أسماء ووجـــــوه
بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الخامس)

الحَسَن الگامَح*
قيل لي: من هو بادريس رحمه الله …؟؟
وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.
قلتُ:
هو با إدريسُ… الذي أدرك بقلبٍ بصير أن النجاة نور، وأن درب الأبناء لا يضاء إلا بحروف العلم. غادر القرية بعد أن طوت رحى التجنيد سني شبابه، وترك خلفه أماً تذيبها لوعة الفراق، فحمل زوجته ورباعاً من كبده، وشق عباب الطريق نحو فاس، ثم إلى مكناس، مستودعاً ابناً لجدة أضناها الشوق فلم تطق عنه صبراً. قاوم عاديات الأيام حتى استقر بـحي السباتا جوار أخيه، في دار ترعرع فيها الصغار وشتل فيها الأمل.
وما إن أينعت الوعود حتى عاد يشق بحار الغربة طالباً للرزق في حقول جنوب فرنسا، فعاش عقدين كاملين طائراً مهاجراً، يعود طيفه في العام مرة أو مرتين، ليقضي شهراً عابراً ثم يشد الرحال إلى كروم الدوالي، صابرا على قسوة الحر والبرد. ولأنه آمن بيقين لا يلين أن العلم حصن الأبناء الأكيد، كافح حتى رأى الغراس شجراً طاب ثماره، فتزوج الأبناء واستوت سفينتهم.
حينها فقط، ترجل الفارس ليعود إلى الوطن متقاعداً للمرة الثانية؛ بعد تقاعد أول من جندية عتيقة خاض فيها حروباً ما كانت له، كحروب (لندوشين)، وطاف خلالها بأرض الله، جنديا مسافراً بين ألمانيا وفرنسا ومصر والصين، ليلقي عصا الترحال أخيراً في حضن الوطن الذي طالما اشتاق إليه.
هو با إدريس، ذلك الرجل الذي لم تنل منه المسافات، ولم تهزمه قسوة السنون، لكنه حين أتاه القدر، أقعده السقم في ركنيةٍ من زوايا الزمن، راضياً مرضياً، يناجي ربه بقلب طاهر، إلى أن فاضت روحه مودعةً دنيا الغرور، ليستريح متعب السنين في رحاب أرحم الراحمين.
(هو أبي الذي لا أبكيه شعرا، فأكتفي
هو أبي الذي غرس النبتة في الطينة
فحماها من عواصف الغد المتربص المشينْ
هو أبي ذاك الفتى الذي غادر القرية
تاركا خلفه أما تبكي وتبكي
لم يكن يفكر في اللحظة المريرةِ
لكنه كان يبحث عن ضوء للأطفال الآتين من بعد
كي لا يقتلهم الجوع والأنينْ
هو أبي، أذكره الآن
كما ذكرته بالأمس
وكما سأذكره في الغد إن طال الله في العمر سنينْ)
فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…
وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.
أكادير: 26 أكتوبر 2026
.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي