الرئيسية / الأعداد / العدد الثالث والسبعون / أعمدة ثابتة 73 / شفشاون زرقة القصيدة وامتداد الرؤى –  الحسن الگامَح

شفشاون زرقة القصيدة وامتداد الرؤى –  الحسن الگامَح

highlight color=”gray”]اهتــــزازات[/highlight]

طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ – مغارة هرقل قصيدة مفتوحة على البحر (الجزء الرابع)

الحسَن الگامَح*

 

لماذا الشعر…؟

(شفشاون..

أيتها المدينة التي تلبس السماء

وتنام في حجر الجبل

كأنكِ حلمٌ نسيته الآلهة على الأرض

أو قصيدةٌ زرقاء لم يكتمل إيقاعُها بعد.)[1]

لم يكن دخولي إلى شفشاون زيارة لمدينة، بل كان ارتماءً في حضن قصيدة لم تُكتب بعد. حين وطئت قدماي عتبة “رأس الماء”، شعرتُ وكأن الزمان توقف عن الدوران، ليتيح للمكان أن يشرح لي معناه بلسان الصمت والندى. كانت صدمتي الأولى هي تلك الزرقة التي لا تُشبه البحر في اضطرابه، ولا السماء في بُعدها، بل هي زرقةٌ أليفة، كأنها قُطفت من أحلام طفولتي وغُسلت بماء الورد. وقفتُ مذهولاً أمام الجدران التي تبدو وكأنها تتنفس، ألمس الجير بيدي فأشعر ببرودة الحكايا العتيقة، مدركاً أن الناس هنا لا يطلون بيوتهم باللون، بل يسكبون أرواحهم فوق الحجر لتصير السكينةُ مرئية أمام عيني.

مشيتُ في الأزقة الضيقة، تلك التي تشبه شرايين قلبٍ ينبض بالهدوء، وفي ساحة “وطاء الحمام”، جلستُ أرقبُ تمازج الظلال مع خيوط الشمس المتسللة من بين شجر الأرز. لم أكن بحاجة لدفتري؛ فكل وجهٍ عابر كان شطراً شعرياً، وكل شجيرة ياسمين تتدلى من شرفةٍ خشبية كانت قافيةً ترفض الانصياع للوزن. وبينما كانت رائحة الخبز المنبعثة من الأفران التقليدية تختلط بعبق الجبل، اكتشفتُ أن لشفشاون لغةً خاصة، حيث الصمت موسيقى باطنية، والماء صدى أندلسي لا يزال يتردد في مسامعي عبر السواقي، والناس حراسٌ للسكينة، وجوههم مرسومة بخطوط القناعة والتواضع.

وفي قلب هذه الهيبة الزرقاء، استوقفتني القصبة بأسوارها العالية وأبراجها التي تحكي صمود المؤسس “علي بن راشد”. دخلتُ إلى حدائقها الأندلسية، فخُيل إليّ أنني أسمع صدى السيوف وقصائد الحنين التي حُفرت في طوبها الأحمر. كانت تلك المعلمة التاريخية هي الروح التي تحرس هذه المدينة، تذكرنا بأن هذا الجمال لم يولد إلا من رحم الشموخ والأنفة. مشيتُ بعدها في الأزقة الضيقة، تلك التي تشبه شرايين قلبٍ ينبض بالهدوء، وفي ساحة “وطاء الحمام”، جلستُ أرقبُ تمازج الظلال مع خيوط الشمس المتسللة من بين شجر الأرز. لم أكن بحاجة لدفتري؛ فكل وجهٍ عابر كان شطراً شعرياً، وكل شجيرة ياسمين تتدلى من شرفةٍ خشبية كانت قافيةً ترفض الانصياع للوزن.

وبينما كانت رائحة الخبز تختلط بعبق الجبل، اكتشفتُ أن لشفشاون لغةً خاصة، حيث الصمت موسيقى باطنية، والماء صدى أندلسي لا يزال يتردد في مسامعي عبر السواقي. حين حان وقت الغروب، صعدتُ إلى نقطةٍ تطل على المدينة، فرأيتُ البيوت تتلألأ تحت الضوء الشحيح كفصوص من الياقوت الأزرق منثورة على بساطٍ أخضر. في تلك اللحظة، لم أعد أرى نفسي عابراً، بل جزءاً من هذا المشهد الصوفي. لم أكتب قصيدة في تلك الليلة؛ فقد أدركتُ أن شفشاون هي القصيدة الكبرى، وما يخطّه قلمي ليس إلا هامشاً متواضعاً على جمالٍ لا يُحدّ. رحلتُ جسداً، لكني تركتُ قلبي معلقاً بمسمارٍ عتيق على بابٍ أزرق، أنتظر ريحاً شمالية لتعيد إليّ صدى أنفاسي التي استودعتُها دروب الريف الساحرة.

(على جدارِكِ الأزرقِ يا شفشاون

كتبتُ أسماءَ الذين عبروا..

وظلَّ صدى الأندلسِ يئنُّ في ماءِ (رأسِ الماء)

كأنَّ المدينةَ ليست حجراً.. بل هي ذاكرةٌ من ندى)[2]

حين حان وقت الغروب، صعدتُ إلى نقطةٍ تطل على المدينة، فرأيتُ البيوت تتلألأ تحت الضوء الشحيح كفصوص من الياقوت الأزرق منثورة على بساطٍ أخضر. في تلك اللحظة، لم أعد أرى نفسي عابراً، بل جزءاً من هذا المشهد الصوفي. لم أكتب قصيدة في تلك الليلة؛ فقد أدركتُ أن شفشاون هي القصيدة الكبرى، وما يخطّه قلمي ليس إلا هامشاً متواضعاً على جمالٍ لا يُحدّ. رحلتُ جسداً، لكني تركتُ قلبي معلقاً بمسمارٍ عتيق على بابٍ أزرق، أنتظر ريحاً شمالية لتعيد إليّ صدى أنفاسي التي استودعتُها دروب الريف الساحرة.

(يا غيمةً نزلت من الجبلِ العليّ

واستوطنت في الساحِ والدارِ

زرقاءُ أنتِ.. كحلُمِ طفلٍ عبقريّ

تلهو بخيطِ الضوءِ.. خلفَ الأسوارِ)[3]

الإحالات:

[1] الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال

[2] الشاعر محمد السرغيني

[3] الشاعر محمد الميموني

شاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً