الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / التفكير: حين يصبح السؤال طريقا إلى الحرية – عبد العزيز الخبشي

التفكير: حين يصبح السؤال طريقا إلى الحرية – عبد العزيز الخبشي

تأمــــلات فكريـــــــة

التفكير: حين يصبح السؤال طريقا إلى الحرية 

عبد العزيز الخبشي*

ليس التفكير مجرد نشاط ذهني يمارسه الإنسان في لحظات الفراغ، ولا هو عملية آلية لاستحضار المعلومات وترتيبها، بل هو الفعل الذي يمنح الوجود الإنساني معناه، ويحرره من الاستسلام لما هو جاهز وموروث ومفروض. فالإنسان لا يصبح إنسانا لأنه يمتلك عقلا فحسب، وإنما لأنه يجرؤ على استخدام هذا العقل في مساءلة ذاته والعالم. ولذلك رفع الفيلسوف رينيه ديكارت شعار “أنا أفكر إذن أنا موجود”، مؤكدا أن التفكير ليس وظيفة ثانوية للعقل، بل هو البرهان الأول على وجود الإنسان ووعيه بذاته. لذلك لم يكن التفكير يوما ترفا ثقافيا، بل كان دائما فعلا وجوديا يحدد موقع الإنسان من الحقيقة، ويكشف طبيعة علاقته بالسلطة والحرية والمعرفة. وقد اعتبر سقراط أن الحياة التي تخلو من الفحص والتساؤل لا تستحق أن تعاش، لأن الإنسان الذي لا يفكر يعيش وفق أفكار الآخرين لا وفق قناعاته. وكل مجتمع يخشى التفكير إنما يخشى الإنسان الحر، لأن التفكير يبدأ بالسؤال، بينما تقوم الهيمنة على صناعة الأجوبة النهائية وإغلاق أبواب الشك.

إن التفكير الحقيقي لا يكتفي بتفسير الواقع، بل يسعى إلى تفكيك بنيته والكشف عن تناقضاته. فالعقول التي تكتفي بما هو ظاهر تعيش داخل دائرة الوهم، أما العقول التي تتجاوز المألوف فإنها تدرك أن الحقيقة ليست معطى جاهزًا، وإنما مشروع بحث دائم. وهذا ما أكده كارل بوبر عندما رأى أن المعرفة العلمية لا تتقدم بإثبات صحة الأفكار، بل بمحاولة دحضها واختبارها باستمرار، لأن الحقيقة تنمو بالنقد لا بالتقديس. ولهذا كان التفكير النقدي هو أكثر أشكال التفكير إزعاجا، لأنه يرفض القداسة التي تضفى على الأفكار، ويؤمن بأن كل يقين قابل للمراجعة، وأن كل سلطة معرفية ينبغي أن تخضع للمساءلة. كما دعا إيمانويل كانط إلى أن يتحلى الإنسان بالشجاعة لاستعمال عقله بنفسه، معتبرا أن التنوير هو خروج الإنسان من حالة الوصاية الفكرية التي فرضها على نفسه. فالتاريخ يعلمنا أن أغلب التحولات الكبرى لم تبدأ بإجابة، وإنما بدأت بسؤال بسيط تجرأ صاحبه على طرحه في وجه المألوف.

لكن التفكير ليس مجرد إنتاج للأفكار، بل هو أيضا مقاومة مستمرة للكسل العقلي. فالعقل الذي يعتاد التلقي يفقد تدريجيًا قدرته على الإبداع، ويتحول إلى وعاء يحفظ ما يقوله الآخرون دون أن يمتلك القدرة على محاكمته. ومن هنا تصبح التربية الحقيقية هي التي تعلم الإنسان كيف يفكر، لا ماذا يفكر. وقد انتقد البرازيلي باولو فريري التعليم القائم على الحفظ والتلقين، وعده وسيلة لإعادة إنتاج الخضوع، بينما اعتبر أن التربية الحقيقية هي التي تصنع إنسانا ناقدا وقادرا على تغيير واقعه. فالمعارف تتغير، أما منهج التفكير فيبقى الأداة التي تمكن الإنسان من إعادة بناء معرفته باستمرار. لذلك فإن أزمة المجتمعات ليست دائما في نقص المعلومات، وإنما في غياب العقل النقدي القادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين البرهان والانفعال، وبين المعرفة والإيديولوجيا.

ويكشف التأمل الفلسفي أن التفكير ليس حالة من الاطمئنان، بل هو تجربة قلق دائم. فكلما اتسعت دائرة المعرفة، ازداد الإنسان وعيًا بحدودها. وقد جسد بليز باسكال هذا المعنى عندما وصف الإنسان بأنه “قصبة مفكرة”، ضعيف أمام الكون، لكنه عظيم بقدرته على التفكير. ولهذا فإن المفكر الحقيقي لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يدرك أن الحقيقة أكبر من أي تصور فردي. إن التفكير لا يمنح اليقين النهائي، وإنما يمنح الشجاعة لمواصلة البحث. ويذهب الفيلسوف إدغار موران إلى أن الفكر المعاصر مطالب بتبني التفكير المركب، لأن الواقع أعقد من أن يُختزل في تفسير واحد أو حقيقة واحدة. ولذلك كان الشك المنهجي فضيلة معرفية، لأنه يفتح الطريق أمام اكتشافات جديدة، بينما يؤدي اليقين المغلق إلى جمود الفكر وانطفاء روح الإبداع.

ومن المفارقات أن الإنسان المعاصر يعيش وسط انفجار غير مسبوق للمعلومات، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمة في التفكير. فالتكنولوجيا جعلت الوصول إلى المعرفة أسهل، لكنها لم تجعل الإنسان أكثر حكمة. وقد حذر هربرت ماركوزه من أن المجتمعات الصناعية الحديثة قد تنتج “الإنسان ذو البعد الواحد”، الذي يستهلك الأفكار والسلع معًا دون أن يمتلك روح النقد. بل إن التدفق الهائل للمعلومات قد يحول العقل إلى مستهلك سريع للأخبار والآراء دون أن يمنحه الوقت الكافي للتأمل والتحليل. وهنا يصبح التفكير فعل مقاومة ضد السرعة، وضد الاستهلاك، وضد اختزال المعرفة في عناوين عابرة. فالعقل يحتاج إلى الصمت كما تحتاج الأرض إلى المطر، لأن الأفكار الكبرى لا تولد وسط الضجيج، وإنما تنمو في فضاء التأمل.

إن التفكير أيضا مسؤولية أخلاقية، لأن الأفكار ليست محايدة دائمًا، بل يمكن أن تكون أداة للتحرر كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للهيمنة. وقد بيّن ميشيل فوكو أن المعرفة والسلطة متداخلتان، وأن إنتاج المعرفة قد يصبح وسيلة لممارسة السيطرة على الأفراد، مما يجعل التفكير النقدي ضرورة لمقاومة أشكال الهيمنة الخفية. ولهذا فإن المفكر لا يقاس بكمية ما يعرف، وإنما بقدرته على توظيف المعرفة في خدمة الإنسان والعدالة والكرامة. كما اعتبر أنطونيو غرامشي أن كل إنسان قادر على التفكير، لكن دور “المثقف العضوي” هو تحويل التفكير إلى قوة اجتماعية قادرة على تغيير الواقع. فالفكر الذي يبرر الظلم يفقد قيمته مهما بلغت درجة تعقيده، بينما يظل التفكير الذي ينحاز إلى الحقيقة والحرية أكثر قدرة على صناعة المستقبل.

إن أخطر ما يواجه التفكير اليوم ليس الجهل، وإنما وهم المعرفة. فالإنسان قد يظن أنه يعرف لأنه يقرأ كثيرًا، بينما القراءة نفسها قد تتحول إلى استهلاك إذا لم تتحول إلى نقد وتأمل. ولذلك أكد فرانسيس بيكون أن المعرفة الحقيقية تبدأ بتحرير العقل من “أصنامه” وأوهامه التي تشوه رؤيته للعالم. إن التفكير يبدأ عندما نتوقف عن تكرار ما نسمع، ونشرع في مساءلته، وعندما ندرك أن العقل لا يؤدي وظيفته الحقيقية إلا إذا امتلك شجاعة الاختلاف. ولذلك فإن الحضارات لا تتقدم بكثرة الناقلين، وإنما بكثرة المفكرين الذين يفتحون آفاقًا جديدة للفهم.

يبقى، في الختام، التفكير أعظم ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات، لأنه القدرة التي تجعل الوجود مشروعًا مفتوحًا لا حقيقة مكتملة. إنه فعل حرية قبل أن يكون فعل معرفة، وهو الطريق الذي يخرج الإنسان من أسر الخوف إلى فضاء المسؤولية، ومن تكرار الماضي إلى صناعة المستقبل. وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عندما اعتبر أن التفكير النقدي والحوار العقلاني هما الشرطان الأساسيان لبناء مجتمع ديمقراطي قادر على تصحيح أخطائه بنفسه. وكل مجتمع يحترم التفكير إنما يراهن على الإنسان، أما المجتمع الذي يحاصر السؤال فإنه يحكم على نفسه بالبقاء داخل دائرة الجمود، لأن الحضارة لا تبدأ عندما تتراكم الأشياء، وإنما تبدأ عندما يجرؤ العقل على التفكير.

كاتب من  المغرب.

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً