أسماء ووجـــــوه
بورتريه الفنان الخالد بفنه عبد الوهاب الدكالي

الحَسَن الگامَح*
قيل لي: من هو بادريس رحمه الله …؟؟
وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.
قلتُ: هو الفتى القادم من فاس العتيقة، الذي حمل في حقيبته أحلاماً تطاول السماء، مؤمناً بأن الفن رسالة لا تذبل، فكان ينهل من تراث مدينته ليصيغ مستقبلاً نغمياً مغايراً. في بداياته، كان يبحث عن موطئ قدم تحت الضوء، فنادى بملء صوته (يا الغادي في الطوموبيل)، معلناً عن ميلاد نجم يمتلك بصمة لا تشبه أحداً، تجمع بين كبرياء الأداء ورقة الإحساس، مؤسساً لمرحلة انتقالية نقلت الأغنية المغربية من حيزها الضيق إلى فضاءات أرحب.

هو الذي لم يقبل بالتقليد، بل اختار أن يرسم مساره بريشة فنان تشكيلي قبل أن يكون ملحناً، مؤمناً بأن النوتة لون واللحن فضاء. وحين نضجت تجربته، وقف أمام مرآة الذات ليحكي عن تقلبات القلب، فغنى أنا والغربة، مجسداً رحلة البحث عن الهوية في عوالم الموسيقى الفسيحة، حيث كان يطوع الجمل اللحنية لتصبح حكايات تسكن الوجدان المغربي والعربي، تاركاً في كل مغترب غصة حنين وعزة نفس لا تنكسر.
هو العاشق الذي جعل من الخصام والود شعراً يتردد في كل بيت، محولاً المشاعر الإنسانية البسيطة إلى ملاحم موسيقية. ببراعة المايسترو، أدار معارك العواطف في أغانيه، فعاتب المحبوب بكلمات ما أنا إلا بشر، مذكراً الجميع بأن وراء هذا الشموخ الفني قلباً ينبض بالضعف الإنساني والاحتياج، مما جعل جمهوره يرى فيه انعكاساً لمشاعره الخاصة الصادقة، فصار صوت الذين لا صوت لهم في محراب الحب.
هو المثقف الذي لم يكتفِ بعذوبة الصوت، بل جعل من الأغنية قضية فكرية ولوحة سريالية تدهش العقول قبل القلوب. في ذروة عطائه، قرر أن يتمرد على القوالب الجاهزة، فكانت مرسول الحب هي السفيرة التي طافت بالدارجة المغربية في مشارق الأرض ومغاربها، مكسرةً حواجز اللغة باللحن العالمي الذي صاغه بذكاء العباقرة، لتتحول الأغنية إلى نشيد كوني يغنيه القاصي والداني.
هو الرسام الذي يرى الموسيقى بالعين قبل الأذن، حيث تعكس لوحاته التي يرسمها بعيداً عن الصخب نفس الفلسفة التي ينهجها في ألحانه؛ عمق في المضمون وتجديد في الشكل. استطاع أن يجسد لوعة الفراق في الليل والني، حيث جعل من الصمت في أغانيه موسيقى موازية، وكان يعرف كيف يطوع بين الآلات الوترية والإيقاعات المتنوعة في آن واحد، ليخلق ذلك المزيج الفريد الذي جعل من اسمه مرادفاً للرقي الفني والتميز الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
هو الذي علمنا أن العتاب يمكن أن يكون قمة الرقي، فحين غنى هذي هي أنتِ، كان يرسم بكلماته ملامح الكبرياء والأنفة التي ميزت شخصيته الفنية. لم يكن يغني للشهرة، بل كان يغني ليخلد موقفاً، وليثبت أن الفنان هو نبض المجتمع ومرآة تحولاته، متنقلاً بين المسرح والسينما والتشكيل بكل خفة واقتدار، فارضاً احتراماً عالمياً للمبدع المغربي الذي لا يرضى بغير القمة بدلاً.
هو المتفرد الذي لم يحبس إبداعه في حنجرة فحسب، بل جعل من جسده وروحه مسرحاً شاملاً للتعبير. في كواليس تجربته، كان يتعامل مع اللحن كمعماري يبني صرحاً من المقامات، وحين أطلق يا بنت المدينة، لم يكن يقدم أغنية عاطفية عابرة، بل كان يوثق لحياة اجتماعية مغربية بأسلوب سينمائي يجمع بين الصورة والصوت، مؤكداً أن الفن لديه وحدة لا تتجزأ، وأن الأغنية هي توثيق للمكان والزمان.
هو الممثل الذي سرقته الأضواء إلى الشاشة الكبيرة، فكان حضوره أمام الكاميرا يحمل نفس هيبة وقوفه على المسرح التاريخي. من خلال أعماله السينمائية، أثبت أن الفنان الحقيقي يمتلك وجوهاً متعددة للإبداع، وحين وظف أحاسيسه الدرامية، جعل المشاهد يلمس الصراع الإنساني بين النجومية والواقع، محولاً الأداء التمثيلي إلى قطعة موسيقية تفيض بالصدق، تماماً كما فعل في روائعه التي لا تموت.
هو الفيلسوف الذي تأمل في فلسفة الزمن والقدر، فلم يجد أبلغ من كان يا ما كان ليختصر بها قصص المجد والحب والخيبات. استطاع من خلالها أن يحول الذكريات إلى أيقونة موسيقية عابرة للأجيال، تثبت أن الفن الحقيقي يبقى حياً مهما تعاقبت السنوات، وتؤكد أن بصمته في الأغنية المغربية تظل علامة فارقة لا يطالها النسيان، بل تزداد قيمة مع مرور الأيام كخوابي العتيق.
هو العبقري الذي أعاد صياغة مفهوم المطرب المثقف، متمسكاً بريشته وعوده كجناحين يحلق بهما في سماء العالمية، وحين نسمع روائعه مثل الثلث الخالي، نشعر وكأننا أمام لوحة زيتية مرسومة بالنغم، تتداخل فيها الألوان الموسيقية لترسم ملامح الوحدة والتأمل بأسلوب طليعي سبق عصره بسنوات طويلة، متحدياً السائد والمألوف بجرأة المبدعين الكبار.
هو الرمز الذي استعصى على التكرار، وحين أراد أن يلخص فلسفة الوفاء والجمال، أهدانا (كتعجبني) لتبقى نشيداً لكل من يقدر الجمال في صورته الأسمى. ظل وفياً لعوده، مخلصاً لجمهوره، شامخاً كالأطلس الكبير، ليؤكد للجميع أن زمن العمالقة لا ينتهي طالما أن هناك أذناً تعشق الطرب الأصيل وتعرف قيمة الذهب اللحني الذي صاغه في قلائده التي تزين صدر التاريخ الموسيقي العربي.
هو عميد الأغنية المغربية الذي اختتم فصول الإبداع بتساؤلات وجودية عميقة، حين تركنا نتأمل معه في (سوق البشرية). بنظرة ثاقبة وحس فني رفيع، استمر في العطاء، مؤبداً حقيقة أن مسيرته ليست ظاهرة عابرة، بل هي مدرسة قائمة بذاتها، تعلم القادمين أن الإبداع يكمن في التفاصيل الصغيرة وفي القدرة على ملامسة الروح دون استئذان، ليبقى عبد الوهاب الدكالي الشراع الذي لا ينحني والوتر الذي لا ينقطع.
فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…
وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي