الرئيسية / أنا أقرأ / أنا موجود / لهذا الصمت المطبِقِ رائحة الخوف ولون الخيانة – فتحية الهاشمي

لهذا الصمت المطبِقِ رائحة الخوف ولون الخيانة – فتحية الهاشمي

أنا أقرأ أنا موجود

لهذا الصمت المطبِقِ رائحة الخوف ولون الخيانة

فتحية الهاشمي*

 

لهذا الصمت المطبِقِ رائحة الخوف ولون الخيانة

لقلبها المتشظّي حبّا وألما لون الخديعة.

لخطوها المرسوم على صفح غيمة صيفيّة شاردة في المدى، رعشة الذّروة وارتجاف الضَّياع.

لروحها المنتظرة على حافّة الضَّياع أن تناديك نحو أقاصيها كي تبعث من جديد.

مشت بخطى متعثّرة نحو الغرفة المنزوية في الطرف المقابل لها، لاشيء غير الفراغ، مدّت أصابعها الوجلة نحو أكرة الباب، أدارتها، يبدو أنه مغلق من الدّاخل، حاولت مرّة ثانية، دفعته بكفّها الراعف بالرّيبة، لم تسعفها يدها، ضغطت بكتفها عليه، كادت تسقط وهي تسمع صريره وهو ينفرج بقوّة، كم تكره الأبواب المواربة وأنصاف الحلول، وقفت وسط الغرفة، لا شيء غير الصّمت، يبدو أن الغرفة خاليةٌ إلّا منها، تساءلت في حيرة: كيف للباب أن يغلق من الداخل إذا كانت الغرفة خالية؟ حرّكت أنفها في كلّ الاتّجاهات مثل بوصلة وسط بحر هائج: ـــ يجب أن يكونا هنا …

مدّت يدها أمامها، لأصابعها ذاكرة الفجيعة، حرّكت يديها دائريا كأنّها تتلمّس وجها، لكنّ يديها خانتاها هذه المرّة، فجأة أحسّت حفيفا في الخلف، كأنّه احتكاك ثوب بجسد رخو، تحرّكت عندها حاسّة الشّم أكثر و تحفّزت كلّ مسامّها، لا يمكن أن تخطئ هذه الرائحة أبدا … إنّها رائحتها ” الحياة جميلة” هذا العطر الفرنسي النبيل لا يمكن لأنفها أن يخطئه أبدا … تحرّكت نحو منضدة الماكياج، تلمّست حافّتها بأنامل حذرة ، قارورة عطرها  ليست هنا، مرّرت أناملها في خفّة و حذر و لا هناك أيضا، لقد تحوّلت من مكانها ، إذا لم تخنها حاسّتها أبدا، فجأة ارتطم أحدهم بحافة السرير الخشبي، استدارت متحفزة كنمرة و أمسكت بالجسد المرتعش، رفعت يدها نحو الرّأس، مرّرت كفّها على الشعر المجعّد و تحسست ملامح الوجه برؤوس أصابعها : تعرف جيّدا هذا الأنف الأفطس و الشفتين الغليظتين و العينين الوقحتين، همست في سخَطٍ مكتوم : ـــ  أهذه أنت ؟

رائحة العطر تدخل خياشيمها كأسياخ الحديد الحامي والملامح القميئةُ تسكن رؤوس أناملها والشّعر المجعّد يتسرّب داخل فمها كالأفعى يكاد يخنقها، حشرجت مرّة أخرى: أنت؟

خطت نحو منضدة الماكياج بخطى ثابتة ، بحثت عن قارورة العطر، تعثّرت أصابعها في المشط ، في تفاصيل أنثويّة صغيرة تخصّها ، أخيرا أمسكت بالقارورة و أغلقت كفّها عليها بقوّة تكاد تكسرها ، استدارت إلى الخلف ، مازال الجسد المتخشّب في مكانه ينتظر حكمها ، وضعت يدها على كتفها ، مازال ينبض بحرارة كفّه بعد ، هنا حطّت أصابعه العاشقات و هي تتلمّس رأس الكتف و تنزلق نحو العنق و تتحرّك في هسيس كالأفعى نحو الثّدي ذي الحلَمة النافرة ، توقّفت لحظة و هي تفتح القارورة و ترفعها عاليا كي تدلقها كلّها على الجسد المتخشب ، فاحت الرّائحة ، غطّت على كلّ الرّوائح إلاّ رائحة الخيانة.

عادت أصابعها تنزلق على الوجه القميء، حرّكتها فوق نظرتها الوقحة التي يلمع فيها لون الشهوة، انتقلت ببطء وتأنّ إلى الشفتين اللّزجتين، تحسّستهما وأمسكت بحفيف أنفاسه بينهما، نزلت نحو الحلمة النافرة، إلى مجرى الماء ثمّ أمسكت ما بين فخذيها المنفرجين بقوة كادت تقلع ما بينهما، ندّت صرخة مكتومة عن الجسد المتخشّب أمامها، لم تمهلها كثيرا، أبعدت يدها في تقزز كأن أفعى لامستها،

استدارت نحو الخارج في خطى راعفة، بصقت على يسارها وهي تصفق الباب وراءها، تأخذ حلمها من تفاصيله وتنطفئ في العتمة.

للأحمر بحّة وفحيح

هل قلت نمنا في ضوء الأصابع

فلاشيء ينبئ عنّا غير الصّدى

قد نموت في انعتاق الشهقة الأولى

قد نحيا في شهيق الجسدين

كاتبة من تونس

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً