highlight color=”gray”]اهتــــزازات[/highlight]
الجديدة: مزاغان قصيدة البرتغالية( الجزء الثاني)

الحسَن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(هنا يتوقف الزمانُ في الحي البرتغالي
كل شيء هنا يذكرك في لحظة بما مضى
بالسور العتيق المحيط بالحي
الأقواسُ… الأزقة الملتويةُ
والكنيسة مسرح الديانات
الأطفال من فوق السور يقفزون
في اتجاه المحيط
ثم يصعدون السور جنب الميناءِ
والناس يتحركون في بطء
كأنهم يعانقون الذكرياتِ)
وعندما تتغلغل في عمق الحي البرتغالي العتيق، توقفك أصداء الأزقة الملتوية وشواهد الزمن القديم. تلامس أناملك الحجارة الداكنة المتآكلة، فتشعر بعبق التاريخ واسم “مازاگان” العتيق الذي يحتضن في جذوره اللغوية معنى “مازيگن” أي الرجال الأحرار بالأمازيغية، مستحضراً كيف تحورت الكلمة على ألسنة الغزاة البرتغالية الذين بنوها عام 1502 لتكون قلعة وميناءً استراتيجياً.
يتردد في مخيلتك صدى الحصار التاريخي الذي أجبر البرتغاليين على الانسحاب بعد تفجير أسوارها لتصبح لسنوات طويلة تُعرف بـ”المهدومة”، قبل أن تُبعث من جديد في القرن التاسع عشر وتُعرف بـ “الجديدة”. الأبواب الخشبية السميكة والمقابض الحديدية العتيقة هنا ليست أخشاباً ومعادن، بل هي أوتار مشدودة تحتبس أنفاس الماضي وتختزن الذكريات؛ كلما حركها الهواء أو طرقتها يد غريبة، أصدرت رنيناً شجياً يمتد عبر أزمنة غابرة. أما النسيم الأطلسي المحمل برائحة الملح والسمك، فيمر عبر تلك المسالك الضيقة كأنه بحر عروضي دقيق، ينظم خطوات المارة ويجعل للزمن إيقاعاً أبطأ وأكثر عمقاً.
(هنا الحياة تناديك في سكينةٍ
تجول في هدوء لا مثيل له
وأنت تتأمل فيما يعرض من حلي
ومأكولات طازجة، ومطاعم فاتحة صدرها للزبناء
هنا الحياة تناديك إلى فنجان قهوة في شرفة عالية
تطل على المحيط
وتستمع في وله بنسيم المساء)
وحين تنزل درجات السلم الهابطة نحو عتمة “المسقاة البرتغالية”، تدخل في حالة من الذهول الإبداعي. هناك، حيث يتقاطع الضوء الدائري الساقط من فتحة السقف مع سطح الماء الرقراق الساكن، تدرك أن السكون في هذا المكان ليس صمتاً، بل هو أعلى درجات الاهتزاز؛ اهتزاز الاستغراق والتوحد. كل قطرة ماء تشذ عن السقف وتكسر هدوء البركة تخلق دوائر متتالية وموجات دائرية تتسع وتتسع، كأنها استعارات تتناسل من بعضها البعض بلا نهاية. الأقواس المنعكسة على سطح الماء تظهر كأبيات شعرية مقلوبة تسعى للتحرر من الجاذبية، وكل نقطة ضوء هي قافية مكسورة تبحث عن ملهمها كي تتزن بها الروح وتستعيد إيقاعها المفقود في صخب الحياة اليومية.
(هنا في المسقاة
ينسجم الماء بالحياةِ
يكتب نصا نابعا من عبق التاريخِ
والماء حين يبوح بأسراه
تهتز الروح وتمتد في صمت بين الأضواءِ
هنا تناديك القصيدة، هيت لك
فلا ترد لها نبض النداءِ)
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي