“رعايا صاحب الجلالة” الإصدار الروائي لخالد بناني

المختار النواري*
لسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الواحد الأحد، الذي جمعنا على هذا العهد، ووفقنا لأجل إنجاز الوعد، والحمد لله حمدا كثيرا، والثناء عليه ثناء غزيرا.. والصلاة والسلام على سيد الورى، وعزيز ذوي النهى، وعلى الآل الشرفاء، والأصحاب الحنفاء، ومن تالاهم على ملة المصطفى، الى يوم الوفاء، آمين..
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته…
مساء الخير واليمن والبركات.. مساء موشح بما هو جليل، لكل حاضر جميل، ولصلة الأدب والفكر سليل.
رواية رعايا صاحب الجلالة للكاتب الجليل القدير، الشاعر الجميل الهدير، الباحث الجزيل النحرير.. خالد بناني.. أهلا بالأستاذ الحيي الرائع، الطري البادع…
رواية تفتح لك منافذها من حيث تدفعك للتفكير في فتح الأبواب..
وتطرح لك مباشرها من حيث تدعوك الى إعادة طرح غير مباشرها، ومقلوبها وملغزها، ومركبها وموحيها، ورمزها ومرموزها، وملتبسها وغامضها..
رواية تشرح لك مسرودها من حيث تدعوك الى التفكير في الشرح، أهو الوحيد أم خلفه إمكانيات أخرى للشرح، ثانيه وثالثه ووو… وعاشره، وتدعوك لتقتحم بها مساحات للتفسير ومتاهات للتأويل…
رواية رعايا صاحب الجلالة هي كل ذلك، وفوق ذلك، وأبعد من ذلك..
رواية ما تركت هما من هموم هذا الوطن إلا ولامسته، ولا شجنا من شجون هذا الإنسان ـ كاتبا وقارئا وناقدا ـ إلا وهامسته، ولا خفيا من قضايا المسكوت عنه إلا وفضحته وشرَحته، ولا مفضوحا من مشاكل المجتمع إلا وشرّحته، وسرّحت القول فيه حتى أنهكته..
من تعليم وصحة، وتجهيز ودين، ومورثات وعادات ، وقضاء وسلطة، ومؤسسات ومنتخبين، وجماعات وجمعيات، وعلاقات أسرية واجتماعية، إلا وكان لها نصيب من اهتمام الرواية..
ومن فقر ودعارة، ونفاق اجتماعي وعطالة، ومخدرات وقمار، وشعوذة وفساد عقيدة، وقروض ولصوصية، ومكر ودهاء وخداع، إلا وأوقفت القارئ على جانب منه..
ومن مرض وإعاقة، وموت وطمع، وغدر وحزن، وصمت واحتجاج، إلا وكان لها منه موقفا..
ومن وطنية ومواطنة، وصدق وإخلاص، ورجولة وشهامة، وعفاف ونبل، وتضحية وعشق، الا ورسمت لها مدارج، وأضاءت لها الشموع، وعلقت عليها النياشين.
ونأتي من الرواية على هذا الواسع العريض، الذي تناولته، على أمور لن تتجاوز الإثنين أو الثلاث، إذ المقام لا يسمح بالتفصيل في عرضها، ولا تعميق النظر فيها، وأحرى فلسفتها واستنباط قواعدها.
الأولى الشكل التصنيفي، الذي ارتضاه المؤلف لها، فهي نص واحد، مترابط مرابط، متصل متواصل، مرصوص متراص، لا يملك إلا عنوانا، هو الانطلاق، ولا يتوفر على مقاطع تأليفية، ولا فواصل بنائية، منذ انطلاقته، وحتى نقطة النهاية فيما يتجاوز المائة والخمسين صفحة.
إن ارتضاء هذا الشكل الكتابي بمثابة تنزيل لكتلة كتابية، كأنها الجبل على قطعة واحدة، ورفض أن يكون قطعا صخرية متراكبة.
إنها كتابة هادرة، تماما كموج البحر، الذي تراه يتقلب أمام ناظريك، موجة موجة، ولكنه يستعصي على التفريق، ويأبى العزل.
إنها كتابة كقوة الرياح، هَبّة إثر هَبّة، تحس بهبوبها واختلافها قوة وضعفا، زمجرة وسكونا، هزا وهدوءا، ولكنها لا تقبل العزل، ولا تخضع للفصل.
وليس من السهل على كاتب رواية أن ينتهج هذا النهج، فإذا انتهجه فرض على القارئ أن يقرأه دفعة واحدة، ولا يسمح له بأن يستمتع بباحات الاستراحة بين المقاطع، يسترجع فيها ما مضى، ويستعد لما سيأتي.
إنه نمط كتابي، يفرض طريقة قراءته، ويُلزم بها، وعلى القراءة تبني النتائج والخلاصات.
وهو نمط كتابي يعكس ما عاشه المؤلف معه من كونه كان شلالا سيالا، لا يمكن التحكم فيه، وانهمارا غامرا، يستحيل تقليل سرعته، ولا تسيير جريانه، وتدفقا قويا، يحكم فيه ما يواجهه، ولا يتحكم فيه.
لقد كانت الرواية فعلا شلالا من المواقف، وزمجرة من الإدانة، وصرخة من الرفض..
لقد كانت أيضا انهمارا غامرا من القضايا والمشاكل والأحداث، بكمها وحجمها، وقيمتها وشأنها، وتسلسلها وترابطها، وتداخلها وتناقضها، وتماشيها وتعارضها..
وقد كانت كذلك تدفقا من المشاعر والأحاسيس، القوية والنادرة، الرائعة والفضيعة، البديعة والمائعة، الجليلة والرذيلة، الرفيعة والدنيئة..
كما كانت إعصارا لغويا، يخلخل المألوف، ويزلزل اليومي، وينسج على منوال رفيع، ويسبك على قالب بديع، ويصوغ على مثال فريد، ويضوع زكاء، فلغتها ليست كاللغات، وعبارتها مسفة للعبارات.
الأمر الثاني قضية الكتابة..
التي كانت قضية جوهرية، شغلت المؤلف، وكأي مؤلف، لأنها لعبته، التي يمارسها منذ أن فكر في تأليف رواية، وأخذ القلم بيده. كان ذلك حجمها عند خالد بناني في هذه الرواية، وإن لم يخصص لها وقفات طويلة، ولا مقاطع عريضة من الرواية ولكن من يتتبع الإشارات المخصصة لها، والإفادات المتضمنه فيها، يقف على فائدة جليلة.
وأول تلك الإفادات ما يتعلق بكتابة الرواية، جاء على لسان أسماء إحدى الشخصيات الرئيسية:
ـ “لماذا لا تكتب الرواية إذن؟
ـ لو فعلت لربما أجرح أشخاصا. ما الكتاب فعل انفضاح غير مأمون. ثم إنها إعادة نظر في المسافات. ستجبرني بالنهاية على أن أقيس ما بيني وبينك، والواقع أنني أجدني فيك. كل المسافات ملغاة”. (ص 145)
فكان تعليل عدم كتابة الرواية، إن صح، وكتابتها، كما يتحقق بين أيدينا، التخوف من الانفضاح: “الكتابة فعل انفضاح غير مأمون”. فالرواية استرسال، وتطلب لمزيد من التوسع والتفاصيل، يجر كل منهما، ويجران معا، إلى عدم السيطرة الكاملة على المشاعر والمواقف، وعلى اللغة، فتتحقق الزلات الكتابية، التي تجر إلى الانفضاح.
وجميل تعبير الكاتب عن الرواية في تعريفها الوجيز: “إنها إعادة النظر في المسافات”. الرواية بهذا التصور خلخلة للقائم، وبعثرة للمصفوف، وفوضى فيما حرص الآخرون على تنظيمه.. إنها بلغة أخرى ثورة فنية على الواقع، وعبث كتابي بنظمه، وخلط لأوراقه، وإعادة ترتيب لها.. فبين الواقع الحدثي والمتخيل الفني تتأسس الرواية، وترسم معالمها.
“الكتابة اكتشاف للنفس”. (ص 11)
(الكتابة جعلتني أكتشف نفسي أكثر وأكثر وخلافا لما رآه الناس فيّ، من اعترف منهم ومن أبى لأسباب عديدة وجدتني شخصا يعاني من فائض في الحنان وفي الحنين على حافة البكاء دوما وسريع العطب اكتشفت أنني متطرف في الحزن مقل في الفرح خائف من الذي لم أستطع تحديده مطلقا وصلبا رغم كل شيء هكذا حاولت تفادي الكتابة عني مرارا وكلما قرأت ما كتبته تلملمني عيناي رجلا مبعثرا في سطور لم يكن من السالب اي حال تجاهل كل هذا الرماد الذي يعز به القلب قل تلك الخيبات التي خلفت نذوبها عليه والشقوق التي حاولت ترميمها عبثا كي لا أشعر بالبرد في هذه الأمر أقنعتُ نفسي أنني قارئ جيد ثم اقتنعتُ أن كل قارئ جيد هو مشروع كتاب مبتدئ ثم صدقتُ أنني الكاتب الذي لم يكتب بعد ثم قررتُ أن أختبر نفسي مراهنا باليقنيات كلها حتى أربح للأبد أو أخسر للأبد بالنهاية لم أخسر لكن حتى اللحظة لا يمكن الجزم بأنني نجحتُ”. (ص )
“الكتابة مهنة خُلق لها المؤلف”. (ص33)
“الكتابة فضول ملح، ومراقبة خفية”.. (ص 33)
“الكتابة عالم من القصاصات، لا يسكن الخارج فقط، وإنما الداخل أيضا”.. (ص 35)
“الكتابة لا تتولد إلا عن سكون في الخارج، ينعكس على الداخل”.. (ص 108)
“الكتابة تناسي”.. (ص 122)
“الكتابة صراخ”.. (ص 123)
“العجز عن الكتابة تعب من الحياة”.. (ص 123)
“الكتابو فرار من ضغوطات الحياة، وتخفيف منها”.. (ص 127)
“الموت نهاية للكتابة ولكل النصوص التي نكتبها”.. (ص 134)
“الكتابة قلق والتوقف عنها توقف عن القلق”.. (ص 143)
“الكتابة منزلة على الأبراج الفلكية”.. (ص 148)
“الكتابة استراق للكاتب واستلاب لاعترافاته”.. (ص 151)
النصوص الكتابية
وفوق كل هذا فإن رواية رعايا صاحب الجلالة حملت مجموعة من التجارب الكتابية، التي حاولت أن تقدمها للقارئ، وهي تتلفف بالنص الروائي، منها آيات قرآنية (ص 64)، ونص الأذان (ص 63)؛ وشعر لامرئ القيس (ص 99)، وشعر آخر (ص 62)؛ وحديث عن الرسائل (ص 104)، ورسالة (ص 157)، ورسالة حب (ص 57 ـ 58)، وجوابها (ص 59)، وبطاقة معايدة (ص 151).
بهذا الكم من النصوص الكتابية، تحاول الرواية أن تقدم نماذج ناجحة للكتابة من وجهة نظرها، كما تحاول أن تعطي للرواية مصداقيتها وواقعيتها وموضوعيتها، وتجعل لهذه النصوص كُتّابا آخرين غير الكاتب الأصلي، حتى وإن كانت من الشخصيات الفاعلة في الرواية. إنها مناورة كتابية يتقنها الكاتب، ولكن غايتها ان يرتقي بالمستوى الكتابي للرواية، فيخرج من لغتها وفنيتها المعتادة الى إسهامها في إنتاج نصوص أدبية رائعة.
لا يسعني في الأخير إلا أن أقول بأن الرواية كانت معلمة حقيقية في المسار الروائي، لا للجنوب المغربي، وانما الوطني والعربي كذلك.
إن الكاتب خالد بناني يخط مساره بخطى ثابتة نحو تأصيل الإسهام المغربي الجنوبي في الأدب الروائي، ولعل أجمل ما يمكن أن يحمله أي قارئ لهذه الرواية لا يسعه إلا أن يعترف بأنها تُعلِّم الحوار، وكيف ترفعك به فوق سماوات الواقع، حوارا لم يُكتب ليَرصد الواقع، ليَنقله أو ليحاكيه، وإنما كُتب ليخلص منه، وليرتقي بنظرة أهل الواقع له، ويُحسِّن درجة تفكير الواقعيين فيه، ويُعلِّم القارئ كيف يمكن أن يرى الواقع بعين، ويعبِّر عنه بعين أخرى. وكيف نفكر به مستوى رائع وراق ومُفكَّر فيه.
كما لا يسع القارئ أن يتجاوز ذلك الكلام الغزلي الجميل، الرائع والفاتن، على قدر فتنة الحب، وعلى قدر افتنان القلوب به، وعلى قدر قدرة الكلمات أن تجسده، وعلى قدر تمكن الكاتب من رصده..
لقد استطاع الكاتب في هذه الرواية أن يعيد كتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي بعد رحيله، وتواجده في غيابه، لكي يكشف حقائق أخرى، لا يراها الناس، ولا يعترف بها الساسة، بل يخفونها، ولا يكتبها التاريخ، وإنما يسكت عنها.
تلك كانت صورة رواية رعايا صاحب الجلالة لكاتبها الدكتور خالد بناني، الشاعر المتألق، والكاتب المتأنق، والباحث المتعتق، والفاضل المترقق، فهنيئا للساحة الأدبية بهذه النجمة اللامعة، والصرخة الصادعة، وهنيئا لمسرد الرواية الجنوبية السوسية والمغربية والعربية بهذه المراكمة الطالعة، والطلعة الخاشعة، والخشعة البادعة.
*أسهم بهذه المشاركة في ليلة رمضانية خلال تقديم الرواية وحفل توقيعها بالخزانة البلدية بتارودانت يوم 16 رمضان 1447 و6 مارس 2026.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي