تجسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس

الخليل اخنيبيلة*
مقدمة
تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة القصيرة فيعرفها القاص الأمريكي (إدغار آلان بو) بأنها “تقرأ في جلسة واحدة”[2]. بينما عرفها شكري عياد “على أنها تسرد أحداثا وقعت حسب تتابعها الزمني مع وجود العلية”[3]. وأما القصة القصيرة جدا فقد أربكت النقاد في تجنيسها لشبهها بقصيدة النثر وبالخواطر حتى جعل بعضهم الفاصل بينها وبين غيرها وهو المقصدية[4]، وتعد القصة إبداعا أدبيا وعملا فنيا، لكن هذه الإبداعية والفنية المحضة سرعان ما تمتزج بالحجاج البلاغي فتسير “بالموازاة مع الواقع ومع البنية الحجاجية بشكل عام”[5]. هذا الامتزاج لم يكتف بالسير في مقاربة الموضوعات الواقعية بل شمل اللغة أيضا إذا “اللغة القصصية من طبيعتها أنها ذات بعد تداولي حجاجي، لأنها لا تقتصر على الألفاظ فحسب”[6]. هذا الارتباط بين الحجاج البلاغي والقصة نجد تجلياته عند القاصة انتصار عباس حيث اتخذت الحجاج أداة مهمة لكشف معاناة المرأة والترافع عنها والتمكين لها بعيدا عن الخطاب المباشر.
لهذا تهدف هذه المقالة إلى كشف آليات الحجاج -الممثلة في المرأة جسدا ومشاعرا- التي وظفتها الكاتبة للدفاع عن قضايا المرأة.
فعالجت المقالة إشكالية البحث عن كيفية توظيف ذات المرأة حجاجيا من أجل إقناع المستمع والتأثير عليه بغية التمكين للمرأة وبيان قدرها وتفنيد الطرح القائم على النظرية الغريزية لجسد المرأة، فكان تحليل نماذج من المجموعة القصصية ‘هواجس شجرة’ بتحليل حجاجي.

المرأة القصاصة صاحبة قضية
برز القص النسائي حيث كان في بدايته -حسب تصور البعض- خاضعا، مما جعلها بعد ذلك “تحاول فرض نفسها بتحديها لمركزية الذكورة في حياتها وداخل أعمالها)”[7]. قال محمد أيوب: “لقد ظلت المرأة تتعرض للعديد من آليات الإخضاع عبر التاريخ بغرض تدجينها، وبالضبط كما حدث للحيوانات الأليفة، وقد نجحت هذه الآليات كثيرا في تحقيق هذا الخضوع للدرجة التي أصبحت معها المرأة تقوم نفسها بدور أساسي في تدجين نفسها، باعتبار أن هذه هي خياراتها ونمط الحياة التي تجد نفسها فيه، وقد انعكست هذه الوضعية على إبداعاتها الأدبية القصة القصيرة جدا نموذجا فجاءت كتاباتها وفق النموذج الذي يحبه الرجل ويرضاه”[8]. إذا كانت هذه وضعية المرأة عموما –حسب محمد أيوب- فإن المتأمل لهواجش شجرة يجد انتصار عباس تنتصر للمرأة وترافع عنها وليس بمهاجمة الذكر أو التنقص منه، بل سعت لمرافعة أنيقة اتخذت ميدانها القصة القصيرة جدا، وجعلت الحجاج وسيلتها، والمرأة آليتها الحجاجية؛ تتجلى هذه الآلية الحجاجية في جسدها ومشاعرها.
الجسد من الإغراء إلى الحجاج
اشتهر استعمال جسد المرأة في الخطاب بأسلوب إغرائي[9] يحرك الغرائز ويخمل القرائح، بينما تفطنت المرأة إلى ميزة أخرى في جسدها، وهي أنها “إن شاركت مع الرجل في التعبير العادي فهي تتفوق عليه في تعبيرات الجسد، فاللغة المباشرة للجسد تعتبر أحد أسلحة المرأة للدفاع عن وجودها المباشر”[10]. ولهذا وظفت هذا السلاح الذي لا يحسن الرجل استعماله، للدفاع عن جسدها بجسدها، فقامت انتصار عباس بالانتفاض على هذا الأسلوب فجعلت جسد المرأة آلية حجاجية إقناعية تفند التصور السائد عند الكثير من إغرائية جسد المرأة، ووظفته بالطريقة التي يوظف بها في الإغراء ناقلة له من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية.
ففي القصة التي بعنوان “تقاسيم الغياب” تقوم القاصة انتصار عباس بتوجيه عيون الرجل إلى ما يجب أن يراه من الجمال الذي تغفل عن عيون الرجل وهو روح المرأة وهو الجو المحيط بها، فالنظر المقتصر على الجسد هو نظر قاصر، بل إذا رأى جمال ما حولها سينال سلامها الفيروزي، ويحقق انتشاءهما معا، فالمرأة لا تنتشي بالجسد وحده بل تنتشي ممن يقدر جسدها وروحها وكل ما هو حولها حتى أصغر التفاصيل التي تغيب عن عين الرجل، مثل قهوتها، ورودها، مذياعها. فهي تبين للرجل أن الجسد إذا نقص كماله أو زاد جماله فهناك تفاصيل في حياة المرأة تحقق السعادة والنشوة الأبدية معها، والاقتصار على جسدها يحرم الرجل من كثير من تفاصيلها الجميلة. تقول القاصة: “في كل صباح، أقطف ورود ابتسامتك الندية، أعمر فنجان قهوتي بلهفة الانتظار، فأهيم في بحر عينيك الممتد في روحي. يخالط الورد عبق القهوة وسلام فيروز القادم من المذياع الذي يوصي قلبي: سلم لي عليه، قلو إني بسلم عليه، بوس لي عينيه، قلو إني ببوس عينيه فأنتشي[11]. فأثثت مشهدا جميلا حولها يغيب جسدها فيه، ولا يظهر إلا في الأخير بصوت عاطفي وقبلة صادقة أقرب إلى قبلة الأم على جبين ابنه من قبلة النزوة، لتثبت أن هذا الجو الرومانسي لا تحقق إلا المرأة بروحها وتفاصيلها لا بجسدها وجسمها.
الجسد طريق لمعرفة المشاعر النفسية
إن المرأة تعد جسدها نافذة لمعرفة مشاعرها، لهذا لا تحب ربط جسدها بنزوة عابرة، بينما يعجبها جعله وسيلة لمعرفة مشاعرها، وآلية لربطها بنفسيتها، فنجد في قصة بعنوان ‘دواء’ عتاب الرجل لغفلته عن مشاعر قلبها وعن حالتها النفسية عند رؤيته، وأنها تكتم جراحها بل ترشده إلى كيفية معرفة هذه المشاعر النفسية بالنظر في عيونها، “أما علمت أن عرجون قلبي تدلى من سعف عيني حين رآك، وأنني أجاهد في مداوة الروح بالروح، لكنها لا تبرأ إلا بلقياك!”[12]. بل تعد عيناه مثل المطر الذي ينبت ويسقي ويحيى الموات، فكل عالمها يتحقق بنظرات عيونه الصادقة “ماذا لو أمطرتني عيناك هذا الصباح؟ وفاضت سيول فؤادي كفيك؟ عيناك مشرقي ومغربي وكل جهات الكون…بهما أبدأ وفيهما أنتهي”[13].فنظرات عينيه التي تمطرها بمشاعر صادقة تخرج من القلب عبر العينين كافية لتجعل الرجل عالمها الخاص، فالقصة تحاجج عن وفاء المرأة وصدق مشاعرها، فهي تحتاج مشاعرة صادقة من قلب الرجل يرسلها بعينيه إلى عينيها كل صباح وليس مداعبة شعرها أو مغازلة جسدها إنما يكفيها صدق مشاعره، فلا ينظر إلى عيونها ليرى جمالهما، بل يتأمل في عيونه مشاعر وأحساسيها ونفسيتها.
ليست العيون وحدها تمثل مشاعرها بل حتى أصابعها فهي تعبر تيه تفكيره فنجد في قصة “أصابع تائهة” ترى الأصابع أرضا للتذكر فالمصافحة تغرس فيها ذكرى تذكرها بالرجل وعلى الرجل مقاسمتها هذه الذكرى فهي تحب أن يقاسمها الرجل كل شيء “تعال نتقاسم”[14]. جعلت الأصابع أرض تنبت الياسمين، فهي تذهب بالأصابع كجسد يتحسس الرجل نعومتها إلى جعلها تذكرة للذكريات تربطها حتى لا تأت عليها عوافي الزمن ويأكلها النسيان، “ينبت الياسمين على أصابعي مذ صافحتك آخر مرة. متى ألقاك ليزهر؟”[15]. فهي تريد أن تكون الأصابع تذكرة لوفائها وحسن تذكرها.
خاتمة
تعد المجموعة القصصية هواجس شجرة؛ لانتصار عباس من الحجاج القصصي النسائي الذي يشكل وسيلة فعالة لتغيير الوعي بخطاب أدبي إبداعي غير مباشر. قد حولت انتصار عباس القصص من فن إبداعي عن المرأة إلى حجاج عن قضايا المرأة والتمكين لها والمرافعة عنها، حيث استثمرت المرأة بصفتها ذات وجسد كان ينظر إليها نظرة غرائزية إلى جسد يعد معبرا ومرآة لمشاعر ونفسية المرأة وأحساسيها. كل هذا يجعل المرأة الرجل يفهم المرأة ومشاعرها ونفسيتها من خلال جسد وبهذا يتجاوز تتسع دائرة النساء التي يتعامل معهن لتشمل الأم والأخت والبنت والجدة، بعد أن كان محصورا في تعامله مع الجسد في صنف خاص من النساء ومن منظور خاص.
المصادر والمراجع
- الحجاج في القصة القصيرة، محمد أيوب، مجلة اللغة الوظيفية، المجلد7 العدد2 2020.
- فن القصة، محمد يوسف نجم، دار بيروت بيروت 1955.
- فن القصة القصيرة بالمغرب، أحمد المديني، الناشر: مؤسسة هنداوي 2024.
- القصة القصيرة جدا: الخروج عن الإطار؛ محمد أيوب، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة.
- المنهج التكاملي في نقد القصة القصيرة في الأردن: محمد عبيد الله وعلي المومني نموذجا؛ ليديا راشد علي أبو مريم؛ مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإنسانيةvol 29, no 1, 2021.
- هواجس شجرة نسيتها الريح، دائرة الثقافة الشارقة 2025.
[1] فن القصة، ص7:
[2] فن القصة القصيرة بالمغرب، أحمد المديني، الناشر: مؤسسة هنداوي؛ 2024.ص: 33
[3] نفسه؛ ص: 33
[4] وبهذا نجزم أن هواجس شجرة مجموعة قصصية.
[5] الحجاج في القصة القصيرة، محمد أيوب، مجلة اللغة الوظيفية؛ المجلد7؛ العدد2؛ 2020، ص:106
[6] نفسه؛ ص:93.
[7] المنهج التكاملي في نقد القصة القصيرة في الأردن: محمد عبيد الله وعلي المومني نموذجا؛ ص: 219.
[8] القصة القصيرة جدا: الخروج عن الإطار؛ محمد أيوب، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة، ص: 167_-168
[9] انظر المنهج التكاملي في نقد القصة القصيرة في الأردن: محمد عبيد الله وعلي المومني نموذجا؛ ص: 219.
[10] القصة القصيرة جدا: الخروج عن الإطار؛ محمد أيوب، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة، ص: 172
[11] هواجس شجرة، ص: 60.
[12] نفسه؛ ص: 34.
[13] نفسه؛ ص:39.
[14] هواجس شجرة، ص:20
[15] نفسه؛ ص:18.
كاتب من
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي