صدور ديوان: “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” للشاعر إسماعيل هموني

الحسَن الگامَح*
عن مطبعة بسي برانت بأكادير، صدر للشاعر إسماعيل هموني ديوانه الثامن الذي يقع في 248 صفحة من الحجم المتوسط، ويضم تسعة وعشرين قصيدة.
وقد سبق للشاعر أن أصدر الدواوين التالية:
- نضوب الظلال ” (2003) الرباط
- نخيل بابل” (2010) مؤسسة آفاق مراكش
- “إشراقات” ط 1 (2013) ط 2 (2014) مؤسسة أفاق مراكش
- رسائل الحب” (2016) مؤسسة آفاق مراكش
- هذا أنا (2017) مؤسسة آفاق مراكش
- على وتيرة البحر” (2019) دار القلم تونس
- جرحا: أقاوم الحرائق. (2024) دار القلم دمشق
مقدمة: عتبة العنوان
يُرسخ الشاعر المغربي إسماعيل هموني في ديوانه “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” تجربة شعرية ذات أبعاد صوفية وفلسفية عميقة. تبدأ هذه التجربة من عتبة العنوان اللامتناهية في النرجسية الإيجابية أو “الانكفاء على الذات المنتجة للمغزى”، حيث يرفض الشاعر السير خلف الخطوات المكررة، مُعلنًا استقلالية وجودية ورؤية فنية تنبع من الذات وتنتهي إليها. يتأكد هذا الطرح عبر الاستعانة بصورة غلاف مرافقة (كما هو مُشار إليه في صورة الملف المستنداتي
- التصدير والتناص: مرجعيات التكوين
افتتح الشاعر ديوانه بباقة من النصوص التصديرية المفتاحية التي تُعبر عن المرجعيات الفكرية والجمالية المحركة لقصائده؛ فاستدعى أقطاب الشعر العربي القديم ليعبر من خلالهم عن ثيمات أساسية:
- الأفوه الأودي: ليؤكد على طبيعة الحياة المستعارة وزوالها.
- أبو نواس والعباس بن الأحنف وابن الزيات: لتأسيس سلطة الحب واستقلالية الدين العاطفي (“دِيني لِنَفْسِي وَدِينُ النَّاسِ لِلنَّاسِ”)، والاحتفاء بالمعصية الناعمة إذا كانت حباً.
- أبو تمام وديك الجن الحمصي: لتكريس مكانة القلب والوجدان كعينٍ باصرة في مجاهل الوجود.
- الثيمات المهيمنة وفضاءات الديوان
أولاً: بسملة الحب وصوفية الحلول الوجودي
في قصيدة “بَسْمَلَةُ الحُبِّ”، يتجلى التوجه الروحي الشاهق، حيث لا يرى الشاعر وجه الله إلا من خلال المحبة الخالصة (“أَرَاهُ فِي الحُبِّ الَّذِي أُصَلِّي وَرَاهُ”). يمتزج الجسد بالكون عبر “مقامات الله”، ويتحول الحب إلى قميص كوني يرتديه الفراغ المضاء بالحق. ويتعدى هذا الحب الطابع الفردي ليلامس القضايا الإنسانية الكبرى؛ فيستحضر الشاعر أطفال غزة والوجع الفلسطيني، حيث يغدو الموت هناك نبوءة تنضح بالحب العظيم والنزيف المقاوم.
ثانياً: سيميائية المكان والذاكرة
يحتل مسقط رأس الشاعر، واحة “تِغْمَرْتْ“ الصحراوية (الواقعة جنوب شرق مدينة كليميم)، مركزاً أنطولوجياً في الديوان. يمنح الشاعر هذه الواحة (والتي تعني الزاوية أو الركن) طابعاً مقدساً؛ فنخيلها يقاوم الطغاة ويصلي، وضؤها يسري في التواريخ ليرسم معنى البقاء، حتى تتحول الواحة إلى نشيد وموسيقى للوجدان البشري.
ثالثاً: كتاب الحج والضحك وهيبة الماء
في قسم “كِتَابُ الحَجِّ”، يُعيد الشاعر صياغة مفهوم الحج ليكون حجاًّ إلى العشق والوجد والمجاز، حيث يتصادى ليل المحب مع نهاره في رقص سرمدي. وبالمقابل، في قصيدة “الضَّحِكُ لَا يَخْدِشُ هَيْبَةَ الْمَاءِ”، يربط الشاعر بذكاء نقدي وفلسفي بين تعاليم الضحك التي تطفئ حريق الحطب وبين تراث الجاحظ (حكيم الإضحاك)، معتبراً أن من يتوسده الضحك والصفاء يسهل عروجه إلى ملكوت السماء.
رابعاً: ثنائية الجنوب الأخضر والرقص الكوني
يطرح الديوان تساؤلاً جوهرياً: “أَيُّ لَوْنٍ يُصَطَفِيهِ الجَنُوبُ؟”، ليأتي الجواب مفعماً بالخضرة؛ فالنخيل والظلال والحقيقة كلها خضراء في جنوبٍ يقاوم غربته بالحب. وفي نص “لَنْ أُطِيعَ سِوَى رَقْصِي”، يصبح خصر الأرض المائل رمزاً للانتعاش الكوني، والرقص هو الشريعة الوحيدة الطاردة للحزن، والوسيلة الفضلى للتماهي بين يدي الله.
- الخصائص الفنية والجمالية
- بلاغة المجاز ورمزية الهدهد: يتكرر طائر الهدهد بوصفه “حكيم العميان” وصاحب الرقيم، وهو رمز معرفي صوفي مستمد من معجم “منطق الطير” يدل على البصيرة والمهندس الذي يرى النور في غيابة الكهوف.
- شعرية التكرار اللفظي: يعتمد هموني على تكرار لازمة “وَأُصَدِّقُ صَحْوِي”، ليوازن بين صحو اليقين وسهو العشاق، معلناً الصمت البهيج نبيذاً خالصاً للقصيدة.
- تداخل البنى التناصية: يتجول الشاعر بين عوالم المتنبي وأعطابه المتخمة بالتعب، ملوحاً بسلة المعري ولزومياته، ممتزجاً برمزية سيزيف وصخرته ليؤكد أن “التَّعَبُ غِبْطَةُ الأَحْيَاءِ”.
خاتمة
يُمثل ديوان “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” لإسماعيل هموني، عبر صفحاته المئتين وثمان وأربعين، مدونة شعرية متكاملة لغسيل الروح بالماء والضوء والحب. إنها محاولة جادة وجريئة للنجاة من “تأويل الظنون” والوصول إلى يقين عابر للمألوف، يعيش فيه الشاعر حراً كالنخلة، يرتجل عِشقه على سرير المجاز.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي