الرئيسية / الأعداد / شعرية النقد وسردنة المعرفة في رسالة الغفران – أيمن البزى

شعرية النقد وسردنة المعرفة في رسالة الغفران – أيمن البزى

شعرية النقد وسردنة المعرفة في رسالة الغفران

أيمن البزى *

 

يتعذر رد تجربة أبي العلاء المعري إلى أفق تأويلي واحد؛ إذ كلما بدا منجزه مستقرا في مستوى دلالي محدد، سرعان ما ينفتح على أفق آخر، فهو شاعر جعل من اللغة مجالا لاختبار الفكر، وناقد لم يمارس النقد في صورة خطاب نظري قائم بذاته، وإنما بثه في تضاعيف بنائه الشعري والنثري. ومن ثم فإن خصوصية وفرادة النص المعري تتجلى في قدرته على إقامة تفاعل كثيف بين أنظمة خطابية متباينة، واستثمار تخومها المشتركة في إنتاج كتابة يتعاضد فيها الأدب والفكر والنقد.

تتجسد هذه الخصيصة على نحو بالغ الوضوح في رسالة الغفران، ذلك النص الذي انطلق في ظاهره من مقتضيات المراسلة، ثم تجاوز حدود الجواب إلى بناء عالم سردي رحب تتداخله مستويات متعددة من القول: السرد، الحوار، الشعر والنثر، التخييل، الثقافة، النقد. ولذلك لم تعد الرسالة مجرد جواب على رسالة ابن القارح، وإنما غدت بنية أدبية مركبة يعيد المعري داخلها تشييد المادة الثقافية، وإعادة توزيع عناصرها في فضاء تخييلي يحررها من قيود التتابع التاريخي وحدود الواقع، ويفتح أمامها إمكانات جديدة للتجاور والتحاور والمساءلة.

قد استقر جانب معتبر من الدرس النقدي الحديث على مقاربة رسالة الغفران بوصفها نصا يتسم بمكونات سردية واضحة، تتضافر فيه الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة والحوار والوصف.. غير أن الاقتصار على تحديد هذه المكونات وإن كان ضروريا في الكشف عن البنية السردية، لا يستنفد كليا القيمة الفنية للنص؛ إذ إن الأهم هو النظر في الوظائف التي تؤديها هذه العناصر داخل تصورالمعري في بناء الخطاب. فلا يمكننا حصر فالعالم الأخروي الذي تشيده الرسالة داخل إطارعجائبي يحتضن الحكاية، وإنما ننظر إليه باعتباره بنية فنية تتيح للمعري إعادة ترتيب الذاكرة الثقافية العربية، واستحضار شخصيات متباعدة زمنيا ومكانيا، ووضعها في فضاء واحد يسمح بتوليد حوارات لا يتيحها الواقع التاريخي.

من هذا المنطلق، لا ينبغي أن تفهم الخصيصة العجائبية في رسالة الغفران باعتبارها ميزة جمالية مستقلة، فالآخرة تؤدي وظيفة تتجاوز الإغراب والتشويق؛ إنها فضاء سردي يعيد فيه المعري توزيع الشعراء والنصوص والروايات والأحكام، ويمنح المادة التراثية إمكانا جديدا للحضور. على سبيل المثال لا الحصر، يشكل الموت في المنظور الفني للنص شرطا رئيسا لتجميع الشعراء داخل عالم جديد.

تكتسب رسالة الغفران دلالة خاصة، فالعنوان يحيل في مستواه الأول إلى جنس الرسائل الذي عرفه الأدب العربي، غير أن المعري لا يلبث أن يتجاوز مقتضيات هذا الجنس، إذ تتحول الرسالة من إطار للمخاطبة إلى إطار للسرد، ولا يعود ابن القارح مجرد مخاطب يتلقى جوابا، وإنما يصبح شخصية سردية تنقله الكتابة من وضع المرسل إليه إلى وضع الفاعل داخل عالم متخيل. وبذلك ينتقل المعري من الإجابة إلى بناء عالم خاص من حوله، ومن معالجة سؤال جزئي إلى إنشاء فضاء تتفاعل فيه الشخصيات والأخبار والأشعار.

في هذا السياق يمكن الحديث عن ” سردنة المعرفة ” في رسالة الغفران؛ أي عن انتقال المعرفة من صورتها التقريرية إلى صورة تتوسطها الشخصيات والأحداث والحوار. وهذه السمة هي التي تفسر كثافة المادة اللغوية والنقدية في الرسالة دون أن تتحول إلى مصنف تعليمي أو نقدي بالمعنى المباشر، والملاحظ أن المعري لا يلغي المعرفة والسرد لصالح كليهما، وإنما ينشئ بينهما علاقة وظيفية تجعل أحدهما مكملا للآخر.

تظهر هذه الخاصية جليا في اختيار العالم الأخروي فضاء للأحداث، فالآخرة باعتبارها فضاء تخييليا، تتيح للمعري تعطيل الحدود التي يفرضها الزمن التاريخي؛ إذ يمكن لشعراء تفصل بينهم قرون أن يلتقوا في مكان واحد، وأن يتحاوروا، وأن يستعيد بعضهم أخبار بعض. وبذلك يعاد تنظيم التاريخ الأدبي وفق منطق غير منطق التعاقب الزمني. فإذا كان التراث في واقعه موزعا على عصور وبيئات وطبقات، فإن المعري يعيد جمعه في فضاء واحد.

 

لا تقتصر وظيفة هذا الجمع على إتاحة اللقاء بين الشعراء، وإنما تتصل بطبيعة الرؤية النقدية التي تحكم بناء النص، فالشخصية تنتقل من كونها وحدة تاريخية إلى كونها وحدة ثقافية داخل شبكة النص، ولعل هذا ما يفسر كثافة استدعاء الشعراء والأخبار والأشعار والروايات في الرسالة.

لا يعيد المعري في رسالة الغفران إنتاج النموذج المألوف للمصنف النقدي، وإنما يدمج الحكم في بنية سردية، إنه بعبارة أدق ” يسردن الموقف النقدي ” فلا يأتي الحكم دائما في صورة تقرير، وإنما يتولد من المواجهة بين الشخصيات ومن استدعاء الروايات والأشعار. ولذلك يمكن النظر إلى رسالة الغفران باعتبارها نصا سرديا يحتضن داخله خطابا نقديا متشعبا، لا بمعنى أن النقد مختبئ فيه بصورة منفصلة، وإنما بمعنى أن السرد نفسه صار وسيلة لممارسته. وهذه المسألة ذات أهمية بالغة؛ لأنها تحول دون اختزال الرسالة في أحد مكوناتها، فلا هي نص عجائبي، ولا رسالة أدبية، ولا مصنف في الشعر واللغة، و الأدق في تقديري أن ننظر إليها باعتبارها بنية مركبة تتفاعل فيها هذه المستويات ضمن نظام فني واحد.

يضطلع الفضاء الأخروي في الرسالة بوظيفة تنظيمية تتصل بتوزيع الشخصيات والوقائع. فالجنة والجحيم لا يظهران باعتبارهما فضاءين ساكنين يستمدان دلالتهما من ثنائية الثواب والعقاب وحدهما، وإنما يتحولان إلى مجالين للحركة والاستدعاء والحوار. إن المعري يملأهما بالشعراء والأخبار والأسئلة والأجوبة، فيتحول المكان الأخروي من إطار للعجائبي إلى فضاء أدبي تتفاعل داخله الذاكرة الثقافية.

لا بد من التنبيه على أن قراءة هذا التخييل الأخروي يقتضي قدرا وافرا من الحذر المنهجي؛ إذ لا ينبغي الانتقال من طبيعة العالم المتخيل إلى إصدار أحكام عقدية مباشرة على المؤلف. فالنص في المقام الأول، بناء أدبي يخضع لمقتضيات التخييل والسرد والمفارقة، ومن ثم فإن الجنة والجحيم في رسالة الغفران ينبغي أن يدرسا قبل كل شيء من حيث وظيفتهما الفنية والدلالية داخل النص.

محصول النظر أن المعري أقام بين السرد والنقد علاقة إنتاج متبادلة، ولم يضعهما في مستويين متجاورين؛ فالسرد يتيح للنقد أن يتحرر من صيغته التقريرية، والنقد يمنح السرد كثافته المعرفية، ومن هنا تحديدا تستمد رسالة الغفران جانبا من فرادتها في التراث العربي، والملاحظ أن المعري جعل أحدهما شرطا لوجود الآخر.

إجمالا تظل رسالة الغفران نصا مفتوحا على تعدد القراءات، بغض النظرعن غرابة عالمها الأخروي، ومرد ذلك إلى قدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والمعرفة، باعتبارها نصا يجعل التراث موضوعا للسرد، والسرد وسيلة لمساءلة التراث، وفي هذه المنطقة تحديدا تتجلى إحدى أهم وجوه العبقرية الفنية والنقدية لأبي العلاء المعري.

حتى لا يظل هذا التصور حبيس التجريد النظري، نورد في هذا السياق المقطع الآتي من الرسالة بوصفه شاهدا يكشف عن اشتغال هذه البنية السردية والنقدية ” فيهتف هاتفٌ: أتشعر أيّها العبد المغفور له لمن هذا الشَّعر؟ فيقول الشيخ: نعم، حدّثنا أهل ثقتنا، عن أهل ثقتهم، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، حتى يصلوه بأبي عمرو بن العلاء، فيرويه لهم عن أشياخ العرب، حرشة الضَّباب في البلاد الكلدات وجناة الكمأة في مغاني البداة، الذين لم يأكلوا شيراز الألبان ولم يجعلوا الثمر في الثَّبان، أنَّ هذا الشّعر لميمون بن قيس ابن جندلٍ أخي بني ربيعة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن عليّ بن بكر بن وائلٍ.. ” ¹

حين يسأل الهاتف الشيخ عن صاحب الشعر، لا تأتي الإجابة في صورة تقرير مباشر يحدد القائل وينتهي عند ذلك، وإنما تنفتح الإجابة على سلسلة طويلة من الإسناد والاستدلال، تبدأ من أهل الثقة وتمتد إلى أبي عمرو بن العلاء، ثم إلى أشياخ العرب. فالمعري يستحضر آلية الإسناد المألوفة في الثقافة العربية، ثم يضعها داخل فضاء أخروي متخيل، فينشأ من هذا الجمع توتر بين هيئة الخبر الجاد وبين طبيعة المقام العجائبي الذي يرد فيه. وبذلك يتحول الإسناد من وسيلة لإثبات الخبر إلى مادة سردية تكشف في الوقت نفسه عن وعي المعري بطرائق إنتاج المعرفة في الثقافة العربية.

إن السرد في رسالة الغفران لا يكتفي باحتضان المعرفة، وإنما يعيد إنتاجها فنيا، فالمعرفة لا تقدم بوصفها حقيقة نهائية مستقلة، وإنما بوصفها سلسلة من الأقوال والروايات والأسانيد التي يمكن أن تخضع للفحص والمقارنة والمفارقة. وهذه الخاصية تفسر جانبا من الطبيعة النقدية للنص، لأن المعري حين يجعل الرواية موضوعا للحوار ينقلها من مرتبة المسلّمة إلى مرتبة القول القابل للنظر والمساءلة.

نورد أيضا هذا المقطع ” أخبرني كيف كان خلاصك من النار، وسلامتك من قبيح الشنار؟ فيقول: سحبتني الزبانية إلى سقر، فرأيت رجلاً في عرصات القيامة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، والنّاس يهتفون به من كلّ أوبٍ: يا محمَّد يا محمّد، الشفاعة الشّفاعة.. ” ²

يكشف المقطع الثاني عن وجه آخر من وجوه السردنة، إذ يتحول السؤال عن مصير الشخصية من سؤال عقدي مجرد إلى مشهد حكائي تتوزع فيه الأدوار والأصوات والحركات. فالسؤال كيف كان خلاصك من النار؟ لا يقود قطعا إلى جواب نظري عن النجاة، وإنما يستدعي حكاية تتشكل أمام القارئ: زبانية، نار، وسقر، عرصات قيامة.

يتابع القارئ حركة الشخصيات والأقوال دون عزل ذلك في موقف نقدي منفصل، حتى يتشكل المعنى من مجموع العلائق التي يقيمها النص. وهنا يتضح معنى القول إن المعري ” يسردن الموقف النقدي ”

يكثر المعري في الانتقال بين مستويات القول؛ فالشخصية تتحدث، والشاعر يستشهد، والسؤال يستدعي جوابا، والحكاية تستدعي نصا شعريا. وهكذا لا يسير الخطاب في خط مستقيم، وإنما يتشعب وفق منطق الاستدعاء، وعلى هذا الأساس فإن كثافة الاستطراد في رسالة الغفران ينبغي أن تفسر بوصفها سمة فنية، فالمعري يكتب نصا يستمد حركته من وفرة المادة الثقافية، لكنه لا يتركها على حالها الأول؛ إذ يدخلها في شبكة من العلائق السردية، ويمنحها سياقات جديدة، ويضعها أمام شخصيات لم يكن ممكنا لها أن تلتقي في الواقع التاريخي.

تتضح أيضا علاقة أخرى، وهي العلاقة بين المعري الشاعر والمعري الناقد. فهو لا يفصل تجربته الشعرية عن حسه النقدي، ولا يتعامل مع التراث الشعري بوصفه مادة محضة، وإنما يدخل معه في حوار مستمر. وقد اتخذ هذا الحوار في رسالة الغفران صورة فنية مركبة، وبذلك يمكن تجاوز الثنائية التقليدية التي تفصل بين المعري الأديب والمعري اللغوي.

إننا في نهاية المطاف أمام نص لا يمكن أن يستقر على صورة واحدة: رسالة، رحلة، حكاية عجائبية، مصنف نقدي. فهذه التسميات وإن كشفت جانبا من النص، تظل عاجزة عن الإحاطة بتشعباته الداخلية، والأدق أن ننظر إليه باعتباره بنية خطابية مركبة، تتفاعل فيها الرسالة مع السرد، والسرد مع المعرفة، والمعرفة مع النقد، والنقد مع التخييل. وفي هذا التفاعل تحديدا تتولد خصوصية وفرادة النص المعرّي.

 

هوامش:

¹ ص75- رسالة الغفران – أبو العلاء المعري – تحقيق فوزي عطوي – الشركة اللبنانية للكتاب.

² 75- رسالة الغفران – أبو العلاء المعري – تحقيق فوزي عطوي – الشركة اللبنانية للكتاب.

ناقد من المغرب.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

الحَسَن الگـامَـح*   على سبيل البدء في عالم الفن التشكيلي، يظل الألم الإنساني أحد أكثر …

اترك تعليقاً