highlight color=”gray”]اهتــــزازات[/highlight]
طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ – مغارة هرقل قصيدة مفتوحة على البحر (الجزء الرابع)

الحسَن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(يـا هـرقـلَ الأسطورة
التي امتدت في التاريخِ
هل لك أن تنبعث الآن من
عـمـقِ الـمـغـارةِ سـرًّا أوْ نـورا أشـرقـا
عساني نعرف الحقيقة
خل ما زلت بالأرض مُـتـعـلِّـقـا
تـحـتَ الـظـلالِ
رويـتَ لـلصـخـرِ الـهـوى
فـانـصـاعَ مـوجُ الـبـحرِ حـتـى اسـتـنـطَـقـا)
تنزل نحو مغارة هرقل وكأنك تهبط إلى جوف الحلم. هنا، الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاء بالصوت الخفي. تتحول الجدران الصخرية المنقوشة بفعل الزمان إلى أسطر من ديوان شعري قديم شارك فيه عدة أياد مبدعة عبر أزمنة متعددة، لكن تبقى أيادي الموجات المبدعة الأولى، على صوت هدير البحر. وحين تقف أمام تلك النافذة الأفريقية الشهيرة، تدرك أن الطبيعة هي الشاعر الأكبر؛ فقد نحتت القارة في قلب الحجر لتخبرنا أننا، رغم شتاتنا، ننتمي إلى رحم واحد، إلى هذه الأرض التي خلقها الله كي نستمع بها عمرا يسابق الزمان، وتكتبنا القصائد عراة من شهواتنا المتجددة في اكتشاف ما هو مخفي ومستور.
في عتمة المغارة، يكتسب الضوء القادم من البحر قدسية خاصة. إنه ليس ضوءاً عادياً، بل هو إلهام يخترق العزلة، تماماً كما تخترق القافية صمت الشاعر. تلمس الصخر المبلل، فتشعر بنبض هرقل وأنفاس التائهين الذين وجدوا في هذا الكهف ملاذاً من عواصف الحياة.
(حيث يلتقي غضب موجات الأطلسي
بصمت المتوسط المحيط بالجمالِ،
تسقط الاستعارات بين يدي
على أعتاب تاريخ البشرْ،
تقف العروس طنجة
حارسة للقصائد وللأساطير وضوء القمرْ.
هنا، في أقصى نقطة من الشمال
تفتح لي مغارة هرقل باباً في جدار الزمن
تدعوني لقراءة قصة كتبت
بماء البحر ونبض الصخر والمنتظر
هنا أعانق المدى
وأسبح بين الكلمات لا وحيدا
والجنبُ يروض اللحظة في سكون منهمرْ)
تبدأ الحكاية من رأس سبارتيل، حيث تقف المنارة كشاهد عيان على غرام أزلي. هنا، لا تلتقي المياه فحسب، بل تصطدم هدوء الحكمة المتوسطية بعنفوان الأطلسي الثائر. في هذه اللحظة، يصبح التأمل واجباً مقدساً. تجلس في المقهى المطل على الأفق، تمسك بفنجان قهوتك، وبينما يرتفع بخارها الدافئ ليعانق رذاذ الملح، تبدأ أولى أبيات القصيدة في ذهنك.
القهوة هنا ليست مجرد مذاق، بل هي نقطة ارتكاز؛ سوادها يكسر حدة الزرقة اللامتناهية أمامك. كل رشفة هي فاصلة في جملة طويلة يكتبها الموج على الرمال، وكل نظرة للأفق هي استعارة مكنية لخلود لا تدركه الأبصار.
تنزل نحو مغارة هرقل وكأنك تهبط إلى جوف الحلم. هنا، الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاء بالصوت الخفي. تتحول الجدران الصخرية المنقوشة بفعل الزمان إلى أسطر من ديوان شعري قديم. وحين تقف أمام تلك النافذة الأفريقية الشهيرة، تدرك أن الطبيعة هي الشاعر الأكبر؛ فقد نحتت القارة في قلب الحجر لتخبرنا أننا، رغم شتاتنا، ننتمي إلى رحم واحد.
تعود لتجلس مجدداً أمام البحر، فنجانك الآن في منتصفه، والقصيدة نضجت على نار الهوى الطنجاوي. التأمل في البحر ليس رؤية بل رؤى، بل هو استماع لقصص السفن التي عبرت، والمدن الغارقة، والرسائل التي لم تصل.
على يمينك الأطلسي يزمجر كخيل جامحة، يذكرك بقوة البدايات.
على يسارك المتوسط يهمس بليونة، يذكرك بسلام النهايات.
بين يديك: قهوة سمراء مُرّة، توازن حلاوة المشهد وتُبقيك مستيقظاً داخل الحلم.
البحر أمام سبارتيل لا يغدر، بل يعلمك التخلي. يغسل عن روحك ضجيج المدن، ويتركك وحيداً مع ذاتك، لتكتب بيتاً شعرياً واحداً يختصر كل هذا المدى: أنا والبحر وفنجان القهوة، والجنب جنبي متأملا في الموجاتِ تكتب قصيدة الانبعاثِ.. هو ثالوثٌ في خيالي لا ينكسر.
(بِـسْـبَارتِـلَ يبتدئُ المدى امتدادا
بَحـرانِ في عِـنـقِ الـزمـانِ تـعـانَـقـا
قَـد جِـئتُ
والـفـنـجـانُ يَـرقُـبُ لوعَـتي
والشـوقُ في أفقِ الـغـروبِ تَـمـزَّقـا
أرتـشـفُ قـهـوتَـنـا ..
فـيـصـحو خـاطري
وعلى ضـفـافِ الـبـوحِ نـبـضـيَ أنطقـا)
ومع اقتراب الشمس من حافة الماء، يبدأ الوداع الشعري. تتحول القهوة إلى برودة لذيذة، وتتحول القصيدة إلى تنهيدة. تغيب الشمس في سبارتيل لتشرق في روحك، وتغادر المغارة وأنت تحمل في داخلك صدى الموج وعطر التاريخ، مؤمناً بأن طنجة ليست مكاناً على الخريطة، بل هي القصيدة التي لم تكتمل بعد.
كلما ارتشفنا القهوة أمام سبارتيل، سقطت من أعمارنا لحظة ضياع، ونبتت في قلوبنا أسطورة لا تنتهي في كتابة التاريخ، لكن في طنجة، أرددها دوما، لا تشرب القهوة لكي تستيقظ من نوم، بل تشربها لكي تحلم وأنت بكامل وعيك، كي ترى ما لم ترى.
(حيث يلتقي غضب موجات الأطلسي
بصمت المتوسط المحيط بالجمالِ،
تسقط الاستعارات بين يدي
على أعتاب تاريخ البشرْ،
تقف العروس طنجة
حارسة للقصائد وللأساطير وضوء القمرْ.
هنا، في أقصى نقطة من الشمال
تفتح لي مغارة هرقل باباً في جدار الزمن
تدعوني لقراءة قصة كتبت
بماء البحر ونبض الصخر والمنتظر
هنا أعانق المدى
وأسبح بين الكلمات لا وحيدا
والجنبُ يروض اللحظة في سكون منهمرْ)
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي