حين ينقسم الزمن قراءة في كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق

سمير اليوسف*
ثمة كتب تقرأ الزمن بوصفه ما يمر، وكتب تقرأه بوصفه ما يتركه المرور في الإنسان. لكن كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق يذهب إلى منطقة أبعد: ماذا لو كان الزمن نفسه لا يمر في اتجاه واحد؟ ماذا لو كانت كل لحظة زمنية تحمل، إلى جانب حضورها الظاهر، وجهًا آخر لا يغيب بانقضائها؟ وماذا لو لم يكن ما نسميه غيابًا خروجًا من الوجود، وإنما انتقالًا إلى صورة أخرى منه؟
من هذه الأسئلة يبدأ مشروع الكتاب، لكنه لا ينتهي عند الزمن. فالزمن عند لهيب ليس موضوعًا مستقلًا عن الوجود، وإنما هو المدخل الذي تحاول من خلاله إعادة النظر في بنية الوجود والوعي والذاكرة واللغة والتاريخ، ثم في الأدب والفن. ولهذا لا يبدو الكتاب بحثًا في الزمن بالمعنى المألوف، بقدر ما يبدو محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين ما يظهر وما يختفي، وما يحضر وما يغيب، وما يتحقق وما يظل ممكنًا.

ومنذ “الأسس الاصطلاحية” يتضح أن المؤلفة لا تقدم مصطلحًا وحيدًا، وإنما تسعى إلى إقامة نظام مفاهيمي تتصل عناصره بعضها ببعض لتفسير الوجود والوعي والخلق. وهي تسمي هذا البناء “الازدواج الأنطولوجي للزمن”، بما يعني أن القضية ليست ازدواجًا في الزمن فقط، بل في طريقة تشكل الوجود نفسه. (ص 17)
وهنا تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية.
فالوجود، في هذا التصور، لا يبدأ بوحدة ساكنة ثم يتعرض بعد ذلك للانقسام، وإنما يحمل في بنيته الأولى إمكانية الانشطار. ولذلك تتحدث المؤلفة عن “القوة التوليدية المزدوجة” بوصفها قوة تسبق كل وجود، ثم عن “القوة المنبثقة” التي تدفع الإمكان الكامن في البرزخ نحو الفعل، وعن “القوة الحافظة” التي تصون الأثر داخل الحاضر. (ص 17)
إنها، بهذا المعنى، لا تنظر إلى الازدواج بوصفه انقسامًا عرضيًا، بل بوصفه قانونًا توليديًا.
وهذا فارق جوهري.
فالازدواج ليس هنا: هذا أو ذاك، ولا هو صراع بين طرفين يريد أحدهما إلغاء الآخر؛ وإنما هو حركة تنتج طرفين، ثم تنتج بينهما علاقة تحفظ إمكان استمرار كل منهما. ولهذا تأتي فكرة “البرزخ” لتحتل موقع القلب في هذه المنظومة.
البرزخ: ليس منطقة بين طرفين
قد يبدو البرزخ، في الاستخدام الأول للمفهوم، مجرد مساحة فاصلة بين طرفين. لكن الكتاب يقلب هذه الصورة. فالبرزخ ليس فراغًا، وإنما مجال توليد؛ ليس ما يفصل الموجودات فقط، بل ما يحفظ العلاقة بينها ويمنع الانقسام من التحول إلى قطيعة.
تقول المؤلفة إن “البرزخ الكوني” يعمل على حفظ التوازن بين “الظهور والاحتفاظ”، وأنه ليس حدًا ساكنًا، وإنما مجالًا تتفاعل داخله القوى التوليدية. (ص 18)
وهنا يبدأ المفهوم في إنتاج دلالته الحقيقية.
فالظاهر لا يلغي الخفي، والحضور لا يمحو الغياب. وما انقسم لا ينفصل بالضرورة؛ لأن هناك منطقة ثالثة تحفظ العلاقة بين طرفي الانقسام. ومن هذه المنطقة يتولد ما تسميه المؤلفة “الكيان الموازي”.
وبذلك يصبح لدينا بناء ثلاثي أكثر منه ثنائيًا:
ظاهر ـ برزخ ـ خفي.
وهو بناء مهم؛ لأنه يخرج الازدواج من فكرة الثنائية الجامدة إلى فكرة الحركة والتوليد.
اللحظة التي لا تنتهي
إذا كان الوجود مزدوجًا، فلابد أن يظهر هذا الازدواج في الزمن. ومن هنا تأتي فكرة “اللحظة المتشظية”، وهي من أكثر مفاهيم الكتاب أهمية.
فاللحظة ليست مجرد نقطة بين ماضٍ ومستقبل، بل وحدة تحمل في داخلها أثرًا وإمكانًا. تقول المؤلفة إن اللحظة المتشظية تحمل نصفًا ظاهرًا في تيار الحاضر، ونصفًا آخر يتصل بالذاكرة وبإمكان ما سيأتي. (ص 19)
وهذا التصور يغير علاقتنا بالماضي.
فالماضي، وفق هذه الرؤية، لا يصبح ماضيًا بمعنى أنه ينتهي، وإنما يواصل حضوره بوصفه أثرًا. والحاضر ليس لحظة مستقلة، بل لحظة تحمل شيئًا مما سبقها، وتفتح في الوقت نفسه على ما لم يحدث.
إننا، إذن، لا نعيش «الآن» وحده.
نحن نعيش في الآن ما بقي من الأمس، وما نستبق من الغد.
وهنا يقترب مفهوم الزمن من التجربة الإنسانية اليومية. فالذكرى ليست مجرد صورة محفوظة في العقل، والانتظار ليس فراغًا بين حدثين؛ كلاهما شكل من أشكال استمرار ما لم يعد حاضرًا أو ما لم يصبح حاضرًا بعد.
ولهذا تستفيد المؤلفة من مفهومي الاحتفاظ والاستباق لتقول إن الوعي لا يتلقى اللحظة منفصلة، وإنما يحمل فيها أثر الماضي وإمكان المستقبل. (ص 84–85)
إن الزمن، بهذه الصورة، لا يكون خطًا مستقيمًا بقدر ما يكون نسيجًا من الطبقات المتداخلة.
الكيان الموازي: الوجه الذي لا نراه
من هنا نصل إلى مفهوم “الكيان الموازي”، وهو ربما المفهوم الذي يمنح نظرية الازدواج أكثر خصائصها وضوحًا.
فالكيان الموازي ليس نسخة من الكيان الأول، ولا صورة طبق الأصل عنه. المؤلفة تقدمه بوصفه “الإمكان الآخر للوجود”؛ أي الوجه الذي يتولد من الانشطار، ويبقى مرتبطًا بالأصل من خلال البرزخ. (ص 20)
وهنا تتغير دلالة “الآخر”.
فالآخر ليس بالضرورة شيئًا يقع خارج الذات أو خارج الكيان، وإنما يمكن أن يكون إمكانًا كامنًا فيه.
ومن هنا يمكن فهم كثير من الظواهر التي يستدعيها الكتاب: القرين، الظل، الذاكرة، الانعكاس، الحلم، الغياب، المنفى، وحتى بعض أشكال الهوية المزدوجة.
كلها، بدرجات مختلفة، يمكن أن تصبح صورًا للوجه الآخر الذي لا يظهر في اللحظة نفسها التي يظهر فيها الوجه الأول.
ولعل هذا هو ما يجعل الكتاب أكثر إثارة حين يغادر التجريد الفلسفي ويتجه نحو الأدب.
فكم من شخصية روائية تحمل داخلها شخصية أخرى؟
وكم من بطل أدبي يعيش بين حياته التي عاشها وحياة أخرى كان يمكن أن يعيشها؟
وكم من مكان غائب يظل حاضرًا في ذاكرة صاحبه؟
وكم من ماضٍ انتهى في التاريخ، لكنه لم ينته في الإنسان؟
هنا يصبح “الكيان الموازي” أداة محتملة لقراءة التجربة الأدبية لا مجرد مصطلح أنطولوجي.
من الوجود إلى اللغة
لكن المشروع لا يتوقف عند الإنسان.
فالازدواج ينتقل إلى اللغة نفسها.
تتحدث المؤلفة عن “لغة الجوهر”، وعن لحظة انفصال الكلمة عن جوهرها، بحيث يبقى للكلمة وجه ظاهر، بينما يظل في داخلها شيء من أثر الجوهر الأول. ومن هذا الانفصال ينشأ ما تسميه “البرزخ اللغوي”. (ص 20–21)
وهنا تقترب النظرية من الأدب بصورة أكثر مباشرة.
فالكلمة ليست ما تقوله فقط.
هناك دائمًا ما تتركه وراءها.
وفي الشعر تحديدًا قد يكون هذا “المتبقي” أكثر أهمية من المعنى المباشر. فالصورة الشعرية لا تنتهي عند صورتها، والكلمة لا تنغلق عند تعريفها، والصمت ليس دائمًا غيابًا للكلام، بل يمكن أن يكون طبقة أخرى من القول.
ولهذا يصبح البرزخ اللغوي منطقة بين الكلمة وجوهرها، بين المعنى الظاهر والمعنى الذي يظل قابلًا للتولد.
وهنا تبدأ النظرية في الاقتراب من سؤال نقدي شديد الأهمية:
إذا كان الوجود نفسه مزدوجًا، فهل يمكن أن تكون اللغة التي تمثله أحادية المعنى؟
الكتاب لا يطرح السؤال بهذه الصيغة وحدها، لكنه يقود إليه.
التاريخ أيضًا له وجهان
حين تنتقل المؤلفة إلى التاريخ والهوية، لا تعود القضية مرتبطة بالماضي بوصفه زمنًا منقضيًا فقط، وإنما بما يبقى من هذا الماضي في الحاضر.
التاريخ الرسمي، في هذه الرؤية، ليس كل التاريخ. هناك دائمًا ما لم يدخل الوثيقة، وما بقي في الذاكرة، وما حفظه الأدب، وما انتقل عبر الحكاية والصورة والأغنية.
وهكذا يظهر ما يمكن تسميته التاريخ الموازي: التاريخ الذي لا يختفي حين يغيب عن السجل الرسمي.
والأمر نفسه يحدث في الهوية.
فالهوية لا تتكون من حاضرها فقط، وإنما من طبقات من الذاكرة والفقد والانتماء والتحول. ولهذا يمكن أن تحمل الجماعة داخلها أكثر من صورة لنفسها: الصورة التي تقدمها عن ذاتها، والصورة التي صنعتها التجربة التاريخية، والصورة التي بقيت في الذاكرة.
وهنا يعود البرزخ مرة أخرى، لا بوصفه حدًا جغرافيًا أو زمنيًا، بل بوصفه المكان الذي تتجاور فيه الصور المختلفة للهوية دون أن يلغي بعضها بعضًا.
حين يدخل الأدب إلى قلب النظرية
ربما هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
فمن السهل نسبيًا أن نقول إن الوجود يحمل ظاهرًا وخفيًا، وإن الحضور يحمل أثر الغياب. لكن هل تستطيع هذه الفكرة أن تفعل شيئًا بالنص الأدبي؟
هذا السؤال هو الذي يجعل الفصول التطبيقية في الكتاب مهمة.
فالمؤلفة تقرأ الأدب والفن لا بوصفهما أمثلة تزيينية لنظرية جاهزة، وإنما باعتبارهما مجالًا يمكن أن تظهر فيه البنية المزدوجة نفسها.
في الرواية يمكن أن يظهر الانشطار في الشخصية.
وفي الشعر يمكن أن يظهر في الكلمة والصورة والإيقاع.
وفي الفن التشكيلي يمكن أن يظهر في العلاقة بين الشكل وانعكاسه، أو بين المرئي وما يتخفى خلفه.
وفي المسرح يمكن أن يظهر بين الممثل والشخصية، والقناع والوجه، والواقع والتمثيل.
وبذلك يصبح العمل الفني نفسه برزخًا بين مستويين من الوجود.
وهنا تكتسب فكرة «الكيان الموازي» قيمة نقدية محتملة؛ لأن النص قد لا يكون مجرد تمثيل لوجود مزدوج، بل قد يكون هو نفسه المكان الذي يتولد فيه الوجود الموازي.
وهذه النقلة هي التي تجعلني أميل إلى وصف مشروع لهيب بأنه مشروع نظرية نقدية أنطولوجية حديثة، لا مجرد تصور فلسفي عن الزمن.
لكن هل اكتملت النظرية؟
هنا ينبغي أن نتوقف.
لأن الإعجاب بالمشروع لا ينبغي أن يدفعنا إلى منحه حكمًا لم يثبت بعد.
نعم، الكتاب يمتلك منظومة مفاهيمية واضحة نسبيًا. ونعم، هذه المفاهيم ليست متناثرة تمامًا، بل ترتبط في بنية تبدأ بالقوة التوليدية، ثم الانشطار، فالبرزخ، فاللحظة المتشظية، فالنصف الظاهر والنصف الظل، ثم الكيان الموازي والحجاب واللغة. ويظهر هذا الترابط بوضوح في الأسس الاصطلاحية للكتاب. (ص 21)
بل إن المؤلفة نفسها تذهب إلى أن هذه المفاهيم تشكل “الإطار البنيوي” لنظرية الازدواج الأنطولوجي للزمن.
لكن النظرية النقدية لا تكتمل بكثرة المفاهيم.
السؤال الأصعب هو:
هل تنتج هذه المفاهيم معرفة جديدة؟
هل تجعلنا نرى في النص شيئًا لم يكن ممكنًا رؤيته قبلها؟
هل تستطيع أن تميز بين الانشطار الحقيقي في بنية النص وبين مجرد وجود ثنائية عادية؟
هل يمكن تحديد البرزخ داخل النص بمعايير واضحة؟
ومتى يصبح الظل “كيانًا موازيًا” وليس مجرد رمز أو صورة أو شخصية أخرى؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الكتاب، وإنما تحدد المسافة التي تفصل المشروع النظري عن النظرية المكتملة.
والكتاب نفسه يبدو واعيًا بهذه المسافة؛ فهو لا يتعامل مع الازدواج بوصفه نظامًا مغلقًا، وإنما يفتح مجاله على مزيد من الاختبار والتطبيق.
وهذا، في رأيي، نقطة قوة لا نقطة ضعف.
فالنظرية التي تزعم أنها حسمت الوجود كله قد تغلق باب الحوار، بينما النظرية التي تعرف أن قيمتها في قدرتها على إنتاج الأسئلة تستطيع أن تستمر.
ما الذي يميز المشروع إذن؟
أعتقد أن خصوصية الكتاب لا تكمن في اكتشاف أن الوجود يحتوي على ثنائيات؛ فهذه فكرة أقدم من الكتاب.
ولا تكمن كذلك في القول إن الإنسان يعيش بين الحضور والغياب، أو إن الذاكرة تعيد الماضي إلى الحاضر.
خصوصية المشروع تبدأ عندما تحاول المؤلفة إعادة تنظيم هذه الظواهر كلها داخل قانون واحد:
الانشطار لا يؤدي إلى قطيعة، بل يستدعي برزخًا؛ والبرزخ يحفظ العلاقة؛ والعلاقة تنتج كيانًا موازيًا؛ والكيان الموازي يترك أثرًا؛ والأثر يعود ليؤثر في الحاضر.
هذه السلسلة هي التي تمنح المشروع هويته.
وهي أيضًا التي تجعلنا نتوقف عند مفهوم “الازدواج” لا بوصفه ثنائية ساكنة، بل بوصفه حركة توليدية مستمرة.
ففي بعض مواضع الكتاب تذهب المؤلفة إلى أن الازدواج ليس مجرد انقسام، وإنما قانون يحفظ الاختلاف ويمنع التناقض من التحول إلى انفصال نهائي. وتربط ذلك بفكرة أن كل طرف يحتفظ بأثر الآخر داخله. (ص 83–87)
وهنا، في تقديري، يقع قلب المشروع.
من “الزمن” إلى “النص”
قد يكون أهم ما يفعله الكتاب أنه يبدأ من الزمن، ثم ينتهي إلى سؤال القراءة.
فالزمن يكشف أن الحاضر ليس مكتفيًا بذاته.
والذاكرة تكشف أن الغياب يمكن أن يستمر.
والهوية تكشف أن الإنسان ليس صورة واحدة.
واللغة تكشف أن الكلمة لا تستنفد معناها.
والأدب يكشف أن الشخصية ليست بالضرورة وحدة مغلقة.
والفن يكشف أن الصورة يمكن أن تحمل أكثر من وجه.
وهكذا تنتقل النظرية تدريجيًا من أنطولوجيا الزمن إلى أنطولوجيا النص.
وهذا الانتقال هو الذي يمنح الكتاب قيمته النقدية الحقيقية.
فإذا استطاعت النظرية أن تقرأ النص بوصفه فضاءً ينشطر فيه الوجود، ويتولد من هذا الانشطار معنى آخر، فإنها تكون قد قطعت المسافة الأساسية بين الفلسفة والنقد.
أما إذا ظلت المفاهيم مجرد أسماء جديدة لظواهر تستطيع المناهج الأخرى وصفها بالسهولة نفسها، فإن مشروعها سيبقى مهمًا بوصفه تركيبًا فلسفيًا، لكنه لن يكون قد وصل بعد إلى القطيعة التي تجعل منه نظرية نقدية مستقلة.
وهذا الحكم، في رأيي، ينبغي أن يبقى مفتوحًا.
وفي النهاية: ماذا يبقى من الزمن؟
ربما نعود هنا إلى السؤال الأول.
ماذا يحدث للزمن حين ينقسم؟
الجواب الذي يقترحه الكتاب ليس أن الزمن يتشظى فيختفي، وإنما أنه ينقسم لكي يستمر.
فاللحظة التي تنتهي تترك أثرًا.
والغياب الذي يحدث يترك حضورًا.
والذاكرة لا تعيد الماضي كما كان، وإنما تمنحه وجودًا جديدًا.
واللغة لا تعيد الشيء، وإنما تنتج له صورة أخرى.
والنص لا يغلق المعنى، وإنما يتركه مفتوحًا على إمكانات جديدة.
من هنا يصبح “الازدواج الأنطولوجي” أكثر من فكرة عن الزمن. إنه محاولة للنظر إلى الوجود من جهته التي لا تظهر كاملة.
ولعل أجمل ما في هذه المحاولة أنها تجعلنا نعيد النظر في معنى النهاية نفسها.
فما ينتهي زمنيًا قد لا ينتهي وجوديًا.
وما يغيب عن العين قد يظل حاضرًا في الذاكرة.
وما يفقد صورته الأولى قد يجد صورة أخرى في اللغة.
وما يبدو نصفًا منسيًا من الوجود قد يكون، في مكان آخر، نصفه الأكثر قدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن قيمة كتاب لهيب عبد الخالق، في قراءتي الأولى له، لا تكمن فقط في السؤال الذي يطرحه عن الزمن، وإنما في الطريقة التي يحاول بها تحويل هذا السؤال إلى رؤية للوجود، ثم إلى أداة محتملة لقراءة النص والفن والإنسان.
وإذا كان من المبكر أن نقول إننا أمام نظرية نقدية مكتملة، فليس من المبكر، في المقابل، أن نقول إننا أمام مشروع نظري جاد وطموح، يحاول أن يمنح النقد العربي جهازًا مفاهيميًا جديدًا يقوم على فكرة أن الموجود لا يستنفد في صورته الظاهرة، وأن وراء كل حضور إمكانية أخرى، وأن بين الاثنين برزخًا لا يفصل بقدر ما يولّد.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأخير في الكتاب:
أين ذهب ما غاب؟
بل:
ماذا بقي منه فينا؟
فربما لا يكون الزمن، في نهاية الأمر، هو ما يمضي.
ربما يكون الزمن هو ما يبقى فينا بعد أن يمضي.
ناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي