“لا أريد شيئا…” بين فتنة الشعر وعبق الموت

المختار النواري*
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوجب الصيام، وأنعم بالإفطار، وتلك نعمة الإسلام: “فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” (البقرة 185).
والصلاة والسلام على سيد المخلوقين، وخاتم المبعوثين، الحبيب اللبيب الأريب الصحيب القريب الصبيب القشيب.. ثم الصلاة على الآل والأنساب، والأصحاب والأتراب، ومن والاهم بالاقتراب، إلى يوم الابتعاث.
عُشاق الأدب، رُغاب الطلب، حُباب الطرب، عُجاب الرغب. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

لا أريد شيئا
الديوان الثالث عشر للشاعر أو لنسمه كما يحلو له تسميته “الاهتزاز الثالث عشر”، ديوان يجمع بين البراعة التصنيفية، والفتنة الفنية، ومسحة الشؤم، وعتبات مشوقة بوصلية، تحكم الديوان وتؤثته.
اللون التصنيفي “الديوان ـ القصيدة”:
هو عبارة عن قصيدة واحدة، مكونة من 25 مقطعا، مؤشر على بدايتها برمز يشبه حرف V الفرنسي، أو الجذر الرياضي، وجميع المقاطع أصرت على أن تبدأ كلها على صفحة اليسار من الكتاب، من حيث بدأ أول الديوان، فأرقامها كلها فردية، وكأنها تصر على انتساخ البداية، لتصبح بدايات، وتلح على رفض النهايات مبدئيا، حتى ولو كانت حتمية وواقعية، إلا أن الرفض سبيل لزعزعة الثوابت، وخلخلة القناعات.
إنه الديوان القصيدة، وهو نوع من التصنيف، كانت للشاعر تجربة طويلة معه، في دواوين سابقة، أحدها كتب في سيرة القصيدة، وأتى في جزأين: أنت القصيدة ـ الاهتزاز السابع ـ 2016. والجزء الثاني كأني من جديد ـ الاهتزاز 12 ـ 2023.
فتنة الإهداء
إن النصوص أو المقاطع الخمس والعشرون كلَّها مهداة إلى الموتى، إلا اثنين، كان الإهداء فيهما بصيغة مطلقة معممة، ترصد حالة نهاية المهمة، أو الإشراف على ذلك، ويريد أن يحتفظ بالمهدى اليه حيا، لانه لا يقصد شخصا بعينه، وإنما ما أصبح يمثله من قيمة، ومن رمزية. وقد جاء بالصيغة التالية:
ـ إلى كل شاعر أقصته القصيدة قبل الرحيل.. المقطع الثالث صفحه 25.
ـ إلى كل معلم، أو مربي، تقاعد، أو في طريق التقاعد.. المقطع 23 صفحه 193.
وأما باقي الإهداءات فقد كانت للأموات. وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر قد قلب المتعارف في الإهداء من الكتاب إلى المقطع، من الكتاب إلى النص الجزئي منه، ولا نقول من القصيدة، وإنما من الديوان إلى مقطع من القصيدة. وأصبح هذا الانفلات الإهدائي قاعدة في معظم مقاطعه، ماعدا مقاطع استثناها، لأن لها وقع خاص في نفسه، وترتبط أشد الارتباط بذاته، وسياقها يختلف عن سياق تلك المهداة. فهي ترتبط به شخصيا. ولذلك وجد أنه من غير المناسب أن يهدي إلى نفسه.
تحقق الانفلات كذلك على مستوى موقع كتابة الإهداء في آخر الصفحة الأولى للمقطع، وبين قوسين، وبخط مضغوط، اختلفت مقاساته حتى يناسب السطر الواحد المخصصه له.
تحقق الانفلات أيضا على مستوى أسلوب صياغة الإهداءات المتميز المحكوم بالبداية المتنوعة، بحيث نوع بين ثلاثة أساليب، ترتب حسب درجة حضورها. وأما النهايات فهي وجودية، محكومه بزمن، أو بطريقة الانتهاء. وكان الأسلوب الإهذائي على صورة:
ـ إلى روح فلان… وحضر في ثماني قصائد
ـ إلى فلان… وحضر في ست قصائد
ـ إلى كل فاعل، أو مفعل… في قصيدتين.
مسحة الشؤم
تتشكل من خلال عنصرين كبيرين وأساسيين:
أولا عنصر التشكل التصويري على الغلاف، وجهرا وظهرا، أماما وخلفا، قدام ووراء:
ـ انطلاقا من لون السواد، الذي يغرق فيه غلاف الديوان؛
ـ الخبطة اللونية من زرقة وذهب ناري، وفي لولبية لهيبية، أو في لولبية الدوامة والإعصار، وكلاهما يعطي معنى الدمار والفناء المصحوب بالمعاناة؛
ـ صورة الشاعر بما تجسده من اعتصار داخلي، ينعكس على الملامح، ويتوزع بين جاذبين: جاذب داخلي يدفع هواء الأصوات، ليعبر عما بداخله؛ وجاذب خارجي، تمثله حركة الكفين، المشيرتين بالسبابتين، إلى ذات الشاعر، وبهما يرد التصور الخارجي المكتمل إلى الذات، ويعيد الدافع المنهمر من داخلها.
ثانيا عنصر التشكل الكتابي اللغوي على الغلاف، وجها وظهرا، أماما وخلفا، قدام ووراء: وقد جسده العنوان والمقتبس النصي لتقديم الديوان والترقيم التسلسلي للديوان.
ـ العنوان:
وقد يصلح أن نقول إن الديوان بعنوانين: أصل وفرع، أساسي وبديل، مادة وشرح، جمع وبسط، إبعاد وتقريب، تخصيص وتعميم، حوار وسرد، مباشر وغير مباشر، واقع وفكر، مجرد ومجرب، جزء وكل، حدث وفن.
وقد حُكم العنوان، أو على الأصح العنوانان، ببنية ثلاثية، تسربت إلى داخل الديوان، وتحكمت في مقاطعه وتفاصيله، فلم تخرج عنها، وهي
لا ـــــــــ أريد ـــــــــ شيئا
سيرة ــــ الموت ــــــ والرحيل
ـ المقتبس النصي لتقديم الديوان:
وهو النص المقتبس من داخل الديوان، ص 17، والذي اختار الشاعر أن يقرب من خلاله الديوان من القارئ. وحُكم هو الآخر بما حكم به الديوان كله من بنية ثلاثية، مسحتها الشؤم.
ـ الترقيم التسلسلي للديوان:
ترقيم الاهتزاز بالثالث عشر وهو وإن كان يدل على التتالي الإصداري لأعمال الشاعر سي حسن الگامح، وبنية ترقيمية ليس إلا، إلا أنه سيسقطه في هذا الرقم الشؤمي. ففي الثقافة الأمريكية يُعتبر هذا رقما مشؤوما، ولا يضعونه ضمن سلسلة تتاليهم الرقمية، بل يقفزون عليه إن وصل إليه. ونحن متأكدون أن الشاعر لم يلتفت لهذا، ولا يقيم له وزنا، ولا يدخله في اعتباره، ولكن وجب التنبيه له في إطار تصادفه مع هذه المسحة التشاؤمية، وتكامله معها.
عتبات مشوقة:
تكثر عتبات الديوان وسنقف منها على ما يتقدم الغلاف وجها وظهرا.
أ ـ على مستوى الوجه: العنوان: وقد سبق القول أن الديوان بعنوانين: أصل وأساس، وفرع وبديل.
الشق الأول من العنوان: ذاك الذي سميناه أصل وأساس، وغيرها… ويمكن أن نتفق على التموقع المكاني والحدثي، فنقول الجزء الأول/ البدء/ المقدم، ويمكن أن نلاحظ عليه ما يلي:
++ابتداؤه بلا النافية: وما تجسده من رفض ورد ومواجهة، مقابل العرض والبدء والمنح والمسالمة. ويمكن أن تستثير “لا” هاته فينا أصول بعض الأشياء:
*صراخ الطفل حين الوضع: أيمكن أن يكون هو “لا” بلغة الصراخ، وبلغة من لم يتقن بعد الكلام، المتعلَّم من المجتمع، ولكنه يتقن الكلام الممنوح من الطبيعة والفطرة والغريزة الإنسانية، ويفهمه العالَمون، وإن اختلفت مجتمعاتهم ولغاتهم الكلامية. أليس هو قول لا في أول مواجهة مع الحياة، وفي أول استطلاع رأي القادم إليها، والمقبل عليها، ودون خيار. وقد جسد كثير من الفلاسفة ذلك، وجسده الشعراء. ولنسمع لقول الشعر ما دمنا في حضرته، يقول شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء:
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
وبالمعنى نفسه يقول إيليا أبو ماضي “المتشائل”:
جئتُ لا أعـلم من أيـن ولكـني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدامي فطريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشـيا إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئتُ؟ كيـف أبصرتُ طريقي؟
لست ادري
*الوحدانية الإلهية الأزلية: فأساس الإسلام بني على ركنه الأول: الشهادة “لا إله إلا الله”، يرددها المسلم طيلة يومه، ويظل يسمعها، كأنها فاصل بين عهدين عقديين في حياة مسلمي الدعوة، عهد تعدد الآلهة، وما سماه الإسلام بالشرك، وعهد الوحدانية، وهي تأسيس وإقرار ابتدائي في حياة من أسلم بعدهم، وإن كان لا يزال يُحَف بتلك الرمزية التذكيرية.
++تتوسطه الإرادة “أريد”: ومعلوم أن الإرادة أساس الحياة، وجوهر الوجود، فلم يوجد هذا الكون إلا بالإرادة، وسيستمر بها، وستكون نهايته بسببها. كما أن حياة الأفراد مرهونة بإرادتهم، بمعنى حبهم للحياة، وتمسكهم وتعلقهم بها، وخروجهم منها يكون بسبب اضمحلال تلك الإرادة وتراجعها.
وجميع فعل الإنسان في الحياة مرهون بإرادته
شروط ثلاثة تُشكّل ضرورة مطلقة لتنجح في الحياة: الإرادة، والإرادة، والإرادة.
الانتهاء بالشيء وبصيغة التنكير: إن الشيء لا يعني إلا الذات، وفي الغالب غير العاقلة، وتنكيره يدل على تعميمه، أي أنه ليس هناك استثناء، فعدم الرغبة تطال كل شيء، لأن هذا التعميم، مقرونا بالموقف “لا اريد”، يفرض أن يستدخل حتى الذوات العاقلة ـ الإنسان ـ ويتشيأ الانسان حينما يفقد معناه وقيمته، وعدم الرغبة في شخص، أو في مطلق الكائن الإنساني، إنما هو إخراجه من حقيقته، وإدخاله في حكم الشيء، وما من دليل أكبر على أن الإنسان فقد قيمته أكثر من عدم الرغبة فيه.
إن العنوان المركب لغويا بهذه التركيبة الثلاثية، وبهذا التقسيم التموقعي، الذي يمنحها البدء والتوسط والنهاية، والذي يلخص أساسيات التقسيم، وكنه المنهجية التقسيمية، هو دليل آخر على أن واضع العنوان في موقف استخلاص، واحتكام إلى الأسس الكبرى، والذي لا يكون عادة إلا في انتهاء التجارب عند اكتمالها.
الشق الثاني من العنوان:
ولم لا نقول العنوان الثاني بدرجة ثانية، وهو الذي سنسميه فرع وبديل وشرح، ويمكن أن نسجل عليه هو الآخر الملاحظات التالية:
التركيبة الثلاثية والخلاصة المنهجية: بدءا وتوسطا وانتهاء، من خلال العبارة “سيرة الموت والرحيل”. إنها منهجية الوجود الأكبر في التصور الإسلامي، الذي يؤمن بحياتين زسيرتين، لمسارين ورحلتين، يقف الموت فاصلا بينهما. وبعد هذا الإدراك التصوري المنهجي لكل أن يسميهما بما يشاء، وعلى ذلك تُقبل تسمية هذا العنوان للأولى بـ”السيرة”، وللثانية بـ”الرحلة”.
إن لفظة “السيرة”، وإن أسندت للموت، إلا أن ذلك يخفي حقيقة يتهرب منها صائغ العنوان، ويضمر الحياة في الموت، ويجعلها لا وجود لها، ويخالف التصور العام والشائع، فإن السيرة إنما هي الحياة، وما الموت إلا حدث واحد، وقصير جدا، تُختم به السيرة، وعلى ذلك فإننا سنعيد الأمر إلى حقيقته، والوضع إلى نصابه، لنقر بأن السيرة هي الحياة، وأن الحياه واقع طويل وعريض قبل الموت. وما الموت إلا لحظة نهايته، فنكشف تهرب صائغ العنوات، ونخلص الحقيقة من الصبغة التشاؤمية، التي كساها بها.
ـ تفاصيل التركيبة الثلاثية:
ـ التركيبة المعجمية: فالسيرة المعمم الحدثي، والفسحة الزمانية، والواسع الوجودي، الذي يعيش المعني به تفاصيله، المتعارفة والمشتركة، والمخبور بها في حياة الآخرين.
والموت الحدث المُوقف لكل ما قبله، القاطع لما كان مسترسلا، المعطل لما كان متواصلا. إنه ذاك التحول المفصلي الغريب، الذي لا يعرف من سره سوى إسمُه، إنه وكما عبرت عنه أدبيات الثقافة القديمة “منغص اللذات”
والرحيل مسار إذا أردنا عزله عن السيرة، ومعمم حدثي، وفسحة زمانية، وواسع وجودي، لا نعرف من تفاصيله سوى أنه كائن، وامتداده وما يعمره فوق التصور، فهو غيبي بامتياز. إن هذه التفاصيل الثلاثية محكومة بالسوداوية والتشاؤم لأمرين:
الأول أنها تسوي بين المُفصَّل والمُختصر (السيرة والموت)، وبين الواقع والغيب (السيرة والرحيل)، وبذلك تتكتم على التفاصيل الواقعية، الجميلة والقبيحة، السعيدة والتعيسة، الطويلة والقصيرة، الفردية والجماعية، الخاصة والمشتركة، وما ذاك إلا لتفريغها من هذه التفاصيل، والتنكر لحقيقتها الملطفة لنهايتها.
الأمر الثاني، أنها لخصت تجربة الحياة كلها بحلوها ومرها، وجميلها وقبيحها، وسعيدها وتعيسها، وأولها وآخرها، في العزوف والرفض لكل شيء فيها، وجعلته آخر خياراتها، ونهاية قراراتها.
ب ـ على مستوى الظهر
نجده مفروشا بمقطع شعري من عدة أسطر، وعادة فما يكتبه المؤلف على ظهر الغلاف فإنه في اعتباره أقصى ما يمكن أن يُعرف به، ويقدم نفسه من خلال الكتاب المصاحب له، به.
وهذا المقطع مستل من المقطع الشعري الثاني (ص 17)، ويشغل الصفحة كاملة مع بعض التغييرات الطفيفة، التي أدخلها الشاعر عليه، وهي كالتالي: السطر 3 على الغلاف: لا رغبة لي فيه منذ مهد الصبايا ـ وفي داخل الديوان: لا رغبة لي فيه هدايا أو مزايا؛
السطر 8 على الغلاف: لا يقدر أن يجمعه غيري في كل الزوايا ـ وفي داخل الديوان: من كل الزوايا؛
السطر 12 على الغلاف: سيبقى قاب قوسين أو أدنى من النسيان والنيران والمنايا ـ وفي داخل الديوان: من لهيب النيران والنسيان والشظايا.
كما أن التغييرات مست توزيع الكتابة عن الأسطر، ففي الغلاف غطت 12 سطرا وفي الديوان 15 سطرا.
وأهم ما يمكن تسجيله على هذا المقطع:
ـ التكثيف الكتابي بحيث قلصت الأسطر الخمسة عشر إلى الإثني عشر. ولذلك دلالته لا الاختزالية والدافعة لذلك وحسب، وإنما التموقعية أيضا. وقد نجم عن ذلك إدماج ثلاثة أسطر مستقلة فيما بعده:
السطر 8 لكن إرثي أُدمج في السطر 9.
السطر 10 وأعرف… أدمج في السطر 11.
السطر 14 سيبقى قاب قوسين أو أدنى أدمج في السطر 15.
وتحكم هذه الأسطر تلك اليقينية التصورية (وأعرف)، أو الحدثية الواقعية (لكن إرثي ـ سيبقى قاب قوسين أو أدنى)
وتبدأ هذه الخلفية بعبارة العنوان (لا أريد شيئا)، وتنتهي بالنهاية الأبدية لكل مخلوق (المنايا) مما يرسخ طابع الشؤم الغالب على الديوان ومسحة الحزن.
وترسخ تيمات العنوان الثلاث، التي تكتب نواتها في انطلاقة المقطع، وتُجعل الانطلاقة ـ بصورة مناقضة لمعناها ـ قاعدة متوقفة منحبسة رافضة لأي تغيير، وأي زيادة. فمما ترسخ تيمة اللاءات، التي تحضر في خمس عبارات حقيقية (لا أريد شيئا س 1 ـ لا أملك ـ لا رغبة لي س 2 ـ لا يدخلها غيري س 5 ـ لا يقدر ان يجمعه غيري س 8)، وعبارة مموِّهة (لم أنشره س14) وتيمة الإرادة في ثماني عبارات (لا أريد س 1ـ ما أملك هو لي س 2 ـ لا رغبه لي فيه س 3 ـ انا مقتنع س 4 أن حروفي هي مملكتي س 4 ـ 5 ـ لا يدخلها غيري س 5 ـ حتما سيوقفها يوما قدري س 7 ـ ما أكتبه هو لي ما دمت حيا س 9). ويجعل الإرادة إرادة ذاتية وإرادة غيبية قدرية (حتما سيوقفها يوما قدري س 7)، وهي المعطلة للإرادة الفردية في حال الوفاة، وبالتالي فإن الإرادة الفردية مقصورة على حياة صاحبها (ما دمت حيا س)، وبعدها تتدخل إرادات أخرى في حياه الفرد، وقد جسدها النصف الثاني من المقطع، بعدما تم الإلماع له قرابة نهاية النصف الأول منه (وأن قاطرة العمر مهما أطالت في المسير حتما سيوقفها يوما قدري س 6 ـ 7)، وتترجم إرادة القدر في الأبيات الثلاثة الأخيرة (لكن حين يرمى علي الثرى… س 10 ـ 12)
وبينهما الفاصلة الوجودية، التي يدركها الشاعر، ويعيها تمام الوعي، ويضعها بعين الاعتبار: (وأعرف أن ما أكتبه هو لي ما دمت حيا س 9).
ويتمثل الشيء، العنصر الثالث من هذا الثالوث العنواني، في كلمات، تدل عليه بتكراره في العباره نفسها (لا اريد شيئا) أو بما يجسده ويقاطعه معنى ممتلكا وغير ممتلك، شيئا ماديا وشعرا على وجه الخصوص. فأما الشيء المادي فقد عم الأشياء كلها في بداية المقطع ممتلكا (كل ما أملكه هو لي ـ حروفي هي مملكتي ـ لا يدخلها ـ إرثي ـ يجمعه ـ كل الزوايا ـ ما أكتبه هو لي)؛ وغير ممتلك (ما لا أملكه لا رغبة لي فيه ـ الثرى ـ ما لم أنشره ـ الحقول ـ سيبقى ـ النسيان).
وقُصر الشيء بعدها على الكتابة ـ شعرا ونثرا ـ مكتوبا ممتلكا، ويجسده الجزء الأول من المقطع السطر 4 إلى 8؛ وغير مكتوب وغير ممتلك، كما جسده الجزء الأخير من المقطع س 10 إلى 12.
ومن السهل جدا أن تثير نباهة القارئ إمكانية تقسيم المقطع الغلافي حسب مكونات العنوان الرديف الثاني، الفرعي والتكميلي (سيرة الموت والرحيل) فنجده ملخصا لسيرة الشاعر مع الإرادة، والأشياء والموقف منها، وتحتل بوضوح الأبيات الخمسة الأولى (سيوقفها يوما قدري س 6ـ لا يقدر أن يجمعه غيري في كل الزوايا س 7 ـ ما أكتبه هو لي ما دمت حيا س 8 ـ ما لم أنشره …. المنايا س 11 ـ 12).
وملخصا كذلك لتيمة الموت: (إن قاطرة العمر سيوقفها يوما ما قدري س 6 ـ 7. إن ما أكتبه هو لي ما دمت حيا س 9. لكن حين يرمى علي الثرى س 10 ـ سيبقى قاب قوسين أو أدنى من النسيان والنيران والمنايا)، فالنسيان موت بصورة أخرى، والنيران كذلك.
وملخصا كذلك لتيمة الرحيل، لأنها ترسم رحلة حياة الشاعر من بدايتها إلى نهايتها المتوقعة، بدءا من السطر 3: “منذ مهد الصبايا”، وبلكنة زمنية تاريخية (منذ)، ومواصلة للرحلة على ا…
ومواصلة للرحلة على امتدادها: “إن قاطرة العمر مهما أطالت سيوقفها يوما قدري” س 6 ـ 7. “لا يقدر أن يجمعه غيري في كل الزوايا” س 8. إنها الرحلة مع الشعر: “ما دمت حيا ـ وأعرف أن ما أكتبه هو لي س 9، ووصولا إلى نهاية الرحلة في الأسطر الثلاثة الأخيرة: “لكن حينما يرمى علي الثرى.. ما لم أنشره على الحقول وعشاق الحرف.. سيبقى قاب قوسين أو أدنى من النسيان والنيران والمنايا” س 10 ـ 12. مع حضور اللكنة الزمنية التاريخية نفسها (حين).
تركيب
ومن هنا نفهم أن الديوان كله مختزل في العنوان، ويكتب عن العنوان، تفصيلا وإجمالا، واقعا وخيالا، تجسيدا ومثالا، تفسيرا وإعلالا، تكثيرا وإقلالا، تصعيبا وإسهالا، تصويبا وإخلالا.
والذي يحكم الكتابة الشعرية في هذا المقام، وفي غيرها من مقامات الكتابة، عند الشاعر الحسن الكامح هو التصميم الهندسي لأعماله فكرة وبناء وتفاصيل وتأثيثا.
وأخيرا أقول:
اليوم العاشر من رمضان، وقد دعانا الصيام إلى لذيذ إفطاره، ويدعونا الشاعر الأخ الحسن الگامح إلى جديد إصداره، وعتيد من جليل آثاره، يوالي به رسم تجليات الشعر في نفسه، وفتق نبعات القريض في همسه، ويطلع من ميت اللغة حي الإحساس، ومن بليد المعنى ري الأنفاس، ويكسو البياض بهيبة السواد، وبينهما يهرق قربان المداد، يعلو ويَلْطف، ثم يدنو ويَخْطِف، يملأ ويرشف، ويفرغ ويُسْرف، يشتد ويَعْنُف، ويدنو ويَعْطِف، يزرع ويعصف، ويُنضج فيَقْطِف، يجلو ويُشْرف، ويخفي ويُرْهِف، يجلجل ويَرْصُف، ويحلحل ويَرْأَف، يحلق ويرفرف، يحط ويُطْرف، يفصح ويحصف، ويزخر فيزخرف، يهز ويقصف، ينثر وينسف.
هذا الصوفي الهوى، الذي نابذ وما هوى، وكابد وما ذوى، وجاهد وما غوى، وأهدى وما نوى.. يركن إلى محراب الكلمات، وتَمّ يبتهل.. وينزوي في زوايا القصيد وتَمّ يهتبل. ويخلص لنون القلم وما يسطرون وان يكون لعشق الكلمة مجنونا..
إنه العاشق المجنون، بالكتابة مسكون، وفي سوق الأطماع مغبون، وبالفن موطون. لطيف المعشر، جميل المخبر، متخلق بصفة الوفاء، مكسور بجبة الصفاء، نقي السريرة، حيي الظهيرة، لا داخل فيه ولا خارج، كالزجاجة ظاهرها باطن، وباطنها ظاهر، لطفها يجرح، وطرفها يسرح، وبقاؤها في نقائها، وحفظها في الحفاظ عليها.
شاعر النفس الطويل، والهوس الجميل، والنحت الجديل، والعطاء البليل، والمعنى العليل، واللفظ الجليل، والمقصد النبيل، والمترع الظليل، والملقى الأهيل، والنزع الأصيل، والوزن الثقيل.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي