صدور كتاب نكاية في السرطان وضدا في الألم للكاتب مصطفى الوراد

عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر، صدر مؤخراً للكاتب مصطفى الوراد كتاب جديد بعنوان “نكاية في السرطان وضداً في الألم“، يقع في 224 صفحة من الحجم المتوسط. يقدم هذا العمل شهادة سيرية وإنسانية عميقة تقع عند التماس بين أدب الألم وأدب المقاومة، حيث يوثق الكاتب تفاصيل رحلته الضارية وصراعه النفسي والجسدي مع سرطان الدم (اللوكيميا)، محولاً التجربة الشخصية القاسية إلى نص إنساني مفتوح على الأمل والتأمل.
يستهل مصطفى الوراد كتابه بتأمل فلسفي ونفسي لمفهوم الألم، مشيراً إلى أن الشعور الداخلي بالألم هو الذي يذكر البشرية باستمرار بمدى ضعف الإنسان وهشاشته في هذا العالم. فنحن نراقب آلام الآخرين ونقيسها كل يوم دون أن ندرك كنه الأوجاع الحقيقية، طالما لم نذق بعد مرارة التواصل المباشر مع الألم الذي يعصر الكيان من الداخل. وعندما يصل الإنسان إلى مواجهة ما يسميه الكاتب سلطان الأسقام أو سلطان الآلام، فإنه يتخطى سقف التحمل الطبيعي ليجد نفسه مجثواً على ركبتيه، محاولاً الاسترخاء والاستسلام الضروري لما يحدث داخل جسده، ليشرع بعدها في كتابة ألحان موجعة تنقل التجربة الإنسانية بكل تفاصيلها ووجعها إلى العالم.
“لقد سيطر الألم عليّ، وغزا سلطان الأسقام (سرطان الدم) كل خلية ونقطة في جسدي، وسطَّر لي رحلة علاج ورحلة صراع يصعب على المريض الخوض في تفاصيلها والهروب بسهولة من كل مطباتها… فما مررت به وما أصابني لم يكن سهلاً ولا متناولاً نفسياً حتى يخطه قلمي في بضع مئات الكلمات أو على صفحات محدودة، لأن مصيري في يد الله سبحانه وتعالى”.
ويؤكد الوراد في شهادته أن مواجهة السرطان ليست مجرد بروتوكول علاج طبي أو حصص كيميائية يُقاد إليها الجسد، بل هي معركة حقيقية تشبه الوقوف في ساحة الوغى. ويوضح أن الاستسلام في هذه الملحمة هو أخبث الهزائم وأرذلها، مشدداً على أن سلاح المريض الفعال يكمن في الصبر، والإيمان بأن لكل داء دواء، والتسلح بالعزيمة والإصرار. ويرى الكاتب أن السرطان، رغم ضراوته وقدرته على إنهاك الجسد، يظل عاجزاً أمام القيم الإنسانية الكبرى؛ فهو لا يستطيع أبداً أن يشل الحب، ولا يمكنه أن يتغلب على الروح الطيبة، ولن يحطم الأمل. ومن هذا المنطلق، يدعو الكتاب كل مصاب إلى ممارسة حقه المشروع في الصمود والدفاع عن قلاعه والتمسك بالحياة إلى أن تحل الآجال التي كتبها الله سبحانه وتعالى.
وفي سياق متصل، لا يكتفي مصطفى الوراد بتسليط الضوء على المعاناة الذاتية مع المرض، بل يوجه قراءة نقدية واعية وعميقة للمحيط الاجتماعي والبيئة النفسية التي تحيط بالمريض؛ إذ يبرز كيف أن الخلافات التافهة، والضجيج النفسي، والتوتر، والقسوة غير المقصودة ممن هم حول المريض، تشكل طعنات خفية في ساحة جهاده. وينبه الكاتب إلى نقطة جوهرية غالباً ما تُغفل، وهي أن الانفعالات والعصبية الناتجة عن المحيطين بالمريض قد تكون سبباً رئيسياً في انتكاسته واستسلامه أو تدهور حالته الصحية، مؤكداً أن معركة المرض هي معركة نفسية يخوضها الإنسان قبل أن يخوضها جسدياً.
ختاماً، يقدم مصطفى الوراد كتابه “نكاية في السرطان وضداً في الألم” كأمانة بين يدي القراء، مستخلصاً تجربة مكثفة صاغها بدمه وأعصابه ليترك أثراً ودرساً في الحياة. وتأتي هذه الصفحات لتؤكد أن سلطان الأسقام، مهما بلغت قوته وجبروته، يمكن للإنسان الضعيف أن يهزمه إذا ما تسلح بالعزيمة والإصرار الإيماني، وكان محاطاً بالحب الصادق والرعاية النفسية ممن يلتفون حوله في محنته.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي