ولا أما بعد ولا أما قبل.. وتخلص من ثوابت التقديمات، وهو في هذا يتناسب مع نوع الكتابة في المصنف، إذ يقدم الشعر بالشعر، وان اختلف كاتب الشعر، فكاتب الديوان ليس هو كاتب التصدير. وعزيزة هذه الخاصية، فقد ينجح الشعراء في كتابة الإهداء شعرا، ولكن يصعب أن تجد الشاعر يكتب تقديم ديوانه شعرا.

2ـ أن المادة الشعرية كانت محدودة جدا في حجمها، فهي لم تتعد أن كانت بيتا، أو أسطرا.

3ـ ان التصدير كان عبارة عن مواد شعرية بيتا وأشطرا متفرقة، غير مترابطة، على مستوى الصياغة.

4ـ أن المواد الشعرية كانت لشعراء عديدين (الأفوه الأوْدي ـ أبو نواس ـ العباس بن الأحنف ـ ابن الزيات ـ ديك الجن)، بمعنى أن هؤلاء هم كتاب التصدير، على خلاف ما تعودناه في كاتب التصدير الذي لا يزيد عن الواحد.

5ـ أن هؤلاء الشعراء الستة، الذين أصبحوا يشكلون الفريق التصنيفي الخلفي للديوان، لا تربطهم رابطة تصنيفية به، أو فيما بينهم، فهم ـ وان كان يتقاسمهم جنون الشعر وهوسه ـ من أزمنة لا تسمح لهم بمعرفة الديوان، ولا صاحبه، وإنما الديوان هو الذي خلق التعارف بينهم، وصاحبه هو الذي استدعاهم.

6ـ أن التصدير لم يؤطر الديوان، كما يحصل عادة مع التصديرات، وإنما الديوان هو من تأطر بالتصدير، والدليل ان العنوان الذي يُفترض ان يكون النص المضغوط للديوان، يحمل اثرا من كل تصدير من التصديرات الستة،

وسنشرح ذلك لاحقا.

التصدير محتوى

“لن أقتفي غير أثري” ـــــــــــــــــــــــــــــ= عنوان

“الأثر الذي قادتني إليه النون

وأبقاني نعيما…” ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ= إهداء

وما بين الإهداء والعنوان يبقى هذا التجاذب المنهجي، بين أثر غير مرفوض، وأثر يقود.. بين شاعر يرفض أي منهج غير ذاتي، وشاعر يستكين لمنهج غير ذاتي.. وفي النهاية بعد الجمع بين البوابتين، نجد الشاعر هنا وهناك.. شاعر يرفض ما لا يقبل في نظره، وشاعر يقبل ما يرفض في نظره.. فهل نحن إزاء عبثية منهجية؟! هل نحن في تضارب صارخ بين المواقف؟! هل نحن أمام زوبعة ثائرة، تبني وتهدم، تقيم وتنسف، تثبت وتمحو؟! أم أننا أمام موقف يقبل الاستثناء، وحزم يلين حينا، وتمرد يستكين لحظة؟! هل “النون” مما يسري عليه الاستثناء، ولا يسري على غيرها؟! هل “النون” قريبة من الذات، متداخلة معها، إلى درجة أنها تعتبر جزءا منها، وليست من الغير؟! كل الاحتمالات مفتوحة على القراءة، التي ستثبتها، أو تعدلها، أو تغيرها.

ولعل أول ما يثير في هذه التصديرات ويجمعها لكي تكون تصديرا، وتتوافق مع العنوان المفرد، الذي عنونت به (تصدير)، الروح الفكرية التي تطبعها، أو الخلفية المنهجية التي تكتنفها. ففي كل قول نجد منهجا لصاحبه، يلامس جانبا من جوانب الحياة، وربما حَكَم المنظور العام لها.

وقد استأثر مجال الحب بمعظم التصديرات (ثلاثة)، لكل من العباس بن الأحنف وابن الزيات وديك الجن. ولكل من الشعراء الثلاثة وحده مذهب في الحب، عاشه سلوكا ووقائع، وترجمه فكره وحسا، وجسده كتابة.

فالعباس بن الأحنف الحنفي النجدي اليمامي البغدادي توفي حوالي 192 هجريه عاش في زمن نضجت فيه المنهجيات، وكان إمام العاشقين، الشاعر الغزلي الرقيق، المغرق في عذوبته.

يقول في بيته الذي اختير تصديرا:

فان زعمت بأن الحب معصية       فالحب أحسن ما يعصى به الله

وقبل هذا البيت قال

أستغفر الله إلا من محبتكم        فإنها حسناتي يوم ألقاه

وللرجل منهجه في الحب، عاشه مع حبيبتي “فوز”، ورسم معالمه، وبين تفاصيله وخلده في مذاهب الغزل العربي، وسجله بالحرف العريض في تاريخ الشعر.

فهل التصدير يخلو من رسم أثر واقتفائه؟! أو من استحضاره ومخالفته؟! فليس الاقتفاء بالاتباع فقط، وإنما بالمعارضة أيضا.

وليس الزعم (زعمتَ) إلا مذهبا في الحب، واتجاها فيه، يعارضه الشاعر، ويصمه بالزعم في الشطر الأول، وياتي بمذهب مخالف (فالحب أحسن ما يُعصى به)، يتبناه ويدافع عنه في الشطر الثاني، ويفند به المذهب الأول، كما ورد في الشطر الأول.

وفي مجال الحب أيضا يأتي تصدير آخر، منسوب لابن الزيات أبي جعفر محمد بن عبد الملك الوزير توفي سنه 233 هجرية وهو وزير للمعتصم وأديب وشاعر وناثر. يقول فيه:

عصيت فيك الناس كأني أمة وحدي

ونجد قبله:

فقلت كما تشاء فِداك نفسي

ونسبه مجموعة من العلماء إلى ابي فراس الحمداني كما هو في وفيات الأعيان 5/ 94. او في سير أعلام النبلاء 11/ 173.

ونفهم من هذا على أن عصيان الناس مذهب، لما يقتضيه من مخالفتهم في الرأي والتوجه، والنظرة إلى الأمور.. واتخاذ طريق مغاير لهم مذهب آخر.. فكانت المخالفه تجعل الناس في كفة، وتجعل الشاعر المخالف في كفة أخرى.

إن شدة عصيانه، وقدرته على المواجهة، وإصراره على المجابهة، يجعل منه أمة في واحد، وبعبارة أدق يجعله واحدا بحجم وقدرة أمة.

ويبقى الأهم هنا، والذي يجب ان نركز عليه، أن هناك مذهبان متناظران، وهنا يصر الشاعر على ألا يقتفي أثر الجماعة، بل يكون له ممشاه الخاص.

ويأتي شاعر ثالث بتصدير في مجال الحب، يقول فيه:

إن المحبة في قلبي

فخل يدي

وهو شطر ثاني لصدر جاء فيه:

جس الطبيب يدي جهلا فقلت له

وهذا البيت مشهور لديك الجن الحمصي عبد السلام بن رغبان الكلبي المتوفى سنه 235 هجريه وهو باب كبير في الغزل رقة وجرأة، ومجونا وجنونا، ورغبة ولذة، ومعاقرة خمر، ومطاردة نساء. وقد شهرت قصته مع حبيبته “ورد”.

القصة …

لا علينا، ولنعد إلى التصدير الذي يقول

إن المحبة في قلبي

فخل يدي

وجهتا نظر متعارضتان، أو لنقل بلغة هذا البحث مذهبان متنافران، ومنهجان متعارضان، بين من يظن أن سبب العلة في اليد، وهذا مذهب الأطباء؛ وبين من يظن أن سببها في القلب، وهذا مذهب المحبين.

وبعد استعراض هذه التصديرات الثلاثة، نجد أنفسنا أمام ثلاثة مذاهب للعشق:

ـ أولا مذهب غزلي عفيف شفيف كالندى، ضعيف أمام الروادع، مساق برقة الحب.

ـ الثاني مذهب غزلي مجاهر معاند، قوي لا يصده مانع، وهذا بسبب قوة المنصب.

الثالث مذهب غزلي ماجن متهتك، مستعر بالغيرة، متشكك في الوفاء، متوقع الغدر، وهذا راجع لتحكيم قوه الغرائز.

وبعد مجال الحب نجد مجال الجمال والإحساس به، فقد ألِف الناس أن الجمال يُدرك بالبصر، ويُرى مجسدا في صفات وملامح حددوها: شحنة وتقاسيم وجه، وقدّ جسم، ولون بَشرة، ودلال حركة. غير أن هناك حاسة أخرى لإدراك الجمال، وهي القلب. وربما إدراكه كان أصدق وأبين، لأنه لا يغتر بالمظاهر، ولا تنطلي عليه التزاويق، وإنما يعتمد حدسه وفراسته، ويبحث عما لا يدركه البصر: جمال السريرة وجمال النفس، وجمال الروح

وفي بعض القلوب عيون

فإذا كان الإدراك يعم العيون، والنظر مطلق في كل ذي بصر، فإن الإدراك لا يعم القلوب، بل بعضها الذي يدرك، وينعم بهذه الحاسة، التي هي جزء من البصيرة. ولا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

كان ذلك مذهب الشاعر أبي تمام، الذي اختار أن يصدر به الشاعر هموني ديوانه. والشاعر حبيب بن أوس المتوفى سنه 231 أورد هذا الشطر في قصيدة، مدح بها الواثق بالله. وابو تمام وما أدراك ما أبو تمام مذهبا شعريا، وبملامح كثيرة متعددة، تقف شامخة في تاريخ الشعر العربي، وتحدد أحد اتجاهاته الكبرى، المسماة بالمنزع البديعي. جمال في الشعر وجمال في الحياة، قد لا يدركان بالبصر، وإنما بالقلب، وعلى الأخص جمال الشعر منهما.

ويأتي المجال الثالث مجال الدين ليفتح باب الاختلاف في الفهم والرؤى، والتصور والنهج، وقد تحدث عنه القرآن وأباحه: “لكم دينكم ولي دين”. ونوع في التعبير عنه بأربع عبارات في سورة “الكافرون”. واستجلب هموني التصدير الشعري لأبي نواس

ديني لنفسي ودين الناس للناس

كذلك نسبه الشاعر لأبي نواس، ونسبه غيره للحلاج الحسين بن منصور المتوفى سنه 309 هجرية، وهو الأشهر. وللحلاج أثره، وهو لا يتبع أثر غيره، وقد كان خلافه مع التيار العام (الناس) كبير جدا، بحيث لم يتقبلوه وحاربوه، ونابذوه العداء، وحاكموه وصلبوه. فاقتفاء الأثر الخاص في الدين من أعقد الخلافات المنهجية، وأخطرها على صاحبها.

وأما المجال الرابع فيشمل الحياة عموما:

وحياة المرء ثوب مستعار

وهو القول الوحيد لشاعر جاهلي هو الأفوه الأودي صلاءة بن عمرو المدحجي الحكيم الفارس سيد قومه واميرهم توفي سنه 68 قبل الهجرة أو نحو 555 ميلادية.

ويعرض الأفوه نظرته الخاصة إلى الحياة، والحديث عن المستعار يفرض وجود مستعار منه ومستعار له، وعلى عمومية الحياة تأتي عمومية الاستعارة.

الاعتقاد في أن الحياه نعمة ومتعة، وهبة طيبة، يجب على المنعم بها أن لا يفوت فرصة الاستمتاع بها. وهذا منهج في الحياة،

واعتقاد عكسه، ومخالفة درجته، سلبا وايجابا، مناهج أخرى، مخالفة في الحياة

ـ فالمبالغة في الاستمتاع بالحياة، تفضي الى التهتك،

ـ والتقليل من الاستمتاع بالحياة يفضي إلى الى التقشف والتضييق على النفس

ـ وبين المبالغة والتقليد درجات وسطها النظر الى الحياة على أنها نعمة والاستمتاع بها في اعتدال.

وباستعراض التصديرات الستة رأينا كيف كانت جملة من المذاهب التي عرضها علينا الشاعر هموني، وتخص مجالات مختلفة من الحياة، منها الحب ومنها الجمال ومنها الدين ومنها الحياة عموما. فهل نفهم من هذا العرض التصديري على أن تلك اثار لا يريد الشاعر أن يقتفيها؟! أم نفهم على أنها آثار تستحق العرض والمعرفة، ومن ذلك يشق الأثر الخاص، وهذا يجعلنا في مأمن من اقتفاء الآثار، او يجعل لنا منهجا خاصا لا نقتفي فيه أثر غيرنا؟!

يبقى السؤال معلقا للقارئ كي يجد له جوابا من خلال محتوى الديوان.

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نبارك وتر الثورة والتمرد، الذي شده شاعرنا، وما أرخاه، ووتره وما أطلقه، ووقع عليه نغمه، الذي أراد، وعزف عليه لحنه، الذي اختار. فكانت روحه الشعرية تعلن العصيان، وصدره يفور من الغليان، على آثار الآخرين، ويرفض اتباعها، ويبحث له عن أثر خاص، ويصر على ابتداعه.

وعلى مستوى الخصوص، فقد كان له ذلك، بحيث خط الرجل نهجه الشعري، وكتب كما لم يكتب غيره، وارتسم طريقه، واختار مساره، هذا الذي نقرؤه اليوم، ونعرفه به، ونباركه له، ونهنؤه عليه.

وإن كان على مستوى العموم نقر، ويقر معنا، على أن التأطير المنهجي العام يحكم كل منحشر في فكر معين، ومتظلل بثقافة محددة، ومحكوم بلغة معينة، ومؤطر بنهج شعري مميز، ومحاصر بزمان ومكان.

وفوق كل ذلك وهذا، فمعارضة منهج ما سير عليه بمخالفته ومعاكسته، واستظلال بروحه، وإقرار له بمناقضته. بل إن رفض أي منهج لا يكون إلا بالتخندق داخل منهج اخر، وحتى هذا المنهج الذي يُرى جديدا، لا يأتي من فراغ، وانما تحكمه خصائص منهجية متأصلة فيما يتقاطع معه من معارف، ومؤثت بخصائص أخرى، مبتكرة أو معدلة، مهيكلة أو ملونة، تقدم في صورة مختلفة، وتشكيل مغاير.

والخلاصة أنه لا يمكن أن نحيا خارج المنهج، ليس في الفكر وحده، وإنما في الحياة بشكل عام.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً