الرئيسية / الشاعر الحسن الگامَح / افتتاحيات / هي الملامح تعبر بدل الإبداع- رئيس التحرير

هي الملامح تعبر بدل الإبداع- رئيس التحرير

افتتاحيــــــة العدد

هي الملامح تعبر بدل الإبداع

الحسَن الگامَح*

 

 

في زمن الظاهر المبهور، والمظهر المعمور، غاب جوهر المسطور خلف بهاء الصور، وأفل سنا الفكر أمام بريق المظاهر والبصر. لقد كان الأديب بالأمس يستدل عليه ببلاغة القلم، وتوزن قيمته بما يسيل من حبره ويلهج به فهمه، ويعرف المبدع بعمق النغم، وعظيم الهم والألم، فصار اليوم يقاس بمظهر الوجه وقاسمه، وبرونق الثوب وإشراقة مبسمه، حصر الوجود الإنساني في لقطة، وجعل الفكر التليد تبعا للفتة.

ولعل لهذا التبدل أسبابا عميقة، ولتلك الظاهرة أبوابا وثيقة؛ فإن المنصات الحديثة لم تبن لتأمل المعاني ولا لسبر أغوار المباني، بل أقيمت على دعائم السرعة والعجلة، واقتنصت الألباب في زحام الحياة وجلبة المسألة. تتسارع التغذية البصرية فتقفز العين فوق السطور التليدة، وتنجذب النفس بالطبع إلى الصورة الفتية الفريدة، تميل الأفئدة إلى الخفيف العابر، وتزهد في الثقيل الغائر، فتقطع الصورة الطريق إلى الذهن في رمشة، بينما يحتاج النص القويم إلى مكث ورعشة وتدقيق ومحاكمة.

ثم إن خوارزميات هذا العصر لم تعد تحاكم الجودة بل تجامل الرواشح، ترفع ما بدا وتخفض ما خفي من الفوائد والنصائح، كتبت أرقامها لتكافئ المشاهدات وتغذي التفاعلات، فإذا نشر المبدع عصارة فكره وقطرة من جوهره ونصه، لم يلق إلا حظا نزرا ونقصا، وإذا أبرز وجهه وشخصه، وشارك تفاصيل يومه ورسمه، حاصره القبول العارم، وانتشر القول والتأييد الصارم، فوجد الكاتب نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: إما العزلة في ظلال النصوص، أو مجاراة النظام الرقمي للوصول إلى الجمهور والنصوص.

كذلك يلهث المنشئ في هذا الزحام عن طمأنينة الأثر، وتأكيد الوجود الهش بين البشر؛ فالإنسان بطبعه يبتغي الاعتراف، وينفر من الإهمال والجفاف، فيجد في زر الإعجاب السريع وفي لمح البصر جرعة من النور تروي صداه، وشهادة لحظية تعزز أناه، ولو كان ذلك التفاعل سطحي الفحوى، وعلى حساب ما أبدعه وقاساه ورعاه. غدا الثناء على الشاكلة أسرع ورودا من الغوص في الفكرة وفهم المقاصد والحدود.

وقد أفضى هذا التحول إلى زمن السلعنة والتسويق التجاري، حيث لم يعد المنتج الفكري ينفصل عن صانعه والجواري؛ صار الكاتب هو المنتج وهو السلعة، وصارت ملامحه هي العلامة التجارية والشرعة. لم يعد يكفي في سوق العصر أن تكون صاحب حرف وقلم وقريحة، بل لا بد أن تصبح وجهة للعين، ومادة بصرية مريحة، تملك شخصية تسويقية تجذب الرعاة والمتابعين قبل أن تجذب القراء والمفكرين.

وأمسى من أفرض عن هذه الميادين الرقمية، وترفع عن شاشات العرض المادية، مغيبا في زوايا النسيان، مطمورا في طيات الزمان. لم يعد يشفع للمبدع عمق المعنى أو نفاسة الأثر، ما دام بعيدا عن أعين البشر، ومتواريا عن شباك الخوارزميات ولمح البصر. فالصمت المعرفي في عصر الصخب يفسر غيابا، والاعتكاف على الكتب يعد غرابة وإيابا؛ يسقط حق النص الخالد إذا لم يسنده وجود حاضر، وتطوى صفحات الماضي والحاضر إذا لم تعرض في معرض ساهر. لقد بات التهميش عقاب المكنون الذي رفض أن يكون عروضا، وأصبح النسيان مصير من أراد للحرف أن يبقى حرا ولا يكون سلعة أو غرضا.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: لقد أضحت الملامح في عصرنا تعبر عن “صاحب الفكرة” بدلاً من أن تدور الفكرة بنفسها؛ إذ تحول الوجه إلى اختصار بصري سريع يقرأه الجمهور في كسر من الثانية، فيزعمون أنهم عرفوا المبدع قبل أن يقرأوا حرفاً واحداً مما أبدع.

صارت الملامح تُعبر وتتكلم، لكنها تعبيرٌ صامت يداعب السطح ولا يلمس العمق؛ تُعطي إيحاءً كاذباً بالمعرفة، وتمنح المتابع شعوراً دائماً بالقرب، فينشغل بالعينين والابتسامة عن الروح والجهد المطمور بين السطور. الملامح تعبر، نعم، ولكنها تعبر بدلاً من الإبداع لا عنه، فتستبدل عمق المعنى ببريق الشكليات.

رئيس التحرير

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حين ينقسم الزمن قراءة في كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق – سمير اليوسف

سمير اليوسف*   ثمة كتب تقرأ الزمن بوصفه ما يمر، وكتب تقرأه بوصفه ما يتركه …

اترك تعليقاً