الرئيسية / الشاعر الحسن الگامَح / أسماء ووجوه / بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

أسماء ووجـــــوه

بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الثاني)

الحَسَن الگامَح*

قيل لي: من هو بادريس رحمه الله …؟؟

وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.

هو بادريس، رجل ليس كغيره، تسكنه العادات وتلازمه كظل، لا تفارقه في سفر ولا حضر، ولا تبدلها الأيام بمرها ولا حلوها. عادات لا تقاس بأرقام ولا تحصى بعدد، بل هي نسيج متكامل من طقوس يومية وأخلاق أصيلة تشكل هويته. في عالم يتغير بسرعة مذهلة، وينسى ماضيه بسهولة، يبقى بادريس شاهدا على أن القيم والطباع الراسخة لا تبليها السنين، بل تكسبها عمقا وأصالة.

فعادات ادريس لها أهمية في أنها لم تعد مجرد أفعال روتينية، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من ذاته، كأنها مكتوبة في صفحات كتاب حياته. لا يمكن تخيل بادريس دون هذه العادات، فهي تعبر عن شخصيته وتنقل قيمه. إنها تلك الطقوس الصغيرة التي لا يراها الآخرون دائما، لكنها تشكل عالمه الداخلي. سواء كانت عادة صباحية أو مسائية، أو طريقة خاصة في التعامل، أو حكمة يرددها، فإن كل عادة تروي قصة عنه، وتكشف عن معادنه. لم تقاوم عاداته التغيير بشكل سلبي، بل تعايشت مع التحولات، وظلت أساسا يرجع إليه في كل منعطف حياته.

في غيابه تتضح قيمة العادات الحقيقية لبادريس. عندما ينأى بجسده، لا تنأى به عاداته. نجد أنفسنا نستحضرها بشوق وحنين، لأنها تعيد لنا قربه. إنها وسيلتنا للتواصل مع روحه، كأننا نحادثه من خلالها. فنقيم طقوسه في الأعياد، ونعيد تلك اللمسات التي كانت تميزه. في هذه اللحظات، لا نمارس عادات قديمة، بل نبعث فيها حياة جديدة، وتصبح العادات جسرا يربط الماضي بالحاضر، ويملأ فجوة الغياب.

عاداته ورثناها منه لا كنسخ، بل هي تعبير عن حبنا وتقديرنا له. نذكرها في لحظات الحنين، فنسترجع أيام الشباب، ونستحضر ذكرى سماعه، ليغمرنا شعور بالدفء والألفة.

فهو بادريس يعلمنا من خلال عاداته درسا في الخلود. إن الإنسان لا يخلد بما يبنيه من صروح أو يحققه من إنجازات مادية فحسب، بل يخلد بأثره الذي يتركه في نفوس من يحبهم. وعاداته هي ذلك الأثر الخالد، الذي لا يفنى ولا يتغير. إنها ليست تلك العادات التي يمكن أن تنتهي أو تنسى، بل هي تجارب حية تعاش وتتوارث من جيل إلى جيل.

حتى تلك العادات التي نسيناها بفعل ضغط الحياة، تعود إلى الظهور في لحظات النقاء والصفاء، عندما يطيب الحديث عنه وعن ذكرياته. هي تظل مخبأة في زوايا الذاكرة، تنتظر اللحظة المناسبة لتطل برأسها.

عادات بادريس ليست إرثا يتيم الأبوين، بل هي حفيدة الذاكرة ووالدة الحنين. ستبقى محفورة في قلوبنا، ما دمنا على قيد الحياة، لتذكرنا برجل كان له من العادات ما جعل حياته وحياة من حوله أكثر غنى وأصالة.

(لأبي ادْريس عاداتٌ كثيرةٌ

لا تعدُّ في قاموسِهِ ولا تحْصى

عاداتٌ

نحنُّ إليها لمَّا نحنُّ إليه في الغيابْ

عاداتٌ

لا يحيدُ عنْها سِنونٌ وعقودُ

كأنها مكتوبةٌ بيْن ثنايا الكتابْ

عاداتٌ

لا يسْتغْني عنْها

مهْما حلَّ به من تغيُّر وانْقلابْ

بلْ وأينما حلَّ وارتحلْ

في أوطان أخرى بعيدا عن الأحْبابْ)

فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…

وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً