ملامح منهجية تأليفية في الختم الدعائي لقصائد يحجب (الجزء الثالث)

المختار النواري*
5ـ الصيغ الأسلوبية لخاصية الدعاء في شعره
جاءت أساليب الدعاء متنوعة مختلفة، متلونة متمايزة، تكشف عن البراعة الكتابة عند الشاعر، وغنى مزادته في هذا الجانب، وتعدد اختياراته بهذا الصدد، مما يعكس درجة التمرس الكتابي، وقوة البداهة التأليفية لدى الشاعر يحجب. فكانت الأساليب الدعائية تغتني لديه من قصيدة إلى أخرى، ومن مخاطب إلى غيره، ومن مناسبة إلى مناسبة ثانية. وفي هذه العجالة الانتقائية، لا الحصرية، سيتم الاكتفاء بعرض بعض الأساليب العارضة، ومنها:
1ـ أسلوب التوسل بالرسول
بجاه من بملة الإسلام أتى وأعلى راية الإسلام 1
2ـ أسلوب التوسل بالنبي محمد 3
3ـ أسلوب التوسل بالصفات الإلهية:
بالكافي والشافي فعجل بالشفاء فضلا ومنه إلهي للشفا 4
4ـ أسلوب التوسل بالتصلية:
من الأسليب الدعائية المنتهجة عند عامة المسلمين التوسل بالصلاة على الحبيب الشفيع، نظرا لمكانته عند الله، ولذلك غالبا ما يتم استحضاره عند الدعاء، إما تقديما أو تضمينا أو ختما. وقد يكون إما مفردا أو مركبا.
فمن التوسل في الدعاء بالرسول مفردا (الرسول)، ما كان كثيرا في شعر الشاعر؛
ومنه ما كان مركبا، وبدرجات متفاوتة (الرسول ـ الآل ـ الصحب ـ التابعين)، ومن هذا قول الشاعر:
ـ عليه في البدء وفي الختام أطاييـب الصـلاة والسـلام
وآلـه وصحــبه الأعـــــلام وتابـعيـهم علــى الــــدوام 1
ومنه كذلك:
ـ عليه صلاة الله ثم وسلامه وأصحابِه والآلِ ما انبلج الفجر 3
5ـ أسلوب السلام وحده متبوع بالثناء: من مكونات التصلية في الدعاء التي سنها القرآن السلام على حضرة النبي، العالي الغالي الطيب الحبيب القريب، الذي تحببت صلاته وتسليمه على الله والملائكة، وتوجبت على المؤمنين برسالته، كما في قول الحق: “إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”. ولذلك إزين الأدب الدعائي بتحليته بالتسليم على مقام الرسول، والتزم الشاعر يحجب بذلك أيضا. فمما ورد لديه منه:
سلام على من خص في الذكر إنه رؤوف وبـــــرّ بالأنـــــام رحيـــم
6ـ أسلوب فعل الطلب الدعائي:
لقد كان فعل الدعاء محركا أساسيا للجملة الدعائية، والتركيب البنائي لها، إذ من خلاله تتفجر الصيغ، وتتولد التراكيب، وينبع المعنى، بحيث لا يمكن التكهن بنتيجته، ولا تقدير تمظهره إلا بعدما يخرج وينضج ويتصاف ويتراص. وقد لجأ يحجب إلى تشكلات من أسلوب فعل الطلب الدعائي، ومما تم الوقوف عليه منها كان بـ:
6ـ 1ـ باستعمال الصيغة المباشرة بالسؤال: حيث يقول:
سألناك بالفضل الذي أنت أهله الشفا، يا كاشف الضر والبلوى 4
6ـ 2ـ باستعمال الصيغة المباشرة بالرجاء: كقوله:
وأرجو صلاح الحال في كل بلدة لنفسي والإخوان في مصر أو بدو 4
6ـ 3ـ باستعمال صيغة الأمر: ويتمثل في:
“عفا الله عنا… وعنهم” 3 ـ “فعجل بالشفا…” “فاشف وعجل عن قريب بالشفا… فعاف ما بدا وما خفى” 4
6ـ 3ـ باستعمال صيغة النهي: ومنه:
ولا بنا ولا بها من قد جفا تشمت ولا من بالصفاء اتصفا 4
6ـ 4ـ باستعمال فعل الديمومة “لا زال”:
ولا زال ميمون الجناب جنابكم وتسبح فيه بحر المنى وتعوم 11
باستعمال الحكم الدعائية: يتجمل الأسلوب بتجانسه مع أسلوب آخر، وإبراز القوة على استحضاره، والقدرة على التجانس معه، والتمكن من توليد لون تعبيري ثالث، لا يكتفي بأن يبقى الأول خالصا، ولا الثاني ماحيا للأول، ولكن يتخرج منهما معا تشكل تعبيري مخالف، يعترف لللأول بالقوة، وللثاني بالاستجابة، ولهما معا بالتآلف والتوليف، فتحضر من الجماليتين جمالية ثالثة متولدة، وهو ذاك الذي تحصل من استحضار الحكمة إلى جانب الدعاء، فكانت النتيجة قول الشاعر:
فباب العفو ما دونه ستر 3
7ـ أسلوب المناداة، وقد يكون النداء للمدعو، أو للمدعى له:
فمما جاء من المناداة على المدعو:
أيا من يرى منا السرائر والنجوى ويعلم ما من فضله كلنا يهوى 4
هذه بعض الأسليب الدعائية، التي عنت في شعر الشاعر، ولا شك أنها أمثلة مضروبة، اقتضتها طبيعة المناسبة، وعجالة الدراسة، ولا شك أن خلف هذا المكشوف، كثير من المستور، الذي يتوجب الانكباب عليه، واستخراجه وتسميته وتصنيفه، وتقديمه دليلا على البراعة اليحجبية في مجال الأسلوب الدعائي، وما ارتسم منه في الكتابة الشعرية لديه، مما يعمق جانب التعامل معه، ويوسع مجال الدرس الأدبي في هذه الخاصية، التي قلما كان الالتفات إليه، وإبرازها في دراسة خاصة.
تركيب:
ان العين اللاقطة لخاصية الدعاء في شعر يحجب، باعتبار هذا دقيقة أسلوبية، والواقفة على تلويناتها، باعتبارها براعة فنية، تفيد بأن على الشاعر أن يقول، وعلى الناقد أن يلتقط، ويكشف ويظهر ويفسر ويبرز ويعلل ويوضح، وأن يعمل في الأخير جاهدا على التعريف بالخاصيات الأدبية، أسلوبية وفنية، وأن يكشف براعة المبدعين في إغنائها، وإنضاج سبل تقديمها، بناء على ثقافتهم الأدبية في التدليل على تمكنهم منها، والعمل على فتح مسارب الإبداع فيها، التي إن تلقفها غيرهم ممن يأتي بعدهم، ثبتها وعمقها، وعمل على تطويرها. فالجهد الإبداعي لا ينضج أبدا إلا من المواكبة النقدية، وعلى درجه ما يتطلب في المبدع من قدرة على المبادرة والمغامرة، واقتناص اللمعة إن بدت في لحظة كتابية ما؛ على قدر ما يتطلب في الناقد، وربما أكثر، من قدرة على المواكبة والمجاهدة، والغوص لسبر المجهود، واستخراج المكنوز، في لحظة قرائية ما.
فمن جهد المبدع ـ شاعرا أو غيره ـ المهووس بالمغامرة، والتي توقنه بألا جديد يمكن أن يتحقق، إلا من خلالها، والمقتنع كل الاقتناع بفضلها، وجليل أثرها؛ ومن جهد الناقد المستلد باكتشاف السبل، واقتفاء الأثر، والاستمتاع بلذة الكشف، والموقن بأن وراء كل رحلة مغامرة صيد، غزر أو نزر، والمقتنع راسخ الاقتناع بأهمية الكشف والتقييم، وتقدير الجهد، والاعتراف بالمبذول. ومن خلال هذين الجهدين ـ الإبداعي والنقدي ـ يخطو الأدب خطواته الرائعة، ويسهم إسهامه الأثيل والشفاف في بناء الإنسان، وتصفية دواخله، وتنقية روحه، والسير به قدما نحو مدارج الإنسانية السامية، ومراقي النبل العالية.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي