الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / إلى شعراء العالم في اليوم العالمي للشعر – الحسَن الگامح

إلى شعراء العالم في اليوم العالمي للشعر – الحسَن الگامح

highlight color=”gray”]اهتــــزازات[/highlight]

إلى شعراء العالم في اليوم العالمي للشعر

الحسَن الگامَح*

(في يَوْم الشِّعْر

يحق لي أنْ أقولَ لَكِ:

يَوْمُكِ شِعْرٌ

قَصيدَةٌ أيْنَعتْ بيْنَ النَّبْض والنَّبْضِ عمقا

فأزهرت منْ عُمْق الأرْضِ شوقا)[1]

إلى الذين يكتبون بماء القلب، يغمسون ريشاتهم في حبر الروح المقطر، ليحولوا ضجيج العالم الصاخب وزحامه الموحش إلى مقطوعات من السكون المهيب، ونوتات تعزف على أوتار الدهشة الأولى. أنتم الذين تجعلون من الصخب صلاة، ومن الفوضى انضباطاً جمالياً يعيد للكون توازنه المفقود.

إلى الذين يقطرون الضوء من مسام الحرف، فيستحيل السطر بين أيديهم قنديلاً يضيء عتمة المسافات. أنتم الذين تدركون أن الصمت ليس فراغاً، بل هو زلزال مكتوم يرتجف في أحشاء المعنى، وأن الكلمة ليست صوتاً عابراً، بل هي رعشة مقدسة لا تهدأ، تسري في جسد اللغة لتبعث فيه الحياة من جديد.

إلى الشعراء الذين اتخذوا من المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع موطناً، يسكنون في البرزخ الخفي حيث تتصالح الرؤى مع المرئي، وحيث تصبح القصيدة هي الجسر الوحيد الممتد فوق لجة العدم. أنتم الغرباء الذين لا وطن لهم سوى المجاز، ولا هوية لهم سوى القلق الجميل.

باسم الاهتزازات التي لا تُرى، وباسم الرجفة التي تسبق انبلاج الفجر، أهديكم نبضاً ثائراً لا يعرف الاستقرار، وقصائد جامحة ترفض السكون وتأبى القيد. أنتم الذين تدركون بيقين العارفين أن الشعر ليس رصفاً للقوافي أو ترتيباً للأوزان الميتة، بل هو تلك الهزة الوجودية التي تصيب الروح في مقتل حين يلامسها الصدق العاري، وهو الارتجاج الكوني الذي يخلخل ركود العالم، يهدم جدران الزيف، ليعيد ترتيب الوجود على هيئة حب، وعلى مقاس الروح.

(في يَوْم الشِّعْر

يحق لي أنْ أركب هذا البحر مثنى

مجازا واستعارات تقرب لي المستغنى

فأهيم في عينيكِ أقتفي لغز المعنى)[2]

إلى زملائي في الغواية الجميلة، يا من تسكنون برزخ المعنى وتقتاتون من رغيف الكلمات.. أنتم الذين تروضون وحش القلق في صدوركم، لتقلموا أظافره وتحولوا زئيره إلى موسيقى سماوية تطمئن لها القلوب المتعبة. كل عام وأرواحكم تضج بشلالات الدهشة التي لا تجف، وأقلامكم تمنح هذا الكون إيقاعه الخاص، وتضبط نبض الزمان على توقيت الجمال. فطاب بوحكم الذي يشفي الغليل، وطابت اهتزازات قلوبكم التي كلمّا ارتجفت، أيقظت الوجود من سباته العميق.

في يومكم هذا.. وفي كل فجر يشرق فيه مجاز جديد.. ليكن مدادكم فيضاً سماوياً لا ينضب، ونبعاً يرتوي منه الظمأى إلى الحقيقة. ليكن حرفكم جسراً من نور، يتخطى المسافات والجغرافيا ليصل القلوب ببعضها في وحدة وجدانية مقدسة. أنتم وحدكم الذين تمتلكون تلك “الكيمياء” السرية التي تجعل الأيام العادية، الرتيبة، والمملة، قصائد مشتعلة، نابضة، وقابلة للعيش رغم كل شيء.

أنتم الذين تضمدون انكسارات الروح، وتنثرون الورد والياسمين فوق جراح هذا الواقع المرير، ذاك الواقع المتأرجح بمرارة بين طبول الحرب وترانيم السلم. أنتم الذين تجعلون للحياة معنى حين يفقد العالم بوصلته.

كل عام والقصيدة في أوج عنفوانها وبخير، وكل عام وأنتم لسان الضوء الصادق، والصدى المدوّي في عتمة الكلام المكرر واللغو العابر.

(في يوم الشعرِ

أنتشي بما أتى عشقا

وأستريح بين الاستعاراتِ شوقا

وإذا ما فاجأني الموتُ أقولُ له: لا رفقا)[3]

أگادير: 21 مارس 2026

[1] من قصيدة: يحق لي في يوم الشعر

[2] من قصيدة: يحق لي في يوم الشعر

[3] من قصيدة: يحق لي في يوم الشعر

شاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً