آخر موعد للهطول
فتحية الهاشمي*
إنّها في حالة تحفّز ، عيناها ترنوان إلى الأفق البعيد ، تعانقان فيروزيّة السّماء …
أرهفت السّمع ، لا شيء، لا صوت، يفسد سحر اللّحظة الخالدة ، “في البعيد ، القريب، قبّرة تبحث عن وليف ، الأوراق الصّفراء تحضن الزّنابق في ارتعاش ما قبل النّهاية والشّمس ترتّل اعترافات الريح للخريف … ”
…ها هي تعتلي الرّبوة منذ زمن غير قليل
الخضرة تتماوج أمام العينين القلقتين، تقلّب نظرتها الخائفة في المرعى، متى يعود ؟ متى تختفي هاته الحالة من الرّهبة و الانتظار؟ فجأة شقّ الصّمت صوت رهيب ، إنّه صوت إطلاق نار ، أعقبه نباح كلاب كثيرة ، تطاير العشب خلف التّلال ، وزوج الحمام المعنّى ، أسلم القشّة الأخيرة لريح الشّمال … قفزت إلى الأعلى ، شدّت بكتلتها كلّها إلى الأمام ، تأرجحت ، تماسكت قليلا ، قليلا، لم تتبيّن شيئا، في سعي يائس، جرت هنا وهناك …الأخضر تراقص أمامها في تحدّ للنّظرة اللّهفى، الوجيب تعالى والقبّرة تستميت في النّداء، انزلقت رجلاها، كادت تهوي في المنحدر، جاهدت، كابدت حتّى استقرّت في موقعها الأوّل ، غطّى الأفق سرب حمام ، رفرف عاليا ! أفزعه الطّلق … النّباح يقترب أكثر فأكثر ، الألم يمدّ جسوره تحت الضّلوع ، اللّحظة الحارقة تلهب الحدقتين، بين نظرها و السّمع تتزاوج الحواس ، يطفو إحساس الأنثى عليها جميعها ، تتقاذفها الأفكار، وتنهشها المخاوف … أصوات كثيرة ، غمغمة و لغط ، إنهم يطاردون شيئا ما ، لقد خبرت هاته الأصوات جيّدا [في الأفق الرّحب البعيد ، قوس قزح ينثر أحمره في الوادي السّحيق، نسر وحيد ، عجوز مقعد ،عيناه تحدّقان في الجيفة و قد تحلّلت أعضاؤها بفعل الوقت ، عافها، عاف وحدته ، عجزه ، أنشب مخالبه في العنق المتطاول و قوس قزح يمنح أحمره لشقائق النُعمان… ]
تراقصت الأشياء أمام ناظريها ، حاصرها الخوف ، إحساسها بالخطر القادم يتزايد ، إنّه إحساس لا تفهم كنهه ولكنّه حقيقي هاته المرّة ، أبدا لم تختبر مثل هذا الإحساس من قبل، حشرجت ، [1يا لندري يا غيم تتجلاّشي والاّ نموت بعلّتي في جاشي… ] وراء الشّجيرات تراءى لها من بعيد : رائحة الإكليل والزّعتر حملت عطره ، الغيمات الهاربة لوّحت بآخر موعد للهطول ، بصدرها فرّخت كلّ الطّيور المهاجرة …
يا هذا المساء
المزغرد في الحنايا
طيور الشّمال ، الجنوب
جنوب الشّمال
كواسر
نزق الفرحة الحالمة انطفأ، [القبّرة تستحثّ وليفها ، سرب الحمام ما عاد يأبه لبيضه المستكين في أعشاش من ورق، النّسر المقعد عافته مخالبه ما اختنق ]تخبّط قلبها ، تراقص الشّجر ، تطاول كالأخطبوط ، مدّ أغصانه في كلّ اتّجاه ، سدّ أمامها الأفق الرّحيب لم تستوعب اللّحظة الدّامعة ، أحرقت الأسئلة الصّدر المختنق ، ماذا حلّ به ؟ ما خطبه ؟ إنّه يبدو منهكا ، مهدودا ، مترنّحا ، أشاحت بوجهها للخضرة المترامية ، احتوتها ، طيّبت بها أوجاعها ، رطّبت جراحها المفتوحة على جراحها ، رائحة الدّم امتزجت برائحة الدّفلى، رائحة مرّة تخدش أنفها و لكنّها كابرت ، كذّبت إحساس الأنثى المتنامي في أحشائها ، لا أبدا، لم و لن يتمكّنوا منه ، فلتذهب كلابهم ، بنادقهم ، معدّاتهم كلّها إلى الجحيم و سوف يحرقهم جحيمه هو قبلا … ولكن عليه أن يكذّب النّظرة المرعوبة التي تغطّي صفحة وجهها و لكنّه لا يفعل ذلك ، لا يريد أن يفعل ذلك ، إنه حقّا مصاب ، وإصابته بليغة، إنّه يترنّح ، يتأرجح بين اللّحظة الهاربة والكلاب المسعورة ، وعن بعد التحما، أصبحا يفكّران برأس واحدة أو بالأحرى أصبحت هي تفكّر برأسين ، لا مكان للألم ، للبكاء ، بين الحياة والموت، قفزة للأمام، ركضت نحو الأعلى ، تسارعت أنفاسها ، تلاحقت خطواتها، اختزلت المسافات والوقت، تطاير الحصى تحت الخطو المثقل ، والشّمس تسرع في النّزول إلى الوادي السّحيق، حيث يربض النّسر الذي بدأت رائحته تفوح ، حيث يرقد بيض الحمام بلا ونيس، في الأفق تعالى نداء القبّرة في استغاثة أخيرة ، الماء المالح أحرق الجلد والعينين، أغرقها في سيل من الأوهام السّاذجة ، حاولت في استماتة الوصول إلى المفترق ، هناك حيث الصّخرة الرّابضة على التّلّة المطلّة على الوادي السّحيق ، النّباح يعلو ، الطّريق تعلو و تنخفض ، صدرها يضيق باللّحظة الحارقة ، أصوات الكلاب تحتدّ ، تشتدّ و قوس قزح ينثر ألوانه ، يغرق الأخضر بأحمره القاني ، تعلو شقائق النّعمان ، تسدّ الأفق الرحب … قفزتان، و تصل إلى الهدف المنشود ، يجب أن تصل قبل الزّمرة القاتلة ، عليها أن تصل قبلهم ، قبل فوات الأوان و أخيرا ، ها هي وراء الصّخرة ، أزيز الرّصاص يطوي المسافة بين الحلم الأخضر وأحمر قوس قزح ، ارتمت تعانق العشب المضمّخ بأوجاعها ، حدّقت في الطّريق الأفعوانيّة ، الأصوات أصبحت قاب رمية منها ، حبست أنفاسها ، تكوّرت ، و النّقاط الحمراء ترسم جغرافيّة الوقت والإصابة برجله اليمنى ، تثقل الخطو الهارب، اندلقت النّظرة سيلا جارفا من العواطف المجنونة على العظم البارز من تحت الجلد، مسحته بنظرة حانية حمّلتها كفاحسنينهما معا ، عبّأتها بوجع اللّحظة الهاربة ، إنها تعلم أنّها النّظرة الأخيرة ، فلتصمد ، تتماسك ، تحمّل أحاسيسها لريح الشّمال … و دون أن يلقي نظرة على الصّخرة و كما العادة أخذ طريقه المعتادة، حيث مأمنه و بقيت ترقبه بعين حذرة حتّى اختفى ، الشّمس تمشّط أخاديد الوادي ،زرقة السّماء تغازل الخضرة و القبّرة تستميت في نداء وليفها والأصوات تقترب، تلهب أذنيها و إصرارها يزداد هاته الكلاب المسعورة لن يوقفها شيء وهاته البنادق المحشوّة لن يطفئ نارها سوى الدّم …
انتصبت في خيلاء، الأصوات تمزّق الحجب ، القبّرة لا تصمت ، والمضغة المنتفضة تحت الضلع الأيسر تعلن عرس الوفاء ، لمحوها من بعيد ، البقع الصّفراء تحنّت بالسّواد … [يا لرماديّة هذا المساء، انطلقت في صراع مميت مع أنياب فتّاكة، و بنادق مشهرة، جرت في الطّريق المعاكس تماما، بعد أن اجتهدت في محو آثار الدّم ، جرت بكلّ قواها تطاير العشب ، الجمّيزة العجوز انحنت إجلالا للزوج العاشق و النّهار ينشر رداءه الفضي على الوادي … ] [ها هما يتسابقان و ريح الشّمال تعلن أعراس البيادر، و هو يرسم دائرة نفوذه بنظرة حادّة و هي بعين الأنثى الحالمة ، العاشقة ، العارفة ، فضّلته عليهم جميعا ، ربطت مصيرها بمصيره … الأصوات تدنو و الهوّة تدنو، وصوت القبّرة يخفت، يتلاشى قليلا، قليلا، و الشّمس تجلدها، تلهب الأرجل المتوثّبة…
عَفست الشّوك و القَنْدُولْ يْعَيّبْ
وْ قْوايْلْ الرّمّان حَارْقَه وْ صْعِيبه
البْدَنْ مَحْكومْ وْ القليب مْسيَبْ
وْلْملقاكْ ملقاشي حتّى ثنيّة قريبه
و ألغي الزمان و المكان ، رائحة كريهة سدّت الأفق ، رعشة باردة شلّت عمودها الفقري و أصابته بتصلّب … ريح الشّمال حملت إليها عطر الوادي السّحيق و الهوّة سحيقة ، سوداء وأصوات الكلاب مفزعة ، مخالبهانهّاشة ، والبنادق مشهرة :
هلمّي !لا تجزعي ! ها هنا الأخضر يشرّع ألوانه على قوس قزح ، الشّمس تمشّط جدائلها ، تقدّمي ولا تخافي …وخبا صوت القبّرة والجسد المتموّج في رقصة الحبّ الأخيرة يتهاوى كالعهن المنفوش … في الطرف الآخر من المرج ، استلقى الجريح وجراءه تلعق جراحه …
ومرّ يوم، يومان، ثلاثة، أو بضعة أيّام أخر وهناك في المرج البعيد، حيث الجمّيزة تبارك العشّاق، صاح الرّاعي :ها هو خروف آخر دماؤه تمرّغ العشب …
الهوامش :
1 ياَ لنْدْرى يَا غيمْ تتْجَلاّشي وإلا نْموتْ بْعلّتي في جاشي : مثل تونسيّ ، يقال عند اليأس الشّديد وانتظارا لبارقة أمل يمكن أن تأتي بمعجزة .
شاعرة وروائية من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي