رؤية “مدارات للثقافة والفنون”: الكتاب كجسر للتنمية ورهان على صناعة الوعي

محمد منير*
لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التنمية الحقيقية إذا كانت فئة من أفراده تشعر بأن ثقافتها مهمشة أو غير معترف بها. ومن هذا المنطلق، أصبحت العدالة الثقافية في المغرب قضية أساسية ترتبط بحق المواطن في الحفاظ على هويته والتعبير عنها بحرية ومساواة.
يتميز المغرب بتنوع ثقافي كبير يجمع بين الثقافة العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية، وهذا التنوع يُعد مصدر قوة وغنى حضاري. غير أن هذا الغنى لا يحقق قيمته الكاملة إلا إذا حظيت جميع الثقافات بالاهتمام نفسه داخل التعليم والإعلام والفنون والسياسات العمومية.
لقد خطا المغرب خطوات مهمة نحو تحقيق العدالة الثقافية، خاصة بعد ترسيم اللغة الأمازيغية في دستور 2011، وهو قرار يعكس الاعتراف بالتعدد الثقافي للمجتمع المغربي. كما أن انتشار المهرجانات والأنشطة الفنية في مختلف المدن ساهم في إبراز التراث المغربي المتنوع والتعريف به عالميًا.
لكن، رغم هذه المكتسبات، ما تزال هناك اختلالات واضحة. فالكثير من المناطق القروية تفتقر إلى المسارح والمكتبات ودور الثقافة، كما أن بعض الفنون التقليدية تعاني من التهميش وضعف الدعم. إضافة إلى ذلك، فإن تركيز الأنشطة الثقافية في المدن الكبرى يجعل فئات واسعة بعيدة عن المشاركة في الحياة الثقافية.
في رأيي، لا تتحقق العدالة الثقافية بالشعارات فقط، بل تحتاج إلى سياسات عملية تجعل الثقافة حقًا متاحًا للجميع، وليس امتيازًا لفئة معينة. فدعم الفنانين الشباب، وتشجيع اللغات المحلية، وحماية التراث الشعبي، وتوفير فضاءات ثقافية في القرى والأحياء الهامشية، كلها خطوات ضرورية لبناء مجتمع أكثر إنصافًا.
وفي النهاية، فإن العدالة الثقافية ليست ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي لتحقيق التماسك الاجتماعي وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني. فكلما احترم المجتمع تنوعه الثقافي، أصبح أكثر قوة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
المدير التنفيذي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي