حوار مع المبدع اليمني نجيب التركي

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
يقدم نجيب التركي في هذا الحوار رؤية صريحة حول ماهية الكتابة ورسالتها الإنسانية، مستحضرًا أثر الرصيد القرائي المتنوع والمحيط العائلي الثقافي في تشكيل وعيه الأدبي، بدءًا من إصداره الأول «شيءٌ من أثر الغياب»، وصولًا إلى اشتغالاته الروائية والنقدية المتتابعة. ولا يقف الحوار عند حدود التجربة الذاتية، بل يتسع ليطرح أسئلة شائكة تمس واقع الأدب العربي واليمني اليوم؛ كتحولات الرواية في مواجهة التحولات الاجتماعية، وحضور الكتابة النسوية، والعلاقة بين أصالة التجربة الإنسانية وتسلل الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى القراءة المتأنية لقيمة الجوائز الأدبية ومقاييس الأثر الحقيقي للنص. يسرنا أن نضع بين يدي القارئ هذا الحوار الشامل، الذي يقدم فيه ضيفنا شهادة حية عن هموم المبدع وشواغله، وعن تجربة يمنية تجعل من الكلمة أفقًا أرحب للتعبير والأثر.
ورقة عن المبدع نجيب التركي
كاتب وناقد يمني،
يشكّل حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي والثقافي المعاصر.
تتوزع تجربته بين السرد الرائع والنقد البصير؛ حيث يصوغ في رواياته وقصصه عوالم إنسانية عميقة، ويستقرئ في قراءاته النقدية نصوص السرد اليمني برؤية تحليلية ثرية.
إلى جانب نتاجه الإبداعي والنقدي، يُسهم بفاعلية في رعاية المواهب الشابة وتدريبها، وإدارة المشاريع والمجلات الثقافية.
البيانات الشخصية والتعليم
الاسم: نجيب عبد الرزاق التركي
تاريخ ومكان الميلاد: أمانة العاصمة – شعوب (1985م)
المؤهل العلمي: ثانوية عامة
المؤهلات التدريبية والأكاديمية: شهادة في الدبلوماسية الثقافية من جامعة الريان (حضرموت)
صدر له (الإصدارات الأدبية والنقدية)
- “شمس الشتاء رواية
- خطوات الأعمى رواية
- كرنفال” مجموعة قصصية
- شيءٌ من أثر (نصوص نثرية) – صادر عن متجر أوسكار بوك
- عينٌ على النص: قراءات في روايات يمنية (كتاب نقدي)
- على مهل.. إضاءات على مجموعات قصصية يمنية (كتاب نقدي)
مشاركات في كتب مشتركة
- قصة “عواء” نُشرت ضمن المجموعة القصصية المشتركة “وميض متجدد 1” الصادرة عن نادي القصة (إل مقه).
- قصة “فم وهاوية” نُشرت ضمن كتاب ” قبل الصبح بقليل: الصادر عن مشروع قنطرة الإبداعي.
- إشراف وتحرير كتاب “وميض متجدد 2” كنتاج للورشة التدريبية التي أقامها لكتابة القصة والرواية.
العضويات والمهام الثقافية
- عضو نادي القصة (إل مقه).
- عضو مشروع (قنطرة) الإبداعي.
- عضو هيئة التحرير بـ مجلة (أقلام عربية).
- عضو لجنة تحكيم مسابقة (عدّاء القراءة اليمني).
التدريب والأنشطة الثقافية
- عام 2020: تدريب مجموعة من الشباب على كيفية كتابة القصة والرواية تحت مظلة مشروع “اليمن تكتب”.
- عام 2021: تدريب ورشة عمل تضم 48 كاتباً وكاتبة، والتي تُوّجت بإصدار كتاب “وميض متجدد 2”
- المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية
- كيف يرى المبدع نجيب التركي الكتابة بصفة عامة؟ وما رسالتها برأيك؟
في البدء كانت الكلمة، هكذا عرفتُها من خلال ما قرأت، وربما لهذا انعكس حضورها جليًا فيما أقدمه من وجهات نظر في أغلب ما يصلني من كتابات أدبية. أرى أن الكتاب حيوات متعددة، وأن الإنسان لا غنى له عنها، سواء امتلك القدرة على الكتابة أم لم يمتلكها. فمن يعجز عن التعبير عما يجيش بداخله بالكلمات، قد يستعرض لوحة فنية مبهرة، أو يقدم مقطوعة غنائية غاية في الدقة والحس المرهف، وهكذا تتعدد طرق الإنسان في قول ما يريد.
أما رسالة الكتابة فهي واسعة ومتعددة الجوانب، ولعل أهمها أن تمنح الكاتب مساحة يقول فيها ما يعجز عن قوله خارجها، ويخفف شيئًا مما يثقل روحه، حتى لا يضطر إلى الذهاب إلى الطبيب النفسي. وطبعًا أحدثك هنا ككاتب، لا كطبيب.
- من أين استمددت تجربة الكتابة لديك؟ وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما أول نص كتبته، أو أول عمل بارز في بداياتك؟
استمددت تجربة الكتابة أولًا من القراءة. قرأت صحيفة الثورة، ومجلة العربي، ومجلة الكويت، ومجلة نزوى العمانية، ودبي الثقافية، وكل منهل قرائي بذلت فيه جهدًا، خفيًا كان أم ظاهرًا. كنت أقرأ، ومع اتساع القراءة بدأت تتشكل لديّ علاقة مختلفة بالكلمة.
أما دخولي بحر الإبداع، فلم يكن بعيدًا عن بيئة عائلية كان للثقافة فيها حضور واضح. جدي طبيب أعشاب وقارئ حصيف للقرآن، ووالدي صيدلاني مثقف يتحدث ثلاث لغات، وعمي عبد المجيد شاعر كان لقصائده صداها في اليمن والوطن العربي، وعمل محررًا صحفيًا في أكثر من صحيفة، وأشرف على أكثر من خمسين ملحقًا ثقافيًا في صحيفتين. في هذا المحيط وضعت قاربي وحركت مجدافي، وبدأت أكتب مستندًا إلى ما راكمته من قراءة وملاحظة وتجربة. ومع اتساع القراءة تفتحت لي زهرة الكتابة، ثم أخذت ثمرتها تنضج مع الوقت، ولكل ثمرة موسمها. أما أول نص كتبته، فكان قصيدة غزلية من ستة أبيات، كتبتها عام 2003. وأما أول عمل بارز في بداياتي، فهو كتاب (شيءٌ من أثر الغياب) نصوص شعرية.
- أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب: الشعر، النقد، الرواية، أم غيرها؟ ولماذا؟
طُرح هذا السؤال عليّ كثيرًا في بدايات كتاباتي المتعددة. كان من سبقوني إلى الكتابة في أجناس أدبية مختلفة ينصحونني بالحرف: (نجيب، حدد الجنس الذي تريد أن تكتب فيه لتبدع). لكنني رفضت الفكرة؛ ليس عنادًا، وإنما لأن الاشتغال على الذات كان يجري داخلي بوتيرة عالية، ولم أكن أريد أن أضعه في قالب واحد.
كتبت النص المفتوح، والخاطرة، والقصة القصيرة والقصيرة جدًا، والرواية، والنقد. ومع الوقت جاءت النتائج لتقول إن التجربة قادرة على التحرك بين أكثر من جنس أدبي، فبدأ من كانوا ينصحونني بالتحديد يقرأون ما أكتب، ثم يطلبون مني وجهة نظري في كتبهم.
أما النقد تحديدًا، فقد فتح لي بابًا مختلفًا، حتى إن بعض أساتذة الجامعة كانوا يتساءلون: أي مدرسة يتبع نجيب في تقييم الأعمال الأدبية؟
لذلك لا أستطيع أن أقول إنني أجد ذاتي في جنس أدبي واحد أكثر من غيره. ربما أجدها في الكتابة نفسها، حين تتيح لي أن أختبر أكثر من صوت وشكل، وأن أذهب إلى الفكرة بالطريقة التي تناسبها. أما لماذا جاءت التجربة بهذا التنوع، فذاك في علم الغيب وحده.
- ماذا حقق المبدع نجيب التركي في مجال الكتابة، بحكم ارتباطك العميق بها؟
حققت لي الكتابة أولًا اعترافي بذاتي، ثم اعتراف الآخرين بما أقدمه، وإن كان اعتراف الآخرين لم يكن يومًا غايتي الأولى. كنت معنيًا بأن أعرف ما أستطيع فعله، وأن أختبر قدرتي على الاستمرار وسط التحديات، ومع كثرتها كان لا بد لنجم نجيب أن يجد طريقه إلى الضوء.
لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر هو ما حققته الكتابة من سعادة لمن حولي، وأعني بهم أسرتي. كانوا خير سند لي، ولولا صبرهم وتفانيهم في توفير الأجواء المناسبة للكتابة، ولو في حدود بسيطة، لما كان لذلك السند أثره العميق في مسيرتي الأدبية.
لذلك لا أختصر ما حققته في كتاب صدر، أو نص كُتب، أو اسم أصبح معروفًا، بل أراه في تلك المسافة التي قطعتها من محاولة إثبات الذات إلى القدرة على ترك أثر، وفي أسرة آمنت بما أفعل ومنحتني الوقت والصبر لأواصل.
المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها
ما أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في أصناف الكتابة التي تمارسها، من شعر ونقد ورواية؟ وكيف تتعامل مع حصار الكلمات أو جفاف الإلهام؟
الكثير يتحدثون عن التحديات والمعوقات، أما بالنسبة لي فأكبر تحدٍّ هو الوقت. ما عدا ذلك أستطيع التعامل معه ومواجهته بنفسي.
أنا لا أكتب حسب المزاج، أكتب حين يستدعي موقف أو فكرة أن أكتب عنها، حتى لو مرّ عام كامل قبل أن أجد اللحظة المناسبة لها. لذلك لا أؤمن كثيرًا بما يسمى حصار الكلمات أو جفاف الإلهام. ما دمت في حالة قراءة مستمرة، فالكلمات لا تنضب، والحياة نفسها مليئة بما يستحق أن يُكتب عنه.
على الكاتب أن يحدد اتجاه بوصلته، وأن يظل في حالة يقظة تجاه ما حوله، وأن يشحذ قريحته بقراءة متنوعة، غير محصورة في جنس أدبي أو تخصص بعينه. بالنسبة لي، القراءة ليست استعدادًا للكتابة فحسب، القراءة هي الوقود الذي يبقيها حيّة.
- هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير في أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟
أعتقد أن الإنسان ابن بيئته، سواءً قيلت هذه العبارة أولًا أم لم تُقَل، فهي في جوهرها حقيقة يصعب إنكارها. والبيئة الجغرافية والثقافية التي عشت فيها كانت حاضرة في تكويني، كما كانت حافزًا لي ولغيري على الكتابة.
أتعامل مع البيئة بوصفها بوصفها كل ما يحيط بالإنسان ويصنع أسئلته وقلقه وذاكرته. لذلك تجد الحب والحرب، الماء والنار، البين والقرب، وكل ما له صلة بنا كبني آدم حاضرًا، وبقوة، في أغلب أعمالي.
أما انعكاس البيئة في النص، فأراه أمرًا طبيعيًا ومرحبًا به. لا أستطيع، ولا أريد، أن أخفي ما تركته الأمكنة والناس والتجارب في كتابتي. فالكاتب يكتب ما عاشه، وما رآه، وما ظل عالقًا في ذاكرته، حتى حين يتخيل عوالم تبدو بعيدة عنه.
- كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما الدور الذي تؤديه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟
العلاقة بين القراءة والكتابة عندي علاقة أم برضيعها؛ كلما قرأت استطعت، ككاتب، أن أُطوّع اللغة وأجددها وأفتح لها آفاقًا أخرى. والأهم من ذلك أن القراءة تحميني من الوقوع في التكرار، خصوصًا تكرار المفردات والتراكيب التي قد تجعل نصوص الكاتب تبدو وكأنها تنتمي إلى قاموس واحد لا يتغير.
أما عن دور القراءة في تشكيل تجربتي، فهو أساسي. في بداياتي كنت أستعجل ظهور أثر ما أقرأه في كتاباتي، وكنت أستاء من تأخر ذلك الأثر، ثم أدركت مع الوقت أن القراءة لا تعمل بهذه الطريقة المباشرة، وأن تأثيرها يتراكم في الكاتب ببطء، ويظهر تباعًا في لغته ونظرته وطريقته في بناء النص. وغالبًا ما يلحظ القارئ المتابع هذا التحول قبل الكاتب نفسه.
ولهذا أرى أن الكاتب، وإن كان حصيفًا، لا يمكن أن يكون مرآة نفسه. القراءة تمنحه تلك المرآة التي يرى فيها ما تغيّر فيه، وما أضافته الكتب إلى تجربته دون أن يشعر.
المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
- كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم؟ وما أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟
أراها تجربة ثرية وغنية عن التعريف، وفيها أصوات عربية استطاعت أن تتجاوز حدود بلدانها وتنافس على الجوائز العربية والعالمية. ومن اليمن تحديدًا بدأ كتّابها ينافسون بقوة، وكان آخر ما أسعدني حصول الدكتورة والروائية اليمنية نادية الكوكباني على جائزة نجيب محفوظ، وهو فخر لنا كيمنيين، وللمشهد العربي عمومًا.
وأنا قريب من الرواية العربية في قراءتي، ولا سيما اللبنانية والسورية، وقد قرأت مؤخرًا عددًا من الروايات اللبنانية، كما قرأت نماذج من الرواية المغربية والتونسية والجزائرية، وأرى أن هذه التجارب تمتلك ما يؤهلها للمنافسة والحضور، ولكل منها خصوصيتها وأسئلتها وأصواتها.
أما التحديات، فأرى أن الرواية اليمنية تواجه تحديًا خاصًا يتمثل في أن تجربتها شديدة الالتصاق بواقعها، وفي الوقت نفسه شديدة القرب من عين القارئ والناقد العربي والأجنبي. وهذا يضعها أمام اختبار مضاعف: كيف تقدم خصوصيتها المحلية دون أن تتحول إلى مجرد وثيقة عن المكان، وكيف تجعل من تجربتها اليمنية تجربة إنسانية قادرة على الوصول إلى قارئ بعيد عنها؟
أما الفرصة الكبرى، فهي أن هذا الواقع نفسه يزخر بما لم يُكتب بعد. الحرب، والهجرة، والذاكرة، والتحولات الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية، كلها مادة روائية واسعة، وإذا استطاع الكاتب أن يحولها من مجرد واقع إلى فن، فستجد الرواية اليمنية طريقها إلى القارئ العربي والعالمي.
- ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية، في ظل الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها اللافت في مختلف المجالات الإبداعية؟
اختلف كثيرون حول مصطلح (الكتابة النسوية)، وأنا أميل إلى النظر إلى النص أولًا بعيدًا عن تصنيف كاتبه أو كاتبته. هناك كتابة تعني الإنسان ككل، دون تمييز، وما يبقى في النهاية هو جمال النص وقيمته وقدرته على الوصول إلى القارئ. الجميل يظل عالقًا في الذاكرة، أما الضعيف فيترك جانبًا بعد الصفحات الأولى، ولذلك أرى أن التركيز على المضمون والفن أهم من الانشغال بالمصطلحات الرنانة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الحضور اللافت للكاتبات العربيات اليوم. وفي اليمن تحديدًا، تبذل كاتبات كثيرات جهدًا واضحًا لفرض حضورهن والتقدم في المشهد الأدبي. وعلى المستوى العربي، هناك أسماء أتابعها باهتمام، مثل نجاة عبد الصمد، وحنين الصايغ، وإيمان حميدان، وهدى بركات، وفتحية دبّش، ولكل واحدة منهن عالمها الخاص وطريقتها في الكتابة وما تطرحه من أسئلة.
لذلك لا أحب أن أضعهن في سلم للمفاضلة، ولا أرى أن كثرة الإصدارات وحدها معيار للحضور. ما يعنيني هو النص الذي يستطيع أن يعيش بعد انتهاء القراءة، وأن يترك أثرًا في القارئ. وفي هذا المعنى، أرى أن الكتابة النسائية العربية قطعت شوطًا مهمًا، وما زال أمامها الكثير لتقوله.
- مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يومًا عن الكتابة بوصفها وسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر في مستقبل الكتابة الإبداعية؟
سؤالك يلامس نقطة مهمة وجوهرية. لا أعتقد أننا سنستغني عن الكتابة بوصفها وسيلة للتعبير والتوثيق، مهما تطورت التكنولوجيا؛ لأن الآلة، مهما بلغت قدرتها، تحتاج دائمًا إلى مدخلات متجددة، والإنسان هو مصدر هذه المدخلات، وهو صاحب التجربة التي تمنحها معناها.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح حاضرًا بوضوح في المشهد الكتابي. بعض من سبقونا إلى الكتابة ينظرون إليه بتحفظ شديد، بينما تعامل معه كثير من الكتاب الذين عاشوا تجربة الكتابة قبل ظهوره بوصفه أداة مساعدة، خصوصًا في البحث وجمع المعلومات وتوفير الوقت والجهد، مع بقاء الكتابة نفسها مسؤولية الكاتب.
المعضلة تبدأ حين يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تساعد الكاتب إلى بديل عن تفكيره وكتابته. حينها قد نحصل على نص سليم من الخارج، لكنه يفتقد التجربة الإنسانية التي تمنحه روحه وحيويته. فالآلة تستطيع أن تساعدك في الوصول إلى المعلومة، وربما في ترتيبها، لكنها لا تستطيع أن تعيش حياتك بالنيابة عنك، ولا أن تمنح النص ذلك الأثر الذي يأتي من تجربة صاحبه.
لذلك لا أخشى على الكتابة من الذكاء الاصطناعي بقدر ما أخشى على الكاتب من أن يتخلى عن دوره لمصلحته.
المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية
ما الكتاب الذي أثّر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
الكتب التي أثرت في تجربتي كثيرة، لكن إذا كان لا بد من اختيار كتاب واحد فسأختار (مذكرات فتاة رصينة) لسيمون دو بوفوار. بعد قراءته اتخذت قرارًا جادًا بدخول عالم الرواية من أوسع أبوابه، ولذلك ظل هذا الكتاب حاضرًا بوصفه الرواية الأيقونة في حياتي الكتابية، لأنه ارتبط بلحظة التحول التي قررت فيها أن أكتب الرواية.
أصدرت حتى الآن روايتين، وأتممت كتابة الثالثة قبل أيام، وأظن أن ذلك القرار كان أحد المنعطفات المهمة في تجربتي.
بعدها تأتي رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، و(الجوع) لكنوت هامسون، و(حكاية الشتاء) لبول أوستر، ولا يمكنني أن أنسى (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي. لكل واحد من هذه الأعمال أثره الخاص في ذائقتي وتكويني، لكن يظل كتاب سيمون دو بوفوار الأقرب إلى لحظة ميلاد الروائي داخلي.
- ما الكتاب الذي حلمت أن تكتبه، ولم تتح لك الفرصة لكتابته حتى الآن؟
الأحلام كبيرة وكثيرة، لكن من الكتب التي أحلم بإنجازها رواية سيرية عن والدي. وقد قطعت فيها بالفعل شوطًا لا بأس به، وأتمنى أن أتمكن من إخراجها إلى النور في الوقت المناسب.
أؤمن أن فرص الكتابة كثيرة، وما علينا إلا أن ننتبه إليها ونلتقط ما يستحق أن يتحول إلى نص.
- كيف يرى الإنسان نجيب التركي المبدع نجيب التركي؟
*سؤال للذات والتأمل.
يقف نجيب الإنسان أمام المرآة، فتنعكس له صورة نجيب المبدع، لا بوصفهما شخصين منفصلين، وإنما في تداخل طبيعي يشبه عملية كيميائية لا تحتاج إلى مختبر سوى المختبر الإنساني نفسه. فالمبدع ليس كائنًا يعيش خارج الإنسان، وإنما هو خلاصة ما يعيشه ويشعر به ويقرأه ويتأمله.
ومن هنا تأتي أهمية المحفزات بالنسبة للكاتب. ما أكثرها في حياتنا، وما أقل انتباهنا إليها؛ موقف عابر، كلمة، وجه، مكان، خسارة، فرح، أو حتى لحظة صمت، كلها قد تتحول في داخله إلى مادة للكتابة.
وأحيانًا يعجز نجيب الإنسان عن استيعاب ما أنجزه نجيب المبدع، وحين يعييه هذا العجز، يعود إلى الحقيقة البسيطة: هذا من ذاك، ولا انفصام بينهما.
- ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب/الكاتبة؟ وهل تراها مقياسًا حقيقيًا للنجاح الإبداعي؟
دار الكثير من الجدل حول قيمة الجوائز الأدبية، ولا أنكر أن قيمتها المعنوية، في رأيي، أكبر وأهم من قيمتها المادية. الجائزة تمنح الكاتب دفعة معنوية، وتفتح أمامه أبوابًا جديدة، كما تضيف شيئًا إيجابيًا إلى المشهد الأدبي في بلده، وتشجع أقرانه على الاستمرار والمنافسة.
لكنني لا أرى أن الجائزة ينبغي أن تتحول إلى غاية تحكم عملية الكتابة. لا بأس أن يفكر الكاتب في قيمتها المادية أو المعنوية، لكن الخطر أن يكتب وهو يضع الجائزة نصب عينيه، فيصبح النص خاضعًا لشروط الفوز بدل أن يكون وفيًا لفكرته وتجربته.
وأحيانًا تتحول الجائزة نفسها إلى عبء على صاحبها. قد يصاب بعض الفائزين بما يشبه جنون العظمة، أو يتوقفون طويلًا أمام سؤال: ماذا سأقدم بعد؟ فكلما كبرت الجائزة، كبرت معها مسؤولية العمل التالي، وقد يصبح التفكير فيها عائقًا بدل أن يكون حافزًا.
أما هل الجائزة مقياس حقيقي للنجاح الإبداعي؟ فلا، وألف لا. هناك أعمال أدبية كثيرة تستحق الفوز ولم تفز، كما أن الفوز لا يعني بالضرورة أن العمل الفائز هو الأفضل على الإطلاق. وأستحضر هنا رواية (ميثاق النساء)، التي أراها، من وجهة نظري، أجمل من العمل الذي نافسها، ومع ذلك لم تنل جائزة بعينها. لكنها فازت بشيء أراه أكثر خلودًا: بقلوب القراء، وباستمرار الحديث عنها وتناولها.
في النهاية، قد تمنح الجائزة عملًا لحظة ضوء، لكن القارئ هو الذي يمنحه الحياة أو يسحبها منه. ولذلك أرى أن بقاء العمل حاضرًا في ذاكرة القراء، بعد أن تهدأ ضجة الجوائز، هو أحد أعظم انتصارات الكاتب.
ما مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
لديّ كتابان نقديان عن الرواية العربية، وآخر عن القصة، إلى جانب رواية قيد التجهيز، وهناك مشاريع وأفكار أخرى أعمل عليها، وأشياء ستأتي تباعًا. لا أحب أن أستبق ما لم يكتمل، فالكتابة عندي تترك دائمًا بابًا مفتوحًا لما قد تأتي به الأيام.
نص إبداعي

نجيب التركي*
(1)
مَن… جمّل الآخر؟
مَن… يغار من الآخر؟
ومن الأحقّ بحسن صحابتكِ يا…
الحُبّ،
الدلال،
الغُنج،
السعادة،
الولَه،
الطِيب،
النقش،
المنقوش،
دلالكِ،
أم شعركِ المنكوش؟
ليس رجلًا من لا يركع أمام هذا الطوفان،
فكيف لي أن أنجو
وأنا أقف في وجهه عاريًا من كل حيلة؟
تَبًّا لكل قوانين الجاذبية!
أين نيوتن منكِ؟
وأين كتلته حين تمرّين؟
وأيّكما الطاقة
حين يصبح الجسد فضاءً
ولا يبقى للثقل فيه قانوناً؟
سحقتِ النساء في عيني سحقًا،
ومحوتِ من ذاكرتي كل ما قاله الشعراء عن الجمال.
فكيف لهم أن يتشدقوا به
وهم لم يعرفوا محرابه؟
كيف تفوّهوا بكل ذلك الخيال،
ولم يبلغوا شاطئًا واحدًا من أمواجكِ،
ولم يجدوا لبحر جمالهم مرسى؟
لماذا تغزلوا في قمرٍ معتم،
والقمر الحقيقي يمشي على الأرض هونًا؟
هنا علاج المرضى،
شراب السكارى،
ملاذ الحيارى،
وصومعة المتصوفين
حين يضيق بهم الطريق.
قرأت ذات مرة:
خُذ لك نظرة، وصلِّ على النبي.
وهنا أتساءل:
أتكفيني…
نظرة واحدة؟
صلاة واحدة؟
واستجمامٌ يتيمٌ للعين؟
ما عادت النظرة تحمل فكرة واحدة،
ولا عادت العين تعرف:
أتأخذ النظرة من الجمال،
أم يأخذ الجمال العين؟
كيف استطاعت أشعة الشمس
أن تستلقي على جسدكِ
كل هذا الوقت
دون أن تستأذنكِ؟
أم أنها، مثلي،
نسيتْ لماذا جاءت،
وظلّت هناك
تتأمّل ما لا ينبغي للشمس نفسها
أن تكونه؟
(2)
لا أدري
لماذا تُعذّب نفسها
وتُعذّبني معها.
تضعني في مقعد الاحتياط،
وحين يأتي دوري
تأتيها نوبة النوم المفاجئ.
انتظرتُ خمس دقائق،
عشرًا،
ساعةً كاملة…
ولا فائدة.
حاولتُ أن أؤجّل الأسباب إلى وقتٍ آخر،
أن أترك سوء الظن جانبًا،
أن أقنع نفسي بأن تركي وحيدًا
كجروٍ غارق
لم يكن مقصودًا.
لكن الغصّة في حلقي
كانت تعرف أكثر مني.
دخلتُ…
خرجتُ
أشغلت نفسي بكل ما استطعت،
ثم وصلت إلى الحقيقة الأكثر مرارة:
لا فائدة تُرجى من فتح هاتفي ليلًا.
وحتى إن حاولت الاتصال صباحًا،
سأغلق هاتفي.
أن أغلقه وأنا أعلم،
أرحم ألف مرة
من أن أبقى معلّقًا على انتظارٍ
يقدّ القلب
ويمزّق وتينه
بمشرط اللامبالاة.
دعوها تقدّم أعذارها:
تاعبة،
مرهقة،
ما فيني حيل،
نمت فجأة،
سامحني…
كنت سأفعل، بالطبع.
كنت سأبتلعها كلها،
وأضع لها ألف عذر،
لو أن الأمر حدث مرة.
لكنّه تكرر…
وتكرر…
حتى صار التكرار إهانةً بحد ذاته.
وللمرة الألف،
أخبروها:
إن أرادتني أن أغادر،
فلتقلها صراحة.
صراحةً واحدة
أهون عليّ
من كل هذا العبث.
فمغادرتي بإرادتها
أرحم من أن تجعلني أقف كل ليلة
أمام بابٍ مغلق،
وأتلقى الضربات
تحت الحزام
باسم التعب،
والانشغال،
والنوم المفاجئ.
لا خير يُرجى.
ولا انتظارٌ قُدّر له أن يكون انتظارًا
قُدّر حق قدره.
ثلاثة أيام،
أربعة…
و”الخبر نفس الخبر”
لا شيء.
لا كلمة تشبه الحضور،
ولا التفاتة تقول إنني ما زلت هناك.
حتى الفتات الذي كانت تتصدّق به عليّ،
ذلك القليل الذي كنت أعدّه كثيرًا
لأنني كنت أريده منها هي،
انتزعته الآن.
لم تكتفِ بمنعي من الخبز،
أخفت حتى الفتات
خلف باب المواربة.
وأنا؟
لا أريد حضورًا يأتي حين يتسع الوقت،
ولا اهتمامًا يُرمى إليّ حين تنتهي كل الأشياء.
إما أن أكون في المقدمة،
أو لا تضعني في الصف أصلًا.
لستُ مقعد احتياط،
ولا خيارًا مؤجلًا،
ولا شخصًا يُستدعى حين يفرغون من العالم.
وإن كان وجودي عبئًا،
فقولوا ذلك.
سأرحل.
لكن لا تجعلوني أقف طويلًا
على عتبة اللامبالاة،
وأتظاهر بأنني لا أتألم.
شاعر من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي