الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / معرض الكتاب بالرباط بين ضيق المكان وانعدام الأثر – الحسَن الگامَح

معرض الكتاب بالرباط بين ضيق المكان وانعدام الأثر – الحسَن الگامَح

اهتزازات

معرض الكتاب بالرباط بين ضيق المكان وانعدام الأثر

الحسَن الگامَح*

 

بعيدا عن لماذا الشعر…؟

(في الرباط

يضيق المكان بين خيام كبرى

وتختنق الأحلام الصغرى

وتذوب الكلمات بين الأروقة

كأنها سكرى وما هي بسكرى

لكن الهواء النقي

تبخر في لقاء أضحى في النهى سوى ذكرى)

هكذا أستهل حديثي بعيدا عن لماذا الشعر، قريبا من فوضى معرض الكتاب، بين هيبة الأرقام التي تتكدس في التقارير الرسمية، وبين خفوت الروح التي كانت تمنح المعرض الدولي للنشر والكتاب معناه الوجودي، يرتسم اليوم مشهد ثقافي مغربي ممعن في التناقض؛ ففي الوقت الذي تُحتفى فيه الوزارة الوصية بأعداد الزوار التي تناهز النصف مليون، يرتفع في المقابل أنين المثقف والقارئ من تراجع النبض الشعبي الذي كان يوماً ما هويةً أصيلة لهذا الحدث. إن الانتقال من صخب الدار البيضاء وجموحها الإنساني إلى رصانة الرباط المفرطة، لم يكن سوى تغيير في العنوان البريدي، بل كان تحولاً جذرياً في فلسفة اللقاء بالكتاب، حيث تحولت التظاهرة من عُرس للمعرفة يشرع أبوابه لكل الفئات، إلى طقس بروتوكولي مغلف بالرسميات، يهدد بابتلاع شعلة الفكر في زحام التنظيم الجاف وأسوار العزلة النخبوية.

إن المتأمل في مسار المعرض يدرك أن هذا الاغتراب للجوهر الثقافي أفقده الأوكسجين الشعبي الذي كان يرتوي من عنفوان الشارع في العاصمة الاقتصادية، ليصبح في الرباط أشبه بمحمية ثقافية ممعنة في الانضباط الإداري، وكأننا أمام صالون أدبي نخبوي معزول عن نبض المجتمع وتناقضاته الحية. ولم ينجح خطاب العاصمة العالمية للكتاب في ردم تلك الهوة السحيقة بين الحدث وعمقه المجتمعي؛ فالمعرض الذي كان يمثل موسماً للهجرة نحو المعرفة، بات اليوم يبدو كاحتفالية ممسرحة يطغى فيها الهاجس التنظيمي الشكلي على الفعالية الفكرية، وهو ما تجلى بوضوح في ضيق الأفق الجغرافي للفضاء الذي لم يعد يستوعب الزخم المفترض، محولاً الممرات إلى متاهات من الاكتظاظ الخانق الذي يغتال متعة الاقتناء ويحرم الزائر من لحظة التأمل الضرورية.

ولم تتوقف حدود المعاناة عند البعد الرمزي والثقافي، بل امتدت لتكشف عن عثرات لوجستية وتنظيمية واضحة فرضتها طبيعة الفضاء الجديد؛ إذ شكلت معضلة النقل وصعوبة الوصول إلى الموقع الجديد – مقارنة بمرونة وسط الدار البيضاء الحيوية – عائقاً حقيقياً أمام شريحة واسعة من الشغوفين، حيث تحول التنقل إلى رحلة شاقة تستنزف جهد الزائر قبل وصوله، ليصطدم الوافدون بأزمة خانقة أخرى تجسدت في غياب وقلة مرائب السيارات وفضاءات الركن الحاضنة للأعداد الغفيرة من المركبات، مما حوّل محيط المعرض إلى بؤرة للاكتظاظ والتوتر النفسي. ينضاف إلى ذلك تحول الاعتماد على الهياكل المؤقتة (الخيام الكبرى) إلى نقطة ضعف بنيوية تفتقر إلى مقومات الاستدامة. إن غياب مركز معارض ثابت ومجهز، وضع المنظمين والزوار والمكتبيين على حد سواء تحت رحمة التقلبات المناخية، من قيظ الحرارة داخل الأروقة إلى هواجس المطر، ناهيك عن ارتفاع تكاليف اللوجستيك وضيق الممرات الإجبارية التي خنقت انسيابية الحركة. هذا العجز التنظيمي لم يقتصر على البنية التحتية، بل امتد إلى ضعف الخدمات الموازية كالمطاعم وفضاءات الراحة والمرافق الصحية، مما جعل تجربة الزيارة عبئاً جسدياً يتنافى مع متعة القراءة، وحوّل فضاء الرباط من بيئة حاضنة للكتاب إلى مساحة طاردة لراحة الزائر البسيط.

هذا الضيق المادي ليس إلا انعكاساً لضيق الرؤية التي حصرت التفاعل الثقافي في أروقة ضيقة، وكشفت عن عطب بنيوي في البرمجة التي غلب عليها طابع التكديس لا التأسيس. وبدلاً من أن يكون المعرض مختبراً للأسئلة الكبرى، غرقنا في بحر من الفعاليات المتزامنة التي تشتت الحضور وتفرغ اللقاءات من محتواها، تزامناً مع الإصرار العجيب على تدوير نخبة العلبة المغلقة. حيث تستمر الوجوه ذاتها في احتكار المنصات وتكرار الأطروحات نفسها، في تكريس واضح لمنطق الولاءات الثقافية وإقصاء ممنهج للأصوات الجديدة والباحثين والمبدعين الذين يشتغلون في الظل، مما حول المشهد إلى دائرة من المجاملات المتبادلة التي تخنق التعددية وتقتل التجديد. إن تضخم الأنشطة لا يمثل حيوية فكرية بقدر ما هو علامة على فقر المعنى حين يغيب الأثر الثقافي المستدام، ويصبح الرهان مجرد أرقام تُرفع في التقارير السنوية.

إن الحصيلة الحقيقية لأي معرض دولي للكتاب لا تُكتب بمداد الإحصائيات الجافة، بل بالأثر الذي تتركه في وجدان المجتمع، وبالأسئلة القلقة التي يخرج بها الزائر من بين الرفوف والندوات. وتكشف التجربة الراهنة أن المعرض الدولي للنشر والكتاب يقف اليوم أمام مرآة الحقيقة؛ فهو إما أن يظل وفياً لصيغته الاحتفالية الباردة التي تحوله تدريجياً إلى ذكرى عابرة في الذاكرة الجمعية، وإما أن يملك الجرأة الكافية للتحرر من قيود البروتوكول والعودة إلى أحضان الشارع. إن استعادة روح المعرض تقتضي القطع مع منطق تأثيث الفضاء والانتقال إلى رحابة بناء الوعي، وهو رهان لن يتحقق إلا بمراجعة شاملة تعيد للكلمة سطوتها، وللمثقف دوره الريادي، وللقارئ المغربي حقه في فضاء ثقافي يتسع لأحلامه ويحترم ذكاءه، بعيداً عن ضيق الممرات وضيق الرؤى، ليبقى المعرض جسراً حياً نحو المستقبل، لا مجرد وقوفٍ متكرر على أطلال الورق.

شاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً