أسماء ووجـــــوه
بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الخامس)

الحَسَن الگامَح*
قيل لي: من هو الحاج محمد الحوزي أوسامة رحمه الله …؟؟ وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.
- على سبيل الختم لا ختاما:
لم يقف الحاج محمد الحوزي عند حدود الاسم والرسم، بل كان أيقونةً حية صاغتها يد العطاء الروحي، وأبوةً رحبةً اتسعت للمتعبين حتى لم تترك خارج كنفها أحدًا. كان وجهه الوضاء شمسًا لا تعرف الغروب، أنار بها دروب السائلين وحيّر بها عقول المحبين؛ فما كان ذلك السيماء إلا مرآةً لروحٍ غابت في ملكوت الله، وزهدت فيما سواه. اليوم، يغيب الجسد في ترابه، لكن صدى روحه لا يزال يجلجل في الآذان كأذانِ فجرٍ صادق، ويهمس في القلوب كترتيلٍ قدسيّ. هو ذاك الذي عانق الليل بالذكر، وافترش السجادة بالدمع والتلاوة، ليذكّر العابرين بأن الدنيا ليست إلا قنطرة فناء، ولا وعدَ يرتجى فيها إلا لُقيا وجه الله الكريم.

كان “أبو الجمع” بالمعنى الذي تتضاءل أمامه الحروف؛ يدٌ امتدت لتمسح على رؤوس اليتامى، وقلبٌ فتح أبوابه قبل أن يفتح باب بيته. لقد جعل من داره منارةً للحيارى، وقِبلةً اجتمع حولها الشتات من كل صوب، فغرس في الوجدان أمانًا، وفي الأرواح سلامًا لا يزول. لم يكن وعظه رنين كلماتٍ جوفاء، بل كان تجسيدًا للحق في أبهى صوره؛ يقف في وجه العواصف ثباتًا، ويدعو إلى سبيل ربه بيقينٍ لا يتزعزع، حتى لو كان السيف المسلول أقرب إليه من حبل الوريد. كان السند الذي لا يميل، والعمود الذي قامت عليه بيوتُ القلوب، حمل رسالة الله كأنها نبضه، وتفانى في تبليغها بعزمٍ يفتت الصخر، يتنقل بها بين البيوت والسكك، تمامًا كما حمل الصوف والزرابيّ بكدٍّ شريف لا يعرف الكلال.
في رحيله، لم تكن الدموعُ بدعًا من القول، فقد بكته المآقي وهو يصارع السقم، لكن بكاء اليوم له غصّةٌ مختلفة؛ إنه انتحابٌ على فراغٍ كونيّ لن يملأه سواه. كان رحيله يشبه إشراقة صباحٍ خريفيٍّ مثقلٍ بالبرودة، وزّع على المدى حزنًا قاحلاً، وترك في العيون غيمات أسىً حجبت ضياء الرؤية. فكيف للأنفس التي استظلت بظله سنواتٍ طوال أن تألف موحش الغياب؟ وكيف للقلوب التي أحرقها لظى الفراق أن تجد في عبراتها المكتومة سلوةً أو عزاء؟ لقد باتت الدموع عاجزةً عن البوح، ومستسلمةً لثقل الفقد المرير.
يا من زرعت فينا المعنى الحقيقي للأبوة، نحن اليوم نمشي في دروب الحياة نقتفي أثرك، ونعدُّ تلك السنوات أيامًا ذهبيةً عشناها في فيئك الوارف. إن لغات الأرض قاطبةً تعجز عن إيفائك حقك، وإن كل مراثي الشعراء تظلُّ قاصرةً عن بلوغ أفقك السامي الذي كان لنا علامةً وهدى. لقد علّمتنا بيقينك أن البكاء على الراحلين لا يحيي رفاتًا، لذا نرفع أكفنا بالضراعة، سائلين لك المغفرة السائدة والرحمات الواسعة. نستودعك الرحمن الذي ذبت في حبه واجتهدت في طاعته، ليرفع روحك الطاهرة إلى سدرة المنتهى، ويلقي عليك السلام الأبدي في مثواك الأخير، حيث النعيم الذي لا ينفد، واللقاء الذي لا فراق بعده.
فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…
وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي