الرئيسية / الأعداد / على مهلٍ نحو اللانهائي: قراءة في المشروع الشعري لإدريس أمغار مسناوي من خلال كتابه “نمدوا يدينا للانهائي” – شاهر خضرة

على مهلٍ نحو اللانهائي: قراءة في المشروع الشعري لإدريس أمغار مسناوي من خلال كتابه “نمدوا يدينا للانهائي” – شاهر خضرة

على مهلٍ نحو اللانهائي: قراءة في المشروع الشعري لإدريس أمغار مسناوي من خلال كتابه “نمدوا يدينا للانهائي”

شاهر خضرة*

 

ليس كل شاعر يغيّر اللغة يغيّر العالم. فكثيرون وسّعوا حدود القصيدة، لكنهم ظلوا يكتبون داخل الحدود نفسها التي ورثها الإنسان عن نفسه. أما إدريس أمغار مسناوي، فمنذ بدأت أقرأ مشروعه، لم أشعر أن همّه كان ابتكار صورة جديدة، أو استعارة أكثر إدهاشاً، أو معجماً يميزه عن غيره. كان يبحث عن شيء أبعد من ذلك كله؛ كان يبحث عن أفق آخر للإنسان.

لهذا لم أجدني أمام شاعر يتأمل العالم، وإنما أمام شاعر يحاول أن يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالعالم، وأن يوسّع حدود انتمائه، وأن يحرره من الخرائط التي ظل يسكنها قروناً. فالقرية لا تكفي، والمدينة لا تكفي، والوطن لا يكفي، وحتى الأرض لا تبدو، في هذا المشروع، المحطة الأخيرة للإنسان. وكلما تقدمت في القراءة، أحسست أنه لا يمد يده إلى اللغة أولاً، وإنما يمدها إلى الإنسان، كأنه يسأله إن كان مستعداً لأن يولد مرة أخرى، بعينين أوسع، وبقلب يتسع لما لم يكن يتسع له من قبل.

حين قرأت إدريس أمغار مسناوي للمرة الأولى، لم أكن أعرف أنني أدخل مشروعاً سيمتد أمامي عبر سنوات. كنت أقرأ نصوصاً متفرقة، وأتوقف عند لغتها، وعند قدرتها على دفع الدارجة المغربية إلى مناطق لم أكن أعرف أنها قادرة على بلوغها. لكن الزمن وتعاقب الكتب كشفا لي أن ما بدا مغامرة لغوية لم يكن إلا الوجه الظاهر لبناء أعمق بكثير. فهذه الكتب لا تُقرأ متفرقة، لأنها تتحرك داخل رؤية واحدة تتسع باستمرار، وتعيد، في كل مرة، طرح السؤال نفسه بصيغة جديدة: كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز حدوده؟

من هنا لم أعد أقرأ “نمدوا يدينا للانهائي” بوصفه كتاباً مستقلاً، وإنما بوصفه اللحظة التي بلغت فيها هذه الرؤية أكثر صورها نضجاً ووضوحاً. وما سبقه من كتب لم يكن تمهيداً زمنياً، بل درجات في السلم نفسه؛ يضيف كل كتاب حجراً إلى البناء، حتى تتكشف ملامح مشروع يجعل من الشعر طريقاً إلى أفق أوسع للإنسان.

 

لم يحدث كثيراً أن شعرت، وأنا أتهيأ لكتابة قراءة، بأنني لا أقف أمام كتاب، ولا أمام ديوان، ولا حتى أمام تجربة يمكن الإحاطة بها من داخل جنسها الأدبي. يحدث أحياناً أن يفرض شاعر لغته، أو يبتكر صوراً غير مألوفة، أو يوسّع أفق النص حتى يلامس الفلسفة أو التصوف أو الأسطورة، لكن كل ذلك يبقى، في النهاية، داخل البيت الشعري. أما مع إدريس أمغار مسناوي، فقد وجدت نفسي، منذ زمن، أغادر هذا البيت من غير أن أشعر. كنت أظن أنني أقرأ زجلاً مغربياً يغامر في لغته ورؤيته، ثم اكتشفت، كتاباً بعد كتاب، أن الشعر لم يكن سوى الباب، وأن ما ينتظرني خلفه أوسع بكثير.

لم أعد أرى مشروع إدريس أمغار مسناوي مشروعاً شعرياً بالمعنى المألوف، وإنما مشروعاً لإعادة التفكير في الإنسان، اتخذ الشعر لغته ولم يتخذه غايته. لذلك لا تتحول النصوص عنده إلى بناء لغوي أو تجربة جمالية فحسب، وإنما إلى فضاء يُعاد فيه النظر في أصل الإنسان، ومصيره، وحدود وعيه، وعلاقته بالطبيعة، وبالكون، وبالزمن، وبالمستقبل. ومن هنا لم تعد هذه الكتب دواوين متجاورة، بل حلقات في مشروع واحد ينمو كما تنمو الشجرة؛ تتبدل أغصانها، ويبقى جذرها واحداً.

حين نقرأ “الرحم الأعظم”، ثم “درب التبانة”، ثم “جميل الحياة”، ثم “نمدوا يدينا للانهائي”، لا ننتقل من موضوع إلى آخر، وإنما نتابع الفكرة نفسها وهي تتسع. تنطلق من الرحم بوصفه أصلاً للوجود، ثم من الجميل بوصفه قيمة تؤسس للحياة، ثم من المجرة بوصفها وطناً جديداً للوعي، وتبلغ اللانهاية بوصفها الأفق الذي لا ينبغي للإنسان أن يتوقف دونه. وكل كتاب يبدو، لأول وهلة، مستقلاً عن سابقه، لكنه يواصل بناء البيت نفسه، ويضيف غرفة جديدة إلى هندسته الفكرية.

لهذا لم أجد فائدة في أن أتعامل مع “نمدوا يدينا للانهائي” كما يتعامل الناقد مع كتاب منفرد يبحث في صوره وإيقاعه ورموزه ومعجمه. مثل هذه القراءة قد تصيب جانباً من الحقيقة، لكنها ستفوّت الحقيقة الأكبر. فهذا الكتاب لا يكتمل إلا إذا قُرئ داخل المشروع كله، لأن معناه الحقيقي لا يسكن صفحاته وحدها، بل يسكن المسافة التي تمتد بينه وبين الكتب التي سبقته. هناك، في تلك المسافة، يتشكل إدريس أمغار مسناوي الذي أريد أن أقرأه.

ولعل أكثر ما شدني في هذا المشروع أنه لا يستعير العلوم، ولا الفلسفة، ولا الأسطورة، ولا التراث الأمازيغي، ولا الذاكرة الدينية، ليمنح نصوصه زينة. فهذه العناصر، حين تدخل عالمه، تفقد استقلالها، وتصبح أجزاء من رؤية واحدة مركزها الإنسان. وحتى المجرة، وهي أكثر مفرداته حضوراً، لا تبدو موضوعاً للدهشة الفلكية، وإنما مرآة يريد للإنسان أن يرى نفسه فيها بحجم آخر. وكأن السؤال الذي يرافقه في كتبه ليس: كيف يبدو الكون؟ بل: كيف ينبغي أن يصبح الإنسان حتى يكون جديراً بهذا الكون؟

من هنا بدأت أشعر أنني لا أقرأ شاعراً يكتب عن العالم، وإنما عقلاً يحاول أن يبتكر صورة للعالم من خلال الإنسان. وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تمنح مشروع إدريس أمغار مسناوي خصوصيته؛ فهو لا يدعو إلى مغادرة الأرض نحو السماء، ولا إلى استبدال وطن بآخر، وإنما إلى توسيع معنى الانتماء نفسه، حتى لا يبقى الإنسان سجين حدوده الأولى، ولا أسير تعريفاته القديمة.

ولهذا فإن الصفحات التي أكتبها لا تنطلق من الرغبة في تقديم شاعر مغربي مهم، ولا في التعريف بتجربة زجلية متفردة، فذلك كله قيل، ويمكن أن يقال مرة أخرى. ما يشغلني هو الاقتراب من الفكرة الكبرى التي تنتظم هذه الكتب جميعاً، وتجعل النصوص تؤدي وظيفة تتجاوز الشعر نفسه. إنها محاولة لفهم الإنسان كما يراه إدريس أمغار مسناوي، لا كما اعتدنا أن نراه نحن؛ لأن مفتاح هذا المشروع، في تقديري، لا يكمن في لغته وحدها، ولا في صوره وحدها، وإنما في السؤال الذي يظل يتردد، ظاهراً حيناً وخفياً حيناً آخر، بين صفحة وأخرى:

أيُّ إنسان يريد إدريس أمغار مسناوي أن يورثه للمستقبل؟

غير أن الوصول إلى هذه النتيجة لم يكن وليد قراءة واحدة، ولا انطباعاً عابراً تركه كتاب بعينه. احتجت إلى أن أعود مرات كثيرة، وأن أقرأ هذه الكتب كما لو أنها تتحاور فيما بينها، لا كما لو أنها تقف متجاورة على رفوف المكتبة. كنت كلما أنهيت كتاباً وجدت أسئلته تمتد إلى الذي يليه، وأن الإجابة التي ظننت أنني عثرت عليها تفتح باباً آخر. ومع الوقت، لم أعد أشعر أنني أرافق شاعراً ينتقل من تجربة إلى أخرى، وإنما عقلاً يبني مشروعه بصبر نادر، ولا يسمح لفكرة أن تستقر قبل أن يختبرها في أكثر من اتجاه.

وهنا أدركت أن الزمن عنصر أساسي في قراءة إدريس أمغار مسناوي. فلا يجوز للقارئ أن يستعجل إصدار حكمه، لأن المشروع نفسه لم يُبنَ على العجلة. لقد نما كما تنمو الأشجار الكبيرة؛ لا يلفت النظر في كل موسم، لكنك إذا عدت إليه بعد سنوات اكتشفت أن الجذع صار أكثر صلابة، وأن الأغصان امتدت إلى جهات لم تكن تراها من قبل. لذلك تبدو كتبه، على اختلاف عناوينها، وكأنها تعود دائماً إلى السؤال نفسه، لا لتكرره، وإنما لتكشف فيه أفقاً جديداً.

ومن السهل أن يلتقط القارئ أسماء الفلاسفة والعلماء التي تتردد في هذا المشروع، وأن يتوقف عند إشاراته إلى الفيزياء والفلك، أو إلى الأساطير والتراث الأمازيغي، أو إلى النصوص الدينية والحكمة الشعبية. غير أن التوقف عند هذا المستوى يجعلنا نقرأ القشرة أكثر مما نقرأ اللب. فهذه الإحالات، على كثرتها، لا تؤدي دور المرجع الذي يستند إليه الشاعر لإظهار ثقافته، وإنما تتحول، بعد دخولها إلى النص، إلى مادة جديدة تفقد استقلالها الأول، وتصبح جزءاً من بناء مختلف.

لهذا لا أرى إدريس أمغار مسناوي شاعراً يجمع المعارف، وإنما شاعراً يعيد صهرها. والفارق كبير بين من يضع الفلسفة والعلم داخل النص، ومن يجعل الكتابة فضاءً تلتقي فيه الفلسفة والعلم والأسطورة والذاكرة الشعبية، لتخرج جميعها وقد تبدلت وظائفها. هنا لا يعود العلم علماً خالصاً، ولا الأسطورة أسطورة خالصة، ولا الحكمة الشعبية مجرد أثر من الماضي، وإنما تصبح جميعها لغة واحدة تتجه نحو غاية واحدة: توسيع أفق الإنسان.

ولعل هذا ما جعلني أتوقف طويلاً عند كلمة تتكرر في أكثر من موضع، وإن اختلفت صورها: الجميل. لم أعد أقرأها بوصفها وصفاً للجمال، ولا قيمة أخلاقية مجردة، وإنما وجدتها تتحول، كتاباً بعد كتاب، إلى فكرة مؤسسة. فالجميل عند إدريس ليس ما يسر العين أو يطرب الأذن، وإنما ما يرفع الإنسان درجة في سلّم وعيه. وكل ما لا يضيف إليه اتساعاً في الرؤية، أو رحابة في الروح، أو قدرة على المشاركة في صنع المستقبل، يبقى ناقصاً مهما بدا كاملاً في ظاهره.

ومن هنا بدأت أفهم لماذا لا يكتفي هذا المشروع بالنظر إلى الماضي، ولا بالاحتفاء بالحاضر، ولا يذوب في الحنين كما تفعل تجارب كثيرة. إنه مشروع مشدود دائماً إلى الأمام. فالمستقبل ليس زمناً سيأتي، وإنما مسؤولية تبدأ الآن، والنص لا يكتفي بأن يشهد على العالم، وإنما يحاول أن يهيئ الإنسان للعالم الذي لم يولد بعد.

ولهذا، كلما ابتعدت عن فكرة “الديوان” واقتربت من فكرة “المشروع”، ازداد يقيني بأنني أمام تجربة يصعب اختصارها في مصطلحات الشعر وحدها. فما يكتبه إدريس أمغار مسناوي لا يطمح إلى تجديد النص فحسب، وإنما إلى تجديد صورة الإنسان عن نفسه، وإقناعه بأن حدود وجوده أوسع من الحدود التي اعتاد العيش داخلها. وهذا، في تقديري، هو المدخل إلى “نمدوا يدينا للانهائي”؛ فهو ليس كتاباً يضيف عنواناً جديداً إلى أعمال صاحبه، وإنما محطة تتجمع عندها الخيوط التي ظل ينسجها عبر سنوات طويلة، حتى غدت أكثر وضوحاً، وأكثر قدرة على الكشف عن روح المشروع كله.

ليس من عادتي أن أبحث في الشعر عن البدايات، لأن الشاعر نفسه لا يعرف، في الغالب، متى بدأت قصيدته الأولى. غير أن مشروع إدريس أمغار مسناوي يغري بهذا السؤال، إذ يصعب أن نفهم امتداد أغصانه ما لم نتأمل جذوره. وهذه الجذور، في تقديري، لا تبدأ من اللغة، ولا من الزجل، ولا حتى من الثقافة الواسعة التي يمتلكها صاحبها، وإنما من نظرة مخصوصة إلى الإنسان. فمنذ الصفحات الأولى نشعر أن الإنسان ليس كائناً اكتمل ثم أخذ يكتب الشعر، وإنما كائن ما تزال أمامه إمكانات لم يكتشفها بعد.

لهذا لا يكتفي الشاعر بوصف العالم، لأن وصف العالم لا يغيره، ولا يكتفي بوصف الإنسان، لأن الإنسان، في نظره، يظل مشروعاً مفتوحاً. ومن هنا أفهم ذلك الإصرار الذي نجده في أكثر من كتاب على تجاوز الحدود، لا بوصفها حدوداً جغرافية فحسب، وإنما ذهنية أيضاً. فكل حد يبلغه الوعي يتحول إلى بداية لأفق آخر، وكل يقين يطمئن إليه الإنسان يصبح دعوة إلى مساءلته من جديد.

لهذا السبب أيضاً لا تبدو مفردات مثل: الرحم، والجميل، والمجرة، واللانهاية، موضوعات متفرقة، وإنما محطات في سيرة واحدة. فالرحم بداية الحكاية، والجميل القيمة التي تمنحها معناها، والمجرة اتساع أفقها، واللانهاية مجالها المفتوح. ولو حذفنا أسماء الكتب، ونظرنا إلى هذه المفردات وحدها، لبدت كأنها فصول في كتاب واحد يروي رحلة الإنسان من ولادته الأولى إلى وعيه الكوني.

وأعترف أنني، في بدايات قراءتي، وقعت في الخطأ الذي يقع فيه كثير من القراء. كنت أظن أن كثافة الحضور الكوني في هذا المشروع تعني أن الكون هو بطل النص. لكنني كلما تقدمت في القراءة اكتشفت أن المجرة نفسها ليست سوى مرآة، وأن البطل الحقيقي ظل ثابتاً منذ الصفحة الأولى حتى الأخيرة: الإنسان. فالكون عند إدريس أمغار مسناوي لا يطلب الإعجاب بعظمته، وإنما يدعو الإنسان إلى أن يكبر حتى يصبح جديراً بالنظر إليه، وجديراً بالانتماء إليه.

وهنا، في رأيي، تكمن فرادة هذا المشروع. فهناك شعراء كتبوا الإنسان من خلال الوطن، وآخرون من خلال الحب، أو التاريخ، أو السياسة، أو التصوف، أو الأسطورة. أما إدريس أمغار مسناوي، فيكتبه من خلال اتساع الوجود كله، كأنه يريد أن يحرره من ضيق التعريفات التي لازمته طويلاً، وأن يعيده إلى حجمه الأول؛ لا بوصفه فرداً يعيش فوق بقعة من الأرض، وإنما كائناً يحمل في داخله ذاكرة الأرض واحتمالات المستقبل.

ولعل هذا ما جعلني أتردد طويلاً قبل أن أصف مشروعه بأنه مشروع شعري. فالشعر حاضر فيه بقوة، لكنه يؤدي وظيفة تتجاوزه. إنه اللغة التي اختارها صاحب المشروع، لا المشروع نفسه. ولو كان إدريس أمغار مسناوي فيلسوفاً لكتب هذه الرؤية بالفلسفة، ولو كان عالم أنثروبولوجيا لصاغها بلغة البحث، لكنه شاعر، ولذلك جعل الكتابة مختبراً تُجرَّب فيه أسئلة الإنسان الكبرى، لا على مستوى البرهان العقلي، وإنما على مستوى التجربة الحية.

ومن هنا بدأت أقتنع أنني، وأنا أكتب هذه الصفحات، لا أقترب من شاعر يريد أن يضيف كتاباً جديداً إلى مكتبته، وإنما من صاحب رؤية ظل سنوات يعيد صياغة السؤال نفسه بأشكال مختلفة:

كيف يستطيع الإنسان أن يصبح أكثر إنسانية كلما اتسع الكون أمام عينيه؟

كلما تقدمت في قراءة هذا المشروع، ازداد اقتناعي بأن إدريس أمغار مسناوي لم يبدأ من الشعر، وإنما انتهى إليه. وقد يبدو هذا القول متناقضاً لأول وهلة، لكنه يفسر كثيراً من الخصائص التي تميز كتابته. فهناك شعراء يولدون داخل القصيدة، وتبقى علاقتهم بالعالم محكومة بما تمنحه لهم اللغة من إمكانات. أما هنا فأشعر أن العلاقة مع العالم سابقة على اللغة نفسها، وأن النص جاء لاحقاً ليكون الوسيلة الأرحب للتعبير عنها.

لهذا لا تبدو الكتابة عنده مكاناً للزينة البلاغية، ولا حقلاً للتنافس في ابتكار الصور، ولا ساحة لإثبات المهارة اللغوية. إنها ورشة مفتوحة، يدخلها العلم والفلسفة والتاريخ والذاكرة والأسطورة، ثم تخرج جميعها وقد فقدت أسماءها الأولى. وما يبقى في النهاية ليس الفيزياء ولا الفلسفة ولا التراث، وإنما الإنسان الذي تبدل بعد أن مر بها جميعاً.

وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تجعل مشروع إدريس أمغار مسناوي عصياً على التصنيف. فإذا قرأه الناقد بوصفه شاعراً صوفياً، وجد ما يؤيد رأيه، ثم سرعان ما يصطدم بما ينقضه. وإذا قرأه بوصفه شاعراً علمياً، وجد الإحالات الكونية والنظريات الحديثة، ثم اكتشف أن العلم نفسه تحول إلى لغة رمزية. وإذا اقترب منه بوصفه شاعراً فلسفياً، وجد أسئلة الوجود والوعي والمصير، لكنه لن يعثر على نسق فلسفي مغلق، لأن الشاعر لا يقيم في الفلسفة، وإنما يعبرها كما يعبر النهر. وهكذا يجد القارئ نفسه، في كل مرة، مضطراً إلى هدم التصنيف الذي صنعه بيده.

وربما لهذا السبب ظللت أؤجل كتابة هذه القراءة. لم أكن أبحث عن عبارة أجمل، ولا عن مدخل أكثر تشويقاً، وإنما كنت أخشى أن أظلم المشروع إذا قرأته بالأدوات التي نقرأ بها الشعر عادة. فكلما هممت أن أتناول كتاباً منفرداً، شعرت أن الكتب الأخرى تستدعيني إليها، وكلما حاولت أن أفسر رمزاً داخل نص، وجدته يمتد إلى كتاب آخر، حتى أصبح واضحاً أمامي أن وحدة المشروع أقوى من استقلال أجزائه.

ومن هنا بدأت أغيّر السؤال الذي أحمله معي أثناء القراءة. في البداية كنت أسأل: ماذا يريد الشاعر أن يقول في هذا النص؟ ثم اكتشفت أن هذا السؤال لا يقودني بعيداً. فاستبدلته بسؤال آخر: ما الفكرة التي يعود إليها هذا المشروع مهما تغيرت موضوعاته؟ وما إن استقر هذا السؤال في ذهني حتى أخذت الكتب كلها تعيد ترتيب نفسها تلقائياً. لم تعد تبدو جزراً متباعدة، وإنما قارات متصلة تحت سطح البحر.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لا تفرض على القارئ نتائج جاهزة، ولا تقدم له وصايا فكرية، ولا تطلب منه أن يتبنى رؤية بعينها، وإنما تدعوه إلى المشاركة في بنائها. وكثيراً ما شعرت، وأنا أقرأ، أنني لا أتلقى أفكاراً مكتملة، بل أشارك في ولادتها. كانت الصفحات تطرح السؤال، ثم تتركه يتردد طويلاً في داخلي، حتى تصبح الإجابة جزءاً من تجربتي أنا، لا معنى استعرته من الكاتب.

وهنا، في ظني، تتجلى وظيفة الشعر كما يفهمها إدريس أمغار مسناوي. فالشعر ليس خطاباً يُلقى على قارئ، وإنما تجربة يُدعى إليها. وليس بيتاً يدخله القارئ ليعجب بزخرفته، وإنما طريقاً يمشيه، وكلما تقدم فيه اكتشف أن الطريق لم يكن يقوده إلى الشعر وحده، بل كان يقوده إلى نفسه.

ومن هذه النقطة بدأت أفهم سر النفس الطويل الذي يميز مشروعه. فهو لا يكتب كتاباً ثم يغلقه، لأنه لا يرى الفكرة حدثاً عابراً، وإنما كائناً حياً ينمو مع الزمن، ويحتاج إلى العودة المستمرة. لذلك لا أشعر أن كتبه تلغي ما قبلها، وإنما تكمله. ولا أشعر أنه ينتقل من مرحلة إلى أخرى، بقدر ما يدور حول مركز واحد، وفي كل دورة يقترب خطوة جديدة من ذلك المركز، ويمنح قارئه فرصة أخرى للاقتراب معه.

________________________________________

هناك فرق دقيق بين الشاعر الذي يكتب الكون، والشاعر الذي يجعل الكون يكتب الإنسان. وقد بدا لي، بعد صحبة طويلة مع كتب إدريس أمغار مسناوي، أن هذا الفرق هو الذي يمنح مشروعه فرادته. فمنذ زمن بعيد عرف الشعر العربي شعراء انفتحوا على النجوم والبحار والصحارى والكواكب، وجعلوا الطبيعة فضاءً واسعاً لاستعاراتهم. غير أن الكون، في معظم تلك التجارب، ظل خلفية للمشهد الإنساني، أو صورة مكبرة لمشاعر الذات. أما عند إدريس، فإن الأمر يجري في الاتجاه المعاكس؛ فالكون لا يأتي ليشرح الإنسان، وإنما ليعيد تشكيله.

ولهذا لا أستطيع أن أقرأ المجرة عنده باعتبارها صورة شعرية، ولا الرحم الكوني باعتباره استعارة، ولا اللانهاية بوصفها تعبيراً عن اتساع الخيال. فهذه المفردات تؤدي وظيفة أعمق؛ إنها تعيد ترتيب موقع الإنسان داخل الوجود. فالإنسان الذي اعتاد أن يرى نفسه مركز الكون، يجد نفسه هنا جزءاً من حركة كبرى، لكنه ليس جزءاً هامشياً. إنه الكائن الذي يستطيع أن يعي هذا الاتساع، وأن يحوله إلى سؤال، ثم إلى معرفة، ثم إلى مسؤولية.

وهنا توقفت طويلاً عند كلمة الوعي، حتى عندما لا يذكرها الشاعر صراحة. شعرت أنها النهر الخفي الذي يغذي المشروع كله. فالرحم ليس مجرد بداية بيولوجية، وإنما بداية للوعي. والجسد ليس كتلة من اللحم، وإنما وعي يتجسد. والجميل ليس حكماً جمالياً، وإنما وعي يرتقي. واللانهاية ليست مكاناً بعيداً، وإنما وعي يرفض التوقف عند حد. وحتى المستقبل لا يبدو زمناً ينتظرنا، وإنما صورة أخرى لوعي يظل قادراً على تجاوز ما بلغه.

ولذلك فإن القراءة التي تكتفي بملاحقة الصور الشعرية ستفقد أهم ما في هذا المشروع، لأن الصورة ليست الغاية، وإنما الوسيط الذي تنتقل عبره الفكرة من التجريد إلى التجربة. وأكثر ما يدهشني في كتابة إدريس أمغار مسناوي أنه ينجح، في كثير من الأحيان، في أن يجعل الفكرة تُرى قبل أن تُفهم. فأنت لا تواجه مفهوماً فلسفياً جافاً، وإنما صورة تتحرك أمامك، وما إن تمضي معها قليلاً حتى تكتشف أنها كانت تحمل، منذ البداية، طبقات متعددة من التفكير.

ولعل هذا ما يفسر إحساسي بأن القراءة هنا تشبه الرحلة أكثر مما تشبه التلقي. ففي الدواوين التقليدية يستطيع القارئ أن يفتح الكتاب من أي صفحة، ويقرأ نصاً مستقلاً، ثم يغلقه وهو يشعر أنه أنجز قراءة كاملة. أما هنا فلا تكتمل الإضاءة إلا حين تُقرأ النصوص داخل النسيج العام للمشروع. فكل نص يترك أثراً في النص الذي يليه، وكل كتاب يعيد إضاءة ما سبقه، حتى يصبح العمل كله أشبه بفسيفساء كبيرة، قد تبدو قطعها منفصلة للوهلة الأولى، لكن صورتها لا تظهر إلا بعد أن تكتمل أمام العين.

ومن هنا بدأت أفهم أن إدريس أمغار مسناوي لا يكتب بمنطق الكتاب، وإنما بمنطق البناء. والفرق بينهما جوهري. فالكتاب يمكن أن ينتهي عند الصفحة الأخيرة، أما البناء فلا يعرف النهاية. كل حجر فيه يهيئ لحجر آخر، وكل نافذة تفتح على نافذة أخرى، حتى يصبح القارئ شريكاً في عملية التشييد، لا مجرد زائر يمر بين الجدران.

ولعل هذا ما يفسر شعوري المتكرر بأنني، كلما انتهيت من أحد كتبه، لا أغادره فعلاً، بل أحمله معي إلى الكتاب التالي، وهناك يبدأ الكتاب الجديد في إعادة قراءة سابقه. وقليلون هم الكتّاب الذين يمنحون قارئهم هذا النوع من الخبرة؛ أن يتحول الزمن نفسه إلى أداة من أدوات القراءة، وأن تصبح العودة فضيلة لا تقل أهمية عن الاكتشاف الأول.

وهنا أصل إلى ما أراه قلب المشروع كله. لم يعد يهمني أن أسأل: هل نجح الشاعر في كتابة نص جميل؟ فهذا سؤال مشروع، لكنه لم يعد السؤال الأهم. الذي يشغلني هو: هل استطاع أن يضيف إلى صورة الإنسان شيئاً لم أكن أراه قبل القراءة؟ وأعترف أنني خرجت من هذه التجربة وأنا أرى الإنسان أكثر اتساعاً، وأشد اتصالاً بالوجود، وأعمق إحساساً بمسؤوليته تجاه الحياة. وهذه، في تقديري، ليست ثمرة نص ناجح فحسب، بل ثمرة مشروع ظل سنوات يعمل بصبر على توسيع أفق قارئه، قبل أن يدعوه إلى توسيع أفق العالم من حوله.

كنت، كلما أغلقت أحد كتب إدريس أمغار مسناوي، أشعر أنني خرجت منه أقل يقيناً وأكثر معرفة. وقد يبدو هذا تناقضاً، لكنه أحد أسرار المشروع. فالمعرفة التي يقدمها ليست من النوع الذي يضيف إلى القارئ معلومة جديدة، وإنما من النوع الذي يحرره من وهم المعرفة المكتملة. إنه لا يملأ الفراغات، وإنما يوسعها، ولا يغلق الأسئلة، وإنما يجعلها أكثر خصوبة. ولهذا يغادر القارئ النص وهو يشعر أن العالم صار أرحب، وأن الإنسان أكبر مما كان يظن، وأن الحقيقة ليست جداراً نصل إليه، وإنما طريق لا يتوقف.

ولعل هذا هو السبب الذي جعلني أبتعد تدريجياً عن التصنيفات التي حاولت أن أضعه داخلها. فالمتصوف يبحث، في النهاية، عن المطلق، والفيلسوف يبحث عن الحقيقة، والعالم يبحث عن القانون. أما إدريس أمغار مسناوي، فيبدو لي أنه يبحث عن الإنسان القادر على أن يسكن هذه العوالم كلها من غير أن يصبح أسيراً لواحد منها. إنه لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن العقل من أجل الروح، ولا عن الروح من أجل العلم، ولا أن يهجر تراثه ليصبح ابن المستقبل. ما يريده هو أن تتصالح هذه العناصر داخل كائن واحد، من غير أن تلغي إحداها الأخرى.

ولهذا تبدو فكرة التكامل، في رأيي، أكثر حضوراً من فكرة الصراع. فالمشروع لا يقوم على هدم العالم القديم لإقامة عالم جديد، ولا على إعلان القطيعة مع الموروث، ولا على تمجيد الحداثة لذاتها. إنه يبحث عن نقطة يستطيع الإنسان عندها أن يحمل ذاكرته بيد، وأن يمد يده الأخرى إلى المستقبل. وربما لهذا لم يختر عنواناً مثل “نصل إلى اللانهاية” أو “نبلغ اللانهاية”، وإنما قال: “نمدوا يدينا للانهائي”. فالفعل هنا لا يدل على الامتلاك، وإنما على توق دائم، وإرادة اقتراب، واعتراف ضمني بأن الإنسان يزداد إنسانية كلما أدرك أن ما ينتظره أكبر مما وصل إليه.

وتوقفت طويلاً عند هذه الصيغة. فاليد ليست أداة معرفة فحسب، وإنما أداة تواصل أيضاً. إنها تصافح، وتبني، وتزرع، وتحمل، وتمنح. وعندما تصبح اليد هي التي تمتد نحو اللانهائي، يغادر المشروع التأمل المجرد، ويتحول إلى مشروع أخلاقي وحضاري. فاللانهاية هنا ليست فكرة ذهنية بعيدة، وإنما أفق للعمل الإنساني. وكأن الشاعر يقول لنا إن اتساع الكون لا قيمة له ما لم ينعكس في اتساع الإنسان نفسه.

ومن هنا بدأت أقرأ كلمة الإنسان بطريقة مختلفة. لم تعد تعني الفرد المعزول، ولا الجماعة، ولا النوع البيولوجي، وإنما الكائن الذي ما يزال في طور الخلق. وربما لهذا تتكرر في المشروع صور الولادة، والبذرة، والرحم، والنمو، والتحول. فهي لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، وإنما تنتمي إلى رؤية ترى الإنسان إمكانية مفتوحة، لا نتيجة نهائية.

وهذه الفكرة، في تقديري، هي التي تمنح المشروع بعده الكوني الحقيقي. فكثير من الكتابات تتحدث عن الكون إعجاباً باتساعه، أما هنا فإن الحديث عنه يأتي لأن الإنسان نفسه لم يعد يُفهم خارج هذا الاتساع. لم يعد من الممكن أن نعرف من نحن إذا بقينا ننظر إلى أنفسنا داخل حدود القبيلة، أو الأمة، أو اللغة، أو الجغرافيا وحدها. فالإنسان، كما يراه إدريس أمغار مسناوي، يحمل في داخله تاريخ الأرض، ويحمل معه مسؤولية المستقبل. إنه وريث ملايين السنين، وفي الوقت نفسه مؤتمن على ما سيأتي بعدها.

وهنا شعرت أن المشروع يقترب، من حيث لا يقصد، من سؤال الحضارة نفسه. لا الحضارة بوصفها عمراناً أو تقدماً تقنياً، وإنما بوصفها ارتقاءً في صورة الإنسان. فما قيمة الاكتشافات العلمية إذا بقي الإنسان عاجزاً عن اكتشاف إنسانيته؟ وما قيمة المعرفة إذا لم تتحول إلى حكمة؟ وما قيمة اتساع الكون إذا ظل القلب ضيقاً، والوعي خائفاً، والخيال أسيراً لما اعتاده؟

ولذلك أظن أن أجمل ما يفعله هذا المشروع أنه يعيد إلينا الثقة بإمكان الإنسان، في زمن أصبحت فيه الكتابة تميل، في كثير من الأحيان، إلى الاحتفاء بالخراب أكثر من الاحتفاء بالإمكان. صحيح أن إدريس لا يغض الطرف عن الألم، ولا ينكر هشاشة العالم، لكنه لا يجعل الخراب نهاية الحكاية. إنه يتعامل معه كما يتعامل الفلاح مع الأرض القاسية؛ يعرف صعوبتها، ولا يتوقف عن غرس البذور فيها. ولهذا تظل نصوصه، مهما اشتدت أسئلتها، مشدودة إلى أفق من الرجاء، لا إلى تفاؤل ساذج، وإنما إلى إيمان عميق بأن الإنسان قادر على أن يصبح أفضل مما هو عليه.

كل مشروع كبير يخلق لغته الخاصة، لا لأن مفرداته جديدة، وإنما لأن العلاقات التي يقيمها بين الكلمات لم تكن موجودة قبل ظهوره. ومن هنا بدأت ألاحظ أن إدريس أمغار مسناوي لا يعيد تعريف المفاهيم بقدر ما يعيد ترتيبها داخل شبكة جديدة من المعاني. فالكلمة عنده لا تعيش وحدها، وإنما تستدعي كلمة أخرى، وهذه تفتح باباً لثالثة، حتى يصبح النص أشبه بكائن حي؛ إذا تحرك عضو فيه ارتجف الجسد كله.

ولهذا لا أظن أن قراءة مفردة واحدة، معزولة عن أخواتها، يمكن أن تكشف وظيفتها الحقيقية. فالرحم لا يُفهم إلا إذا وُضع إلى جوار الجسد، والجسد لا يكتمل إلا إذا تحرك نحو الجميل، والجميل لا ينتهي عند الذائقة، وإنما يمتد إلى الوعي، والوعي لا يقف عند الإنسان الفرد، وإنما ينفتح على الكون، ثم يعود منه ليعيد اكتشاف الإنسان من جديد. إنها دائرة لا تعرف نقطة بداية حاسمة، لأن كل نقطة فيها تصلح أن تكون بداية أخرى.

وهنا تذكرت أمراً ظل يشغلني طويلاً: لماذا تبدو بعض النصوص، في القراءة الأولى، أكبر من قدرتنا على الإحاطة بها؟ ليس لأنها غامضة بالمعنى التقليدي، وإنما لأنها لا تسمح للقارئ أن يدخلها بالمفتاح الذي اعتاد استعماله. نحن تعودنا أن نسأل النص: ماذا يريد أن يقول؟ أما هذا المشروع فيدفعنا إلى سؤال آخر: كيف يفكر هذا النص؟ والفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يبحث عن المعنى، والثاني يبحث عن الطريقة التي وُلد بها المعنى.

ومن هذه الزاوية بدأت أشعر أن المشروع كله يقوم على نوع من التفكير الشعري. ولا أقصد بذلك التفكير الذي يستخدم الصور والاستعارات، فهذا موجود في الشعر كله، وإنما أقصد طريقة في بناء المعرفة نفسها. فالعالم لا يُشرح هنا بمنطق البرهان وحده، ولا بمنطق الحدس وحده، وإنما داخل منطقة تلتقي فيها المعرفة والخيال، والعقل والحدس، والتجربة والرؤية. وهذه المنطقة هي التي تمنح النصوص قدرتها على أن تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه.

ولذلك لا أستغرب أن يخرج قارئ من كتب إدريس وهو يشعر أنه قرأ شعراً، فيما يخرج آخر مقتنعاً أنه قرأ تأملات فلسفية، ويغادرها ثالث وهو يتحدث عن نزعة روحية، ورابع يراها مشروعاً معرفياً. ولا أرى في هذا الاختلاف دليلاً على غموض المشروع، وإنما على سعته. فالنهر الكبير تنعكس في مياهه مناظر كثيرة من غير أن يفقد وحدته.

وهذه السعة هي التي تجعلني أرفض استعجال الأحكام. فمن السهل أن نقول: هذا شاعر صوفي، أو كوني، أو علمي، أو رؤيوي. غير أن كل صفة من هذه الصفات، على الرغم من أنها تلامس جانباً من الحقيقة، تترك جانباً آخر خارج الصورة. ولذلك كلما حاولت أن أطلق على المشروع اسماً نهائياً، شعرت أنه يفلت مني بهدوء، لا لأنه يرفض التعريف، وإنما لأنه أوسع من تعريف واحد.

وربما هنا تكمن إحدى علامات المشاريع الحية؛ فهي لا تسمح لنا بأن نضعها داخل إطار جاهز، وإنما تضطرنا إلى إعادة النظر في الإطار نفسه. إنها لا تطلب قارئاً يحفظ المصطلحات، وإنما قارئاً مستعداً لأن يغيّر أدواته أثناء القراءة. وأحسب أن هذا هو السبب الذي جعلني أشعر، منذ الصفحات الأولى، أنني لا أتعلم من إدريس أمغار مسناوي طريقة جديدة في كتابة الشعر فحسب، وإنما طريقة أخرى في النظر إلى الإنسان والمعرفة والمستقبل.

وأنا أقرأ “نمدوا يدينا للانهائي”، أدركت أن إدريس أمغار مسناوي لا يكتب النص بالطريقة التي اعتدناها. فهو لا يبدأ بصورة ثم ينسج حولها المعنى، ولا ينطلق من فكرة ثم يبحث لها عن استعارة. أشعر أن الكتابة عنده تبدأ من اهتزاز داخلي في الوعي، ثم تبحث عن اللغة القادرة على احتوائه. ولهذا تبدو بعض صوره غير متوقعة؛ لأنها لم تُخلق لتدهش القارئ، وإنما جاءت بوصفها الشكل الوحيد الممكن لتلك الرؤية. فالصورة هنا ضرورة، ولو استُبدلت بأخرى أجمل منها، لفقد النص جزءاً من صدقه.

ولذلك كثيراً ما أحسست أنني لا أقرأ استعارات، وإنما أقرأ انتقالات في الوعي. ينتقل النص من الطين إلى المجرة، ومن الخلية إلى الإنسان، ومن البذرة إلى اللانهائي، من غير أن يشعر القارئ بأنه غادر المكان الأول. والمسافة التي تبدو بعيدة في الجغرافيا الفكرية يختصرها النص في لحظة شعورية واحدة، حتى يشعر القارئ، بعد الفراغ منه، أنه عبر مسافات هائلة من غير أن يحس بخطواته.

ولعل أجمل ما في هذه الكتابة أنها لا تتعامل مع اللغة بوصفها أداة للوصف، وإنما بوصفها كائناً يتطور مع تطور الرؤية. فكلما اتسعت الفكرة اتسعت اللغة معها، وكلما اقترب الشاعر من منطقة يصعب القبض عليها، بدأت الكلمات تتخفف من معناها المعجمي، وتصبح أقرب إلى الإشارات. وليس في ذلك غموض متعمد، وإنما اعتراف ضمني بأن اللغة، مهما اتسعت، ستظل أصغر قليلاً من الوجود. لذلك لا يحاول إخضاع الكون للكلمات، وإنما يسمح للكلمات أن تعترف بعجزها ثم تواصل السير. وأحسب أن في هذا الاعتراف قوة تفوق كل ادعاء بالقدرة على الإحاطة.

ومن هنا فهمت سراً آخر في هذا المشروع. إن إدريس أمغار مسناوي لا يكتب لكي يقنع القارئ، وإنما لكي يوسّع أفق إدراكه. فالإقناع يحتاج إلى حجج، أما توسيع الإدراك فيحتاج إلى رؤية. وقد يختلف قارئ مع بعض أفكاره، وقد يتوقف أمام بعض صوره متردداً، لكنه نادراً ما يغادر النص بالشخص نفسه الذي دخله. وهذا، في رأيي، هو المعيار الحقيقي للأعمال الكبيرة؛ فهي لا تكتفي بأن تجعلنا نصفق لها، وإنما تدفعنا إلى إعادة النظر في أنفسنا بعد قراءتها.

وأظن أن الشاعر يدرك، في أعماقه، أن الإنسان لا يتغير بالمعلومات وحدها، وإنما بتغيير الصورة التي يحملها عن نفسه. لذلك لا يقول للقارئ: أنت كائن صغير في كون شاسع، ولا يقول له: أنت مركز الكون. إنه يقترح عليه صورة ثالثة؛ أن يكون جزءاً من هذا الاتساع، ومسؤولاً عنه في الوقت نفسه. إنها معادلة دقيقة تجمع بين التواضع والكرامة، وبين إدراك حجم الإنسان في الكون وإدراك قيمته في صناعة المعنى. وربما لهذا لا أشعر، وأنا أقرأه، أنني أقف أمام شاعر يحتفي بالكون، وإنما أمام شاعر يعيد إلى الإنسان ثقته بأنه، على هشاشته، ما يزال قادراً على أن يمد يديه إلى ما لا نهاية له.

بعد هذه الرحلة الطويلة، لم يعد السؤال الذي رافقني منذ الصفحة الأولى هو: ماذا يريد إدريس أمغار مسناوي أن يقول؟ فقد تجاوزت النصوص هذه المرحلة منذ زمن. والسؤال الذي بقي يتردد في داخلي هو: ماذا يريد لهذه الكتابة أن تفعل بنا؟ فما من نص خرجت منه وأنا أحمل فكرة جديدة فحسب، وإنما خرجت وأنا أعيد ترتيب صورة الإنسان في ذهني. وكأن المشروع كله لا يسعى إلى إضافة معرفة أخرى إلى معارفنا، وإنما إلى تغيير الموقع الذي ننظر منه إلى أنفسنا وإلى العالم.

ولعل هذه هي النقطة التي يصبح عندها الأدب أكثر من جمال لغوي، وأكثر من متعة جمالية، وأكثر من براعة في بناء الصورة. إنه يتحول إلى فعل وجودي، لا يطالب الإنسان بأن يغيّر أفكاره وحدها، وإنما بأن يعيد النظر في علاقته بالأرض التي يقف عليها، وبالسماء التي يتطلع إليها، وبالآخر الذي يجاوره، وبالزمن الذي يعبره. هنا لا يعود النص موضوعاً للقراءة، وإنما يصبح تجربة يُعاد من خلالها تشكيل القارئ نفسه، وكأن القراءة لم تعد عبوراً في الكلمات، وإنما عبوراً في الذات.

ومن هنا أفهم إصرار إدريس أمغار مسناوي على إبقاء مشروعه مفتوحاً على اللانهائي. فاللانهائي عنده ليس مكاناً نصل إليه، ولا حقيقة نمتلكها، ولا نهاية سعيدة للمعرفة. إنه أفق يحمي الإنسان من الاكتمال الزائف. فما إن يظن أنه بلغ النهاية حتى ينطفئ فيه السؤال، وإذا انطفأ السؤال توقفت الحياة عن النمو. لذلك تبدو النصوص، مهما بلغت من الاتساع، وكأنها تقول للقارئ في نهايتها: ما زالت الرحلة تبدأ من هنا.

وهذه، في تقديري، واحدة من أعمق القيم الإنسانية في المشروع. فهو لا يمنح القارئ يقيناً جديداً، وإنما يمنحه شجاعة العيش داخل الأسئلة. ولا يقدم له أجوبة جاهزة، وإنما يعلّمه أن السؤال نفسه قد يكون صورة من صور المعرفة، وأن التردد أمام اتساع الكون ليس ضعفاً، وإنما بداية حكمة. لذلك لا أشعر أن هذه النصوص تدعونا إلى الإيمان برؤية بعينها، بقدر ما تدعونا إلى أن نبقى قادرين على الرؤية.

وربما لهذا لا تبدو اللانهائية عند إدريس انفصالاً عن الأرض، وإنما عودة أعمق إليها. فكلما ارتفعت الكتابة في آفاقها، ازداد حضور الطين والماء والجسد والذاكرة واليد والخبز والشجرة والإنسان البسيط. وكأن العروج الحقيقي لا يبتعد عن الجذور، وإنما يكشف عمقها. فالسماء التي لا تقود إلى الأرض ليست سماءه، والكون الذي لا يزيد الإنسان إنسانية لا يستحق أن يُكتب.

لهذا كله أجدني، بعد هذه الصحبة الطويلة مع نصوص إدريس أمغار مسناوي، أقل رغبة في تصنيفها، وأكثر رغبة في الإصغاء إليها. فالأعمال الكبيرة لا تطلب منا أن نمنحها اسماً جديداً، وإنما تطلب أن نمنح أنفسنا قدرة جديدة على الإصغاء. وربما كان هذا هو الإنجاز الأعمق لهذا المشروع؛ أنه لا يوسّع حدود الكتابة وحدها، وإنما يوسّع حدود القارئ أيضاً، حتى يغدو أكثر استعداداً لأن يرى الإنسان والعالم واللغة إمكانات مفتوحة لا تكف عن التكوّن.

وحين أغلقت الكتاب، لم أشعر أنني أنهيت قراءة نصوص، وإنما شعرت أنني خرجت من صحبة تجربة إنسانية نادرة. فالمشروعات الكبيرة لا تُقاس بعدد الكتب التي أنجزها أصحابها، ولا بغزارة ما كتبوا، وإنما بقدرتها على أن تترك في قارئها إنساناً غير الذي دخل إليها. وهذا، في ظني، ما حققه إدريس أمغار مسناوي بهدوء، بعيداً عن الضجيج، وعن الرغبة في إثبات التفوق أو احتلال موقع داخل المشهد الثقافي. لقد انشغل بما هو أبقى من ذلك كله؛ انشغل بالسؤال عن الإنسان وهو يعبر هذا الكون، محاولاً أن يكون أكثر رحمة، وأكثر وعياً، وأقدر على الإصغاء إلى ما لا يُسمع.

ولعل أكثر ما يلفتني في هذا المشروع أنه لا يطلب من قارئه أن يوافقه، ولا أن يسير خلفه، ولا أن يتبنى رؤيته. إنه يطلب شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في آن واحد: أن يجرؤ على إعادة النظر فيما يظنه مكتملاً. فكل يقين يتحول في هذه النصوص إلى بداية سؤال، وكل نهاية تفتح طريقاً جديداً، وكل معرفة تصبح مدعوة إلى أن تختبر نفسها مرة أخرى أمام اتساع الوجود. ولهذا لم أشعر، وأنا أنتقل بين كتبه، أنني أقرأ أعمالاً متجاورة، وإنما كنت أتابع رحلة واحدة تتغير محطاتها، ويبقى مقصدها البحث عن إنسان لا يكف عن النمو.

وليس من المصادفة أن تبلغ هذه الرحلة عنواناً مثل “نمدوا يدينا للانهائي”. فاليد هنا لا تمتد لتقبض، وإنما لتصافح، ولتمنح، ولتتعلم، ولتعترف بأن ما ينتظر الإنسان أكبر مما امتلكه حتى الآن. واللانهائي ليس وعداً بالوصول، وإنما وعد باستمرار السير. لذلك لا أقرأ هذا العنوان بوصفه خاتمة مشروع، وإنما بوصفه أكثر لحظاته انفتاحاً، وكأن الكاتب، بعد كل ما كتب، ما يزال واقفاً على العتبة الأولى، يحدق في أفق لم يتوقف عن الاتساع.

لهذا لا أستطيع أن أغادر هذه القراءة عائداً إلى التصنيفات التي بدأت منها. فلا يعنيني كثيراً أن أقول إن إدريس أمغار مسناوي شاعر، أو مفكر، أو صاحب رؤية كونية، أو صاحب مشروع أنثروبولوجي؛ فهذه الأوصاف، على أهميتها، تظل أضيق من التجربة نفسها. ما يعنيني أنني التقيت كتابة اختارت الإنسان نقطة بدايتها، وجعلت من اللغة وسيلتها إلى اكتشافه من جديد، ومنحت الخيال مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية عن مسؤوليته الجمالية.

وربما لهذا لا أشعر أن هذه القراءة أغلقت باباً، وإنما فتحت باباً آخر. فما تزال في هذه النصوص مساحات تنتظر من يقترب منها، وأسئلة تستحق أن تُقرأ من زوايا جديدة، لأنها من ذلك النوع من الكتابة الذي لا يمنح قارئه معناه دفعة واحدة، وإنما يزداد اتساعاً كلما عاد إليه.

أما أنا، فأغادر هذه التجربة وأنا أشعر أن اليد التي مدها إدريس أمغار مسناوي نحو اللانهائي لم تكن ممدودة إلى المجهول وحده، وإنما كانت ممدودة إلى الإنسان أيضاً؛ إلى ذلك الكائن الذي ما يزال، رغم كل ما عرفه، قادراً على أن يتعلم، وأن يندهش، وأن يبدأ من جديد.

ولعل هذا هو الإرث الأجمل الذي يمكن أن تتركه الكتابة خلفها؛ ألا تقنعنا بأن الطريق انتهى، وإنما أن تجعلنا نخطو خطوتنا التالية بوعي أعمق، وبقلب أكثر اتساعاً، وبإيمان لا بالوصول، وإنما بجدوى المسير. فهناك، عند الأفق الذي لا يُغلق، وحيث تظل اليد ممدودة إلى اللانهائي، يبدأ الإنسان، في كل مرة، ولادة أخرى.

 

شاعر وكاتب سوري يقيم في ألمانيا

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً