الرئيسية / الأعداد / البنية الإيقاعية في قصيدة “مرقسيات النفط اليماني” للشاعر عبدالله البردوني – محمد ناصر السعيدي

البنية الإيقاعية في قصيدة “مرقسيات النفط اليماني” للشاعر عبدالله البردوني – محمد ناصر السعيدي

  البنية الإيقاعية في قصيدة “مرقسيات النفط اليماني” للشاعر عبدالله البردوني

محمد ناصر السعيدي*

 

مقدمة

كتب الشاعر عبدالله البردوني قصيدته “مرقسيات النفط اليماني” في فبراير من العام 1992م، ونشرت ضمن ديوانه “رجعة الحكيم بن زايد”، والقصيدة تتكون من أربعة وثمانين بيتًا.

أولاً: الإيقاع الخارجي

1-بحر القصیدة :

يعرف البحر بأنه الوزن الذي تبنى عليه القصيدة، وينتج من تساوى عدد التفعيلات في الأبيات الشعرية والأشطر التي تكونها، فهناك البحور المكونة من أربع تفعيلات في صدر البيت وأربع تفعيلات في عجزه، وهناك المكونة من ثلاث تفعيلات وتفعيلتين في كل شطر، ويكتسب البحر أهمية كبيرة في تشكيل الإيقاع الخارجي؛ كونه قالبًا منظمًا يتضمن سائر الإيقاعات الأخرى.

ومن خلال تحليل قصيدة البردوني “مرقسيات النفط اليماني” وتقطيعها عروضيًا، وجدنا أن الشاعر بنى قصيدته على بحر المتقارب التام ذي التفعيلة الواحدة (فعولن)، وهو من البحور الصافية، وينتمي إلى الدائرة الخامسة (دائرة المتفق)، وسمي بالمتقارب لتقارب أجزائه؛ لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضًا، والبحر المتقارب يتكون من تكرار تفعيلة ) فعولن(  أربع مرات في صدر البيت وكذلك في عجزه، ومفتاحه:

عن المتقارب قال الخليلُ     *  فعولن فعولن فعولن فعولُ

//0/0  //0/0  //0/0  //0/0  *  //0/0  //0/0  //0/0  //0/

وقد جاءت قصيدة البرودني ضربها مقصور: (فعول //00) إذ يجتمع في القافية ساكنان لا يفصل بينهما متحرك، إذ يقول في مطلع القصيدة:

يقال : قبيل ختان (الإمامْ) /   رأوك عياناً، ورؤيا منامْ

//0/ //0/ //0/0 //00      //0/  //0/0 //0/0 //00

فعولُ فعولُ فعولن فعولْ  / فعولُ فعولن فعولن فعولْ

وتتوالى الأبيات جميعها على غرار المطلع مقصورة الضرب، مثل:

وقال الألى: سمعوا شاهدوك  / بـ (نيعان) ليلاً، ضحىً في (شبام)

//0/  //0/ //0/ //0/     //0/  //0/0  //0/0 //00

فعولن فعولُ فعولن فعولُ / فعولن فعولن فعولن فعولْ

وأما عروض الأبيات فأحياناً تأتي تامة صحيحة (فعولن)، وأحيانًا تامة صحيحة محذوفة اللام والنون (فعو)، وأحيانًا صحيحة مقبوضة (فعولُ)، فأما العروض المقصورة (فعول) فلم ترد إلا مرة واحدة في البيت الأول؛ وذلك للتصريع تمهيدًا للقافية.

وأما العروض التامة الصحيحة (فعولن)، فقد تضمنها عشرة أبيات، مثل قوله:

له من قروح (امرىء القيس) ثوبٌ / وكوفية من غيوم (الشآم)

//0/0 //0/0 //0/0 //0/0    //0/ //0/0 //0/0 //00

فعولن فعولن فعولن فعولن / فعول فعولن فعولن فعولْ

وأما العروض التامة الصحيحة محذوفة اللام والنون (فعو) والحذف غير لازم، فعدد الأبيات التي تضمنتها سبعة وأربعون بيتًا، ومثالها البيت التالي:

وقيل: أضأتٙ الدجى فاهتدى / إلى حصن (كحلان) من في (عرام)

//0/ //0/0 //0/0 //0      //0/0 //0/0 //0/0 //00

فعول فعولن فعولن فعو / فعولن فعولن فعولن فعولْ

وأما العروض التامة الصحيحة المقبوضة (فعولُ)، فعدد الأبيات التي تضمنتها ستة وعشرون بيتًا، ومثالها البيت التالي:

وكان عليك اصفرار النضار / بياض الصلاة، اسوداد الغمام

//0/ //0/0 //0/0 //0/      //0/0 //0/ //0/0 //00

فعول فعولن فعولن فعولُ / فعولن فعولُ فعولن فعولْ


-2
القافیة:

تعرف القافية بأنها آخر ساكنين في البيت مع المتحرك الذي قبلهما، فهي عبارة عن جرس موسیقى یتكون من حركات وسكنات تسهم في ضبط نظام القصیدة، ولها أهمية كبيرة في تشكيل الإيقاع الخارجي للقصيدة.

في قصيدة “مرقسيات النفط اليماني” جاءت القافية مقيدة (ساكنة الآخر)، كما أنها قافية مترادفة (لا يفصل بين ساكنيها متحرك) ويرمز إليها بـ (/00).

-3إیقاع الروي:

    يعد حرف الروي من أهم حروف القافية، وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، ويشكل عنصرًا من عناصر الإيقاع ووحدة القافية.

في قصيدة البردوني حرف الروي هو حرف الميم الساكن (الإمام، منام، شبام، حذام، عرام، اقتحام، الغمام، الفطام، …..الخ)، وحرف الميم من الحروف التي يألفها سمع المتلقي، والتي لها مساحة كبيرة بين مفردات المعجم.

-4المتغيرات العروضیة (الزحافات والعلل):  

أ.الزحافات:

-القبض: وهو الزحاف الوحيد الذي يطرأ على البحر المتقارب، ويعني حذف الحرف الخامس الساكن من التفعيلة (فعولن) فتصير (فعولُ)، ومثاله:

وقيل: خيالات بؤس هوت / ورؤيا جراحٍ تريد التئام

//0/ //0/0 //0/0 //0      //0/0 //0/0 //0/0 //00

فعولُ فعولن فعولن فعو / فعولن فعولن فعولن فعولْ

فالتفعيلة الأولى من البيت مقبوضة حذف خامسها الساكن: وقيلَ = (فعولُ).

ب.العلل:

-القصر: وهو حذف الخامس الساكن وتسكين ما قبله (فعولن = فعولْ)، مثل:

يقال : قبيل ختان (الإمامْ) /   رأوك عياناً، ورؤيا منامْ

//0/ //0/ //0/0 //00      //0/ //0/0 //0/0 //00

فعولُ فعولُ فعولن فعولْ / فعولُ فعولن فعولن فعولْ

فنلاحظ أن العروض والضرب في البيت الأول مقصورتان، إمام = فعولْ، و منام =فعولْ.

الحذف: وهو إسقاط السبب الخفيف من آخر التفعيلة (فعولن = فعو) مثل العروض في البيت الآتي:

ويمتد كالجدول الملتوي /   إلى الخلف، وهو يؤم الأمام

//0/ //0/0 //0/0 //0      //0/0 //0/ //0/0 //00

فعول فعولن فعولن فعو / فعولن فعول فعولن فعولْ

ثانيًا: الإيقاع الداخلي

 -1التكرار:

     للتكرار ارتباط وثيق بالإيقاع بل هو أحد المكونات الأساسية لموسيقى الإيقاع الداخلي، والتكرار ظاهرة لغوية لها صلة بالمستوى الصوتي والمستوى الدلالي، فهو يكشف اهتمام الشاعر بدلالة ما تتجلى أهميتها بدرجة تكرار الحرف أو الكلمة أو الجملة الشعرية في النص.

 -تكرار الحرف:

   الإيقاع بنية سمعية يتجلى في العديد من الظواهر الصوتية التي ترتبط بالمستوى الدلالي، ولعل تكرار الحروف من أبرز هذه الظواهر الصوتية التي تشكل مفهوم الإيقاع الداخلي؛ فالحرف يعد أصغر وحدة صوتية في العمل الأدبي، وتكرار الصوت الواحد يحمل قيمة فنية وإبداعية تصور الانفعالات النفسية للشاعر وتبرز أفكاره، كما يوفر إمتاعًا موسيقيًا للمتلقي.

في قصيدة البردوني نجد أكثر الحروف هيمنة هي: (الميم، اللام، النون، الراء)، إذ تكرر حرف الميم (262) مرة، وتكرر حرف اللام (224) مرة، وتكرر حرف النون (220) مرة، وتكرر حرف الراء (129) مرة.

ولعل طغيان تكرار حرف الميم هيأ إلى تكرار الروي؛ وصولاً إلى تمكين القافية، وحرف الميم مجهور ومتوسط “صـوت شـفوي أنفـي مجهـور” ، یناسـب المعـاني الهادئـة، وموسیقاه خفیفة ناسبت أحاسیس الشاعر.

-تكرار حروف المد:

حروف المد (الألف، الواو، الياء ) أكثر الحروف تأثيرًا في الجانب الموسيقي؛ لما تحمه من أحاسيس الشاعر، وما تمنحه من تأثير على المتلقي.

وفي قصيدة البردوني تكررت حروف المد الثلاثة على النحو التالي: تكرر حرف الألف (375) مرة، وتكرر حرف الواو (179) مرة، بينما تكرر حرف الياء (212) مرة.

  -تكرار الكلمات:

   يساهم تكرار الكلمات في إثراء الإيقاع داخل القصيدة، وفي قصيدة البردوني نجد أكثر الكلمات تكررًا هي الأفعال الدالة على القول بما تحملة من دلالات الحوار وتوارد الأخبار، إذ تكررت الأفعال المبينة للمعلوم: 14 مرة (قال): 5 مرات، (قالت): مرتين، (يقول): مرة واحدة، (قلت): مرتين، (قلن): مرة واحدة، (يقلن): مرة واحدة، (قالوا): مرة واحدة، (قل) : مرة واحدة، بينما تكررت أفعال القول المبنية للمجهول: 10 مرات ( قيل): 9 مرات، و(يقال):  مرة واحدة.

ثم يأتي تكرار (امرئ القيس) والكلمات المشتقة منه:  6 مرات، إذ جاء في العنوان كلمة (مرقسيات)، بينما تكررت (امرؤ القيس): 3 مرات، وجاءت كلمة (المراقس) بصيغة الجمع: مرة واحدة للدلالة على نموذج امرئ القيس في كل زمان، وكلمة (تمرقست): مرة واحدة منحوتة من كلمتين هما امرؤ القيس للدلالة على التأثر والتحول إلى نموذج امرئ القيس الشاعر العربي الأكثر حضورًا في العصر الجاهلي.

2-الجناس:  

يعرف الجناس بأنه تشابه كلمتین في اللفظ واختلافهما في المعنى، ويعد الجناس من أهم مصادر الإيقاع الداخلي؛ لما یحتویه من التجانس الصوتي والتنوع الدلالي، وينقسم إلى قسمين هما الجناس التام والجناس الناقص غير التام.

    في القصيدة لم ينشغل البردوني بالتجنيس كنوع من الزخرفة والألاعيب اللفظية، وإنما أتى الجناس عفوًا في مواضع قليلة كإضافة إبداعية ، مثل قوله:

وقال الألى: شاهدوا ما رأوا / محياك، لكن رووا عن (حذام)

فالجناس في البيت بين الفعلين الماضيين (رأوا، رووا) من الرؤية والرواية، وهو جناس ناقص غير تام.
كما جاء جناس الاشتقاق بين الفعل (أبرقت)، والاسم (البريق)، في قوله:

أأبرقت من (قاع ذي ماجدٍ) / فدل البريق عليك الأوام

وكذلك يأتي جناس الاشتقاق بين الفعل (يقطقطن)، والاسم (القطا)، في قوله:

وألا يقطقطن مثل القطا / وأن يجتنبن احتكاك الزحام

وكذلك يأتي جناس الاشتقاق بين الفعل المزيد (استهامت)، والفعل المجرد (هام)، في قوله:

ولما أتته ابنة (الدودحي)   / حكى ما حكى، فاستهامت، وهام

وكذلك يأتي جناس الاشتقاق بين الفعل (يسكتن)، والاسم (السكوت)، في قوله:

يقلن ويسكتن، يندى السكوت / كلمع البكا من خلال ابتسام

وكذلك يأتي الجناس الناقص بين الفعل (نفت)، والاسم (نفط)، في قوله:

(تمارا) نفت أي نفطٍ، وهل / تجلت من البدء وجه التمام؟

كما ورد الجناس التام بين كلمتي (جام) في صدر البيت ويعني بها: وعاء من الفضة للطعام والشراب، و(جام) في عجز البيت ويقصد بها: الغضب الشديد، وذلك في قوله:

وبالأمس جام الأواعي هنا / هناك سقى الريح مليون جام

وورد الجناس غير التام بين كلمتي (المَدام) بفتح الميم الأولى بمعنى: المرأة، و(المُدام) بضم الميم الأولى بمعنى: الخمر، في قوله:

سمعت المَدام التي ترجمت /   وكنت أود احتضان المُدام

   ومن خلال الأبيات السابقة التي تتضمن الجناس بأقسامه المختلفة، نجد أن الشاعر وظف الجناس بوعي تام؛ لإجلاء المعاني وجذب المتلقي، محدثًا تمازجًا بين الجانبين الإيقاعي والدلالي.

خاتمة

أولى الشاعر عبدالله البردوني كل عناصر البنية الإيقاعية اهتمامًا بالغًا، فعلى مستوى البنية الخارجية للإيقاع تعامل الشاعر مع البحور الخليلية واختار بحر المتقارب، وبرزت القافية في القصيدة كدال من الدوال التي ساهمت في التشكيل الدلالي، وأما على مستوى البنية الداخلية للإيقاع فقد تجسدت البنية السمعية التي تقوم على تكرار أصوات الحروف والكلمات وما تؤديه من دلالات، وكذلك تجلى التجنيس ليقوم بوظيفة إيقاعية وفنية، وبذلك لم يقتصر الإيقاع في القصيدة على الوزن والقافية، بل تشكلت بنيته من عناصر الإيقاع والموسيقى الداخلية والخارجية.

 

ناقد من اليمن

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً