إمكانيات اللغة وحدود المجاز في الهايكو

محمد بنفارس*
تقديم
كثر اللغط حول موقع اللغة والمجاز في الهايكو، وتضاربت الآراء بين من يضيّق مجال المجاز إلى أقصى الحدود، ومن يفتح له المجال بلا قيد، وبين من يجعل خصوصية اللغة مبررا لتوسيع التعبير إلى حد قد يهدد أو يمحو تماما ملامح النوع. وفي هذا الجدل تختلط أحيانا خصوصية اللغة بخصوصية الهايكو، فيتحول الانشغال من وظيفة اللغة والمجاز داخل النص إلى سؤال عن مشروعيتهما في ذاتهما.
ولعل الأجدى، في تقديري، أن ننتقل من سؤال المنع والإباحة إلى سؤال الوظيفة: ماذا تفعل اللغة في الهايكو؟ ومتى يضيف المجاز إلى المشهد، ومتى يزيحه عن مكانه؟
اللغة ومقتضيات النوع
لا أحد يجادل في أن لغة الهايكو تحتاج إلى العناية والصنعة، لكن الصنعة تكتسب قيمتها من علاقتها بالنوع. فاللغة تدخل الهايكو بخصوصيتها وإمكاناتها، ثم تتكيف مع متطلبات المشهد واللحظة والأثر.
وهذا قد ينطبق على كل لغة، بما فيها العربية. فالخصوصية اللغوية تمنح الشاعر إمكانات واسعة، لكنها لا تمنح اللغة سلطة إعادة تشكيل النوع وفق منطقها الخاص. حين تفقد العبارة صلتها باقتصاد الهايكو ومشهديته، يصبح الحديث عن الخصوصية اللغوية بحاجة إلى مراجعة.
فالتوطين، في هذه الحالة، ينبغي أن يرتكز على إيجاد إمكانات الهايكو داخل اللغة، لا على تغيير ملامحه كي ينسجم مع أساليبها وعاداتها التعبيرية.
المجاز رهين ببقاء المشهد
لنأخذ هذا النص:
من قبعتي
يتناثر الخريف
أوراق القيقب
جاء المجاز مكونا من من بناء الصورة. فالخريف يتناثر من القبعة عبر أوراق القيقب، وتقوم العلاقة المجازية على عناصر مرئية في المشهد. القارئ لا يتلقى معنى نفسيا جاهزا، بل يكتشف أكثر العلاقة من خلال الصورة نفسها. المجاز يبدي المشهد على نحو غير عاد، فيما يظل متصلا به.
ويقترب من ذلك النص الفرنسي:
sur la clôture
un vieux manteau
gorgé d’automne
على السياج
معطف قديم
مشبع بالخريف
فعبارة “مشبع بالخريف” مجاز يستمد مادته من الصورة: السياج، المعطف، الخريف. لذلك يضيف كثافة وشعرية إلى المشهد من دون السقوط في التلاعب أو التصريح المباشر بمعنى أو حالة وجدانية.
سيادة المجاز
لنلاحظ:
مطر الربيع
يروي ظمأ الروح
بساط أخضر
مجاز النص في عبارة “ظمأ الروح”. فالمطر يروي الأرض، لكن النص ينقل فعل الارتواء إلى الفضاء الوجداني، فيعمد بذلك إلى تسمية أثر المشهد في الوقت الذي ينبغي أن ينبثق منه.
وبما أن العبارة مألوفة ومتداولة، فلا يحتاج القارئ إلى اكتشاف علاقة ما، بقدر ما يتلقى معنى معدا سلفا.
المجاز يغطي على المشهد
في الأرجاء
يتناثر الحزن
الكرمة وحيدة
توظف استعارة “يتناثر الحزن” لتعمل على نقل فعل حسي إلى مجال مجرد، ثم يقفل النص بإسقاط حالة شعورية على “الكرمة وحيدة”.
يلاحظ تراكم للمجاز والتشخيص، ما يجعل الحزن هو المفتاح الذي يقود تلقي المشهد، وتتحول “الكرمة” إلى شيء يجسد الوحدة والكآبة، في الوقت الذي كان متاحا أن تكون “الكرمة” عنصرا ماديا من مشهد بأثر شعري عال من دون صناعة وتلاعب مجازي لا تخطئه العين.
أية حدود للمجاز؟
يصعب جدا وضع حدود للمجاز في الهايكو على قاعدة وجوده أو غيابه. كما أن ثنائية المنع /القبول لم تعد مجدية منهجيا، فالحد يظهر في علاقته بالمشهد ودرجة تدخله في الإنتاجية.
فحين ينبثق المجاز من عناصر المشهد، ويظل ضمن المحسوس، يمكن أن يفتح الصورة على إمكانات إضافية. وحين يشتغل على توجيه الشعور أو تقرير معنى مسبق، ينكشف مدى تدخله. وحين تتراكم العلاقات المجازية والتشخيصية إلى درجة يصبح معها المجاز مركز النص، يتوارى المشهد لحساب الصنعة اللغوية.
اللغة تبقى لغة
في محصلة هذه الورقة، المسألة لا تكمن في ثراء اللغة العربية، ولا في المجاز بحد ذاته كأداة تعبيرية. الإشكال يصبح مطروحا في كمية الحقنة ومستوى الفنية التي تُستثمر بها هذه الإمكانات داخل نوع صمم بأدوات خاصة واقتصاد خاص وشعرية خاصة.
فاللغة تستطيع أن تكون كثيفة وموحية، والمجاز يستطيع أن يضيف إلى الصورة، لكن كليهما يحتاج إلى قدر من الانضباط الذي يحفظ للمشهد حضوره وللمناخ أجواءه وللأثر مساحته.
وعندما تصبح البراعة التعبيرية والأسلوبية هي المرتكز، ويختصر المشهد في مرتبة الذريعة، تكون اللغة قد تجاوزت وظيفتها داخل الهايكو.
على اللغة أن تتكيف مع شعرية الهايكو التي لا تضيء بالحيل والتلاعب والتدليس التعبيري، وعلى اللغة أن تفسح المجال للهايكو كنوع جديد للتعبير دون أن يفقد مقوماته.
وتلك عناصر من حدود المجاز ووظائفه، وتلك أيضا إشارات من ملامح التوطين الذي ننشده.
هايكيست ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي