ملامح منهجية تأليفية في الختم الدعائي لقصائد يحجب (الجزء الثاني)

المختار النواري*
خاصية الدعاء في شعر ماء العينين يحجب
بدءا يجب التسطير على أن القصيدة الشعرية، وكيفما كان نوعها النظمي، مجال تأليفي، ينصرف إليه الشاعر بكليته، ويراوده مرة على تأبّيه وأخرى على طواعيته، فإذا رسخت القدم، وطاوع القلم، وسلس النغم، وتكامل التأليف، ونضج البناء، غدا للشاعر ما يميزه، وبرزت طريقته، وارتسم منهجه، فوجب على الدارس حينها أن يَنْكَب ويُنَقِّب، ويَدْرُس ويُقَلِّب، ويَستخرج ويُرَتّب، ويُعَدّل ويُصَوِّب، ويُحَكّم ويُغَلِّب، ويُقَيِّم ويُلَبِّب، ويَكْشِف ويُحَبِّب. فاذا عمل جهده، واستنفذ مهمته، رسم للشاعر منهجا، وجعل في يد القارئ مُولَجا، وحدّ للمطالع مَدرَجا، ومهّد للناقد غيره مَعرِجا.
وفي سبيل هذا الرسم، وتمهيدا له قبل الحسم، سيتم الوقوف على خاصية تأليفية في شعر ماء العينين يحجب، وإنارة حقيقتها، وإبانة تلويناتها، وتفسير حضورها، ورصد وفورها، وحصر تشكلاتها، وحد مجالاتها.
1ـ التموقعات التأليفية لخاصية الدعاء في شعره
2ـ درجة حضور خاصية الدعاء في شعر يحجب
3ـ التشكل البنائي لخاصية الدعاء في شعره
4ـ المجالات الموضوعية لخاصية الدعاء في شعره
5ـ الصيغ الأسلوبية لخاصية الدعاء في شعره
لنقل أن الدعاء خاصية، أو قضية، أو موضوعة ناضجة، تتطلب لنضجها تبلورا فكريا ومعنويا، وتشخيصا لغويا، وتقولبا أسلوبيا، ما يفتأ يتطور بكثرة الاستعمال، وبتردد ممارسي اللغه عليه، بمختلف مستوياتهم: العادي والمترقي نسبيا، والراقي والمبدع. ومع هذين الأخيرين ينسج تميزه، ويرص تفننه، فيرسم ملامحه الفنية، وخصوصياته الإبداعية، ويبدأ في إثبات قوته وصلادته ونضجه، وإرسائه في تسلله إلى غيره من الفنون، وعمله على اتخاذ موقع ضمنها، واحتلال جزء منها، يؤكد من خلاله على أنه فاعل، يفرض نفسه، ويحتاج إليه غيره. ويتأثث به، ويتزين بجماله، اعترافا منه بقدره، وإقرارا بقيمته.
1ـ التموقعات التأليفية
كل تشكل نصي يختار له عناصره التأليفية، فيحدد مكوناتها وأجزاءها التركيبية، مثل ما يرسم لها موقعها وحجمها، ويحكم لها بروابط، تصلها بما قبلها، وما بعدها، إن تحقق، وعلى تراكم العناصر التأليفية، وخصوصية كل واحد منها، يتشكل النص، ويتخذ ميسمه. ومن هذا الطرح نصل إلى أن عنصر الدعاء بما أنه عنصر تأليفي، اختاره الشاعر ماء العينين يحجب، فإنه قد لزمه اختياره أن يختار له تموقعه من النص، وأن يحكم ذلك التموقع بدواعي قد نجد تفسيرها في داخل النص، وقد نستمده من خارجه، من الفن الذي ينتمي إليه النص، أو من التقاليد الفنية المحكوم بها (القصيدة العمودية في زمن الشاعر)، أو من الثقافة السائدة في عصر الشاعر، أو من نفسيته، أو من علاقته مع المخاطَب بالنص، أو من النص الباعث على النظم، إن كان النص جوابيا.
وأول ما تجدر الإشارة إليه أنه لا يمكن الحديث عن تموقع خاصية الدعاء إلا في نص متعدد المكونات، أو العناصر التأليفية، وإلا فان النص الدعائي الخالص لا مجال للحديث فيه عن موقع محدد.
وعموما فإن تتبع نصوص الشاعر المتعددة عناصر التأليف، يحكم بأن خاصية الدعاء اتخذت لها نوعين من المواقع:
إما موقع أحادي؛
وإما موقع زوجي.
فأما الموقع الأحادي فنفرعه إلى ثلاثة ألوان:
ـ أول النص: ونقصد به استهلاله، وقد كان قليلا جدا؛
ـ مُتَخَلِّلات النص: وهو الذي يحوز ما عدا الأول والأخير من النص، ومهما يكن حجم المتخلِّل. وكلما طال النص، كلما زاد تعدد مواقع المتخللات، وتباينت أهميتها، وفتحت المجال لتعدد فهمها.
ـ آخر النص: وهو الغالب، وربما كان هذا بتأثير حقيقة خاصية الدعاء، وربما كان أيضا بحضور هذه الخاصية في نصوص أخرى (قرآنا وحديثا وخطابة ورسائل ومقامات وتصانيف)، وربما كان كذلك بتأثير تقاليد حياتية في واقع المسلم. ولقد تم التنصيص عند يحجب على الموقع لفظيا للتبشير بحضور الخاصية، إما بلفظة ختاما (ص 53)، وختاما (ص 56 ـ 57)، وأختم (ص 57).
وأما الموقع الزوجي فقد وقفنا على نصين، يزاوجان بين الأول والأخير (صص 42. 56ـ57)
ونخلص فيما يخص نقطة التموقعات هاته إلى:
ـ أنها كانت متنوعة ومغنية لتأليف النص المختار؛
ـ أن التموقع كان خيارا شاعريا في جزء كبير من النصوص، محكوما بحس الشاعر وثقافته، ونظرته إلى الموضوع؛
ـ أن الشاعر كان بعيدا عن النمطية، والحقيقه أنه كان محكوما بالإبداع، ينوع ويعدد، ويقلل ويكثر، ويستحضر ويستبعد، وفقا لمتطلبات اللحظة الإبداعية؛
ـ أن تنوع المواقع، أحادية وزوجية، ساهم في بلورت أهمية فن الدعاء، ودوره البنائي في النص الشعري عند يحجب؛
ـ أن غنى الاستعمال التموقعي بالأعداد الكثيرة، التي حضر بها، قام بدور هام ورئيسي في إنضاج فن الدعاء، وإبراز جوانبه الموضوعية، ومختلف تشعباته؛
ـ أن اقتران التنوع الموقعي والكم الحضوري، زاد من شد الأنظار إلى خاصية الدعاء، وتكريس دورها كعنصر فاعل وبنّاء في إنتاج القصيدة اليحجبية، والشعر العربي في الجنوب المغربي، وساعد على بيان إسهامه في بلورة الشعر العربي المغربي، ومجال إسهامه في الشعر العربي عموما، خلال الفترة المعاصرة.
2ـ درجة الحضور
يبقى حضور أية خاصية فنية في المنتوج الأدبي، والثقافي بشكل عام، مرهونا بدرجة حضورها وتجليها الكمي في المشهد الفني، والإنتاج النصي، الذي تحضر داخله، أو مترافقة معه، ومتخللة له، أو مسيطرة عليه، بشكل يلفت انتباه القارئ. وتتعزز هذه السيطرة وتتقوى، وتتعاظم وتتمدد، حتى تصبح الخاصية عنوانا لموضوع مستقل، أو لفن متكامل.
ولقد حضرت هذه الخاصية بدرجات متفاوتة نحصرها في:
ـ العبارة الدعائية البسيطة المتداولة، التي لا تكاد تتجاوز اللفظتين أو الثلاث (سألتُكَ ـ أيا رب ـ جزى الله ـ جُزيتَ ـ دُمتَ ـ الحمد لله ـ الحمد على ـ عسى الله ـ جزاك الإله ـ فلا زلت…)
ـ العبارة الخاصة بالسياق الذي وردت ضمنه، وقد ترد في شطر: حيا الإله نبينا بصلاته ـ
ـ العبارة الخاصة الممتدة في بيت أو أكثر:
فما كنتُ فيـها لحـظة غيـر أنـني رجوتُ بها السير السجان والعطب
ويـرزقـني فـيها وإيـــاك مــا بـه نُسَرّ به أمــام الله ذا منـتـهى الأرب (ص 44)
ـ العبارة الخاصة المقرونة بموقع مميز من النص، افتتاحا وختما، كما في القصيدة التي يرثيبها الشاعر يحجب السيدة حاجتنا بنت الشيخ الفضيل بن الشيخ السبيهي بن ماء العينين، ومطلعها:
لِحَاجتنا الرّفـيـع الجـنـــان سألـنا ذا الحـنان والامتنان
إلهي.. كن لها ولها فهيء مقاما منك في أعلى الجنان (ص 54)
ـ العبارة الخاصة المسيطرة على النص كله، والمتحولة إلى موضوع، وتجل مكتمل للفن، وتجسد ذلك في أول قصيدة من الديوان في جزئه الثاني، حيث سيطر الدعاء على أبيات عدة، وبالبناء التركيبي نفسه:
الحمد لله على الإســـــلامِ بعدد الشـهــور والأعــوامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد اللــيـــالي والأيـــــامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد الـسـكـوت والكــــلامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد الإقــــدام والإحــجـامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد القـــعــود والــقـــيـامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد الضــيـاء والـظــــلامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد الـجــبـــال والآكــــامِ
والحمد لله على الإســـلامِ بعدد النـــعــــم والأنــعــامِ
والحمد لله على الإســـلامِ من ابتــــدائه إلــى التــمامِ
بعــدما كـــان مــن الأنـامِ وما يكون وأحسـنـه خــتامِ
واغفر لما جنيت من آثـامِ وبرضاك أعلـــــين مقامِي
واجعل لوالدي في المقـامِ الأعلى بدار الخلد والسلامِ
وقــرة العين على الــدوامِ منك رجوت جدلى بالمرامِ
بجـاه مـن بـملـة الإســلامِ أتى وأعـــلى راية الإسلامِ
عليه في البدء وفي الختامِ أطيب الصــــــلاة والسلامِ
وآلـه وصحــبـه الأعــلامِ وتابعيـــــــــهم على الدوامِ (ص 1)
وفيما يخص جانب حجم الدعاء في قصائد يحجب، فقد سيطر على الختم بأبيات تتجاوز البيت إلى البيتين والثلاثة والأربعة، وبتنويع لا يريد أن يقر على حال، على اختلاف الوقائع والدوافع.
فمن ذلك ختم قصيدة تأملية في أحوال الورى ببيتين:
عـفا الله عـنا بالـنـبـــــي مـحـمـد وعنهم فباب العفو ما دونه سترُ
عـلـيـه صـــلاة الله ثــم ســلامـه وأصحابه والآل ما انبلج الفجـرُ (ص 3)
ومن الختم بثلاثة أبيات ما ورد ي قول الشاعر مجيبا السيد ماء العينين بن الشيخ بُوي وقد كاتبه في بعض المناسبات:
وفـي مـجـلـس الآداب لا زلـت بـيـنـنا تحوك من الأشعار ما الصدر يشرحُ
إلى المنزل الأقصى من القلب لم تزل بـــه وبـــأدنـــاه تـــروح وتـــســـرحُ
فــلا زلــت فـي سـعـد سـعـيـد مــؤبـد وفـخــر وعــز دائـــم لـيـس يـبـــرحُ
ومنه كذلك قوله وقد ختم بأربعة أبيات دعائية:
ســــــألــتُـــكَ يـا ألله مـــا أنــت أهـــلـه من الفضل تعطيني كذا عمر زكِي
ومـن سـجـن نـفـسـي جئـتـك الآن تائـبا منيـبا فـعـجـل بـالـسـراح وبـالـفـكِ
بخير الورى الماحي دجى الشرك نوره محمد المحمود خير الورى الـمكِي
عــــــلـيـه صـــلاة الله والآل عَـــدَّ مـــا يـدبّ الـخـيـر فـي الـبـرية أو فتكِ (ص 2)
وربما فاق عدد الأبيات الدعائية المختوم بها هذا الرقم بكثير. وتبقى الغاية إبراز حجم موضوعة الدعاء وأهميتها، التي تُعكس من خلال موقعها الختمي.
وقد يتبلور هذا الحجم وتلك الأهمية من خلال سيطرة الدعاء على القصيدة كلها، فتأتي دعاء محضا، كما في قصيدة رثاء السيد سداتي بن الشيخ الأمجد ـ رحمه الله ـ ومطلعها: (ص 14)
ارحم اللهم الأبي سداتي وأنزلنه بأرفع الدرجات
3ـ التشكل البنائي (يُتبع)
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي