الرئيسية / الأعداد / جَوْدَةُ الشّعْرِ ومِعْيارُ الكَمِّ  في (على النهج) للشاعر إسماعيل زويريق – مصطفى الشاوي

جَوْدَةُ الشّعْرِ ومِعْيارُ الكَمِّ  في (على النهج) للشاعر إسماعيل زويريق – مصطفى الشاوي

ملف خاص: الشاعر إسماعيل زويريق

جَوْدَةُ الشّعْرِ ومِعْيارُ الكَمِّ  في (على النهج) للشاعر إسماعيل زويريق

مصطفى الشاوي*

 

“لا شَيءَ يوحّد شعورَ النّاس غير العَقيدة،

 ولا شيءَ يحمل هذا الشّعور على مناهضة كلّ ناعقٍ غير القصيدة”[1]

 

      على سبيل البدء:

قد يغدو الحكمُ على جودة الشعر، وتحديدُ منزلة الشاعر ومكانته، ودوره الريادي استنادا إلى معيار الكم مجافيا للصواب وبعيد عن كل موضوعية في أحايين عديدة؛ باعتباره، حسب ما يذهب إليه الكثيرون، حجة تطلق على الشعر من خارجه فنقول مثلا: هذا شاعر مكثر فهو بالضرورة شاعر جيد. وهذا شاعر دون ذلك لأنه شاعر مقل. ومعلوم في ثقافتنا العربية، وقديمها بخاصة، أن بيتا شعريا واحدا قد يرفع صاحبه إلى مقام لم يبلغْه من غزر إنتاجُه وتعددت مطولاته الشعرية. وعلى الرغم من هذا وذاك فإن هذا الأمر لا ينفي أهمية الكم باعتباره معيارا من المعايير التي اعتمدها النقاد. ذلك أن ابن سلام الجمحي قد بنى طبقاته على معيار الكم.

وفي هذا السياق نستضيف شاعرا مغربيا مكثرا مع ديوان شعري يمكن اعتباره من أضخم الدواوين الشعرية المعاصرة، الموسم ب (على النهج) بأجزائه الخمسة. وهو إنجاز ليس بغريب عن الشاعر إسماعيل زويريق الذي أغنى الساحة الثقافية بأعمال أدبية شعرية ونثرية وتقارب مئة إصدار. ديوانه المحتفى به في هذه القراءة يبرهن على أن المغاربة كانوا ولازالوا ينالون قصب السبق في المديح النبوي الشريف “فقد وصف المقري أهل المغرب بأن لهم في منازل الأمداح مقيلا وتعريسا”[2].

ويمكن للديوان أن يكون مثار عدة قضايا نقدية قد تختلف باختلاف المنظورات المنهجية والمنطلقات الفكرية والأهداف المتوقعة والمنتظرة من وراء كل قراءة نقدية على حدة، لكن ما يشغلنا في هذه المقاربة هو التأكيد والبرهنة على أهمية العمل من حيث كونه إضافة نوعية ووازنة تغني مدونة الشعر المغربي الحديث، وتجربة شعرية متفردة تتميز عن كثير مما يكتب الآن من شعر على اختلاف حساسياته وأنواعه. وباعتباره من زاوية أخرى عملا شعريا لشاعر له ميسمه الفني الخاص وطابعه الأصيل والرصين مقارنة مع غيره من شعراء جيله، وعلاقته بما كتبه وأصدره في مجال الشعر أو غيره. وفي هذا السياق قد تطرح إشكالية مدى امتداد هذا العمل أو تقاطعه مع باقي أعماله الشعرية أي مدى استجابته لأفق انتظار القارئ أو تعديله.

وإذا كانت الإحاطة بكل وظائف وأبعاد وقضايا وأطروحات هذا العمل والوقوف بدقة عند مكونات الفكرية والفنية والجمالية لمختلف نصوصه مأرب عسير ومطلب صعب لا يمكن لقراءة واحدة أن تقاربه في مجمله لأننا ندرك سلفا أن قراءات النص الواحد قد تتعدد فكيف بقراءة واحدة أن تكتسح ظلال قصائد ديوان يطول الكثير منها ويمتد ليجاوز ألف بيت شعري، ومنها الهمزية بأجزائها الثلاثة والتي تشكل ثلث حجم الديوان الذي يضم في مجمله ستة آلاف وأربعة وخمسين بيتا شعريا؟

 ـ على مستوى الشكل والبناء:

وتشكل مفردتا العنوان (على النهج) شبه جملة متعلقة بمحذوف يقدر بالمصدر الدال على حدث الاقتداء والإتباع (السير على النهج) أو يقدر بالفعل الدال على المتكلم (أسير على النهج)، والنهج من نهج ينهج منهاجا، والنهج الطريقة والوسيلة والسنة. وتحتمل الكلمة على الرغم من تعريفها أكثر من معنى لإمكانية تضمينها بعدين تداوليين افتراضيين أساسيين يكمل كل منهما الآخر: أولهما الاقتداء بسنة الرسول الكريم والصحابة والتابعين، وثانيهما الاقتداء بشعراء المديح النبوي والسير على نهجهم، بل والرغبة في التفوق عليهم والتميز عنهم كَمّاً وكيْفاً؛

كَمّاً من خلال الإطالة في القصيدة المدحية. ويتجلى هذا الرهان بوضوح من خلال تأشير الشاعر على عدد أبيات القصائد المدحية في خاتمة الديوان وذلك بجرد مفصل وشامل، أو من خلال إحصائه لعدد أبيات كل قصيدة يعارضها في عتبات التقديم للجزء الثاني والثالث والخامس، ذلك أن هاجس الرغبة في أن يكون من أصحاب المطولات جعلته يقوم بعملية توثيق دقيق بذكر وعرض أهم وأشهر الشعراء ومطولاتهم الشعرية. وكَيْفاً من خلال المراهنة على التجديد وكسب قصب السبق والتفوق والنبوغ وتجاوز النص الغائب وعدم الاكتفاء بالتقليد الأعمى للقصائد التي عارضها والالتزام بمختلف متونها ومقتضياتها.

ويطرح الديوان عدة مداخل قرائية ممكنة نظرا لامتداد المتن الشعري وغزارته وتعدد قصائده وطولها إذ ليس من السهل التحكم فيه وتأطيره ضمن تيار خاص أو اتجاه محدد وإن كان العنوان الفرعي المذيل للعنوان الأصلي (قصائد في المديح النبوي والخلفاء الراشدين) يساعد القارئ على تأسيس فرضية أولية توجه تصوره العام الذي يحتاج إلى تدقيق ودراسة وتمحيص لكي لا يسقط السابق على اللاحق ويغمط قصائد الديوان حقها من الجدة ونصيبها من الألق التخييلي.

يحتوي الجزء الأول من ديوان (على النهج) للشاعر إسماعيل زويريق على أربع قصائد مركزية؛ إذ يستهل ديوانه بقصيدة (بانت سعاد) وتليها قصيدة (البردة: يا شاكي البان) فقصيدة (المرتجية) ثم يورد الجزء الأول من الهمزية وهي القصيدة التي تمتد بأقسامها الثلاثة إلى الجزء الثاني والجزء الثالث ويفرع الشاعر قسمها الأول إلى خمسة عشر عنوانا (إشراقات/ يا رسول الله/ معجزاته صلى الله عليه وسلم/ طيبة المنورة/ المسجد النبوي/ هاهنا يرقد الهدى/ الروضة الشريفة/ البقيع/ جبل أحد/ مسجد قباء/ مسجد القبلتين/ مسجد الغمامة/ حدائق النخيل/ الإياب/ يا إلاهي).

ويستهل الشاعر الجزء الثاني من الديوان بالقسم الثاني من قصيدة الهمزية تحت عنوان (في عرصات النور: مكة المكرمة)، وسيرا على النهج نفسه يعمد الشاعر كما سنَّ في الجزء الأول إلى تفريع هذا الجزء من قصيدة (الهمزية) إلى عشرة عناوين فرعية (استهلال/ في رحاب مكة/ البيت المشرف/ ماء زمزم/ الصفا والمروة/ عرفات/ منى/ أنت ربي/ صل على الهادي/ ويح نفسي/ بعد عام). ويختم هذا الجزء بثلاث قصائد هي على التوالي (السينية في مدح خير البرية) و(كل مديح فيك مختصر)، (الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية).

وعلى نفس المنوال يستهل الشاعر الجزء الثالث من الديوان (على النهج) بالقسم الثالث والأخير من قصيدة (الهمزية) واسما إيّاهُ بعنوان (ومضات في حياة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم). وبوب الشاعر هذا القسم، بعد الاستهلال الذي يمتد عبر مائة وسبعين بيتا شعريا، إلى أربعة عناوين أساسية، تحمل أسماء الخلفاء الراشدين ولجأ إلى تفريع كل منها إلى عناوين فرعية (أبوبكر الصديق رضي الله عنه/ التحاق الرسول بالرفيق الأعلى/ البيعة/ حروب الردة/ جمع القرآن الكريم/ وفاته رضي الله عنه)، عمر الفاروق رضي الله عنه/ هجرته/ عمر والتحاق الرسول الأعظم بالرفيق الأعلى/ عمر وعام الرمادة/ عمر والطفل الفطيم/ عمو وعمرو ين العاص/ عمر وأموال الدولة/ عمر والشورى/ عمر وأقاربه/ الاستشهاد)، (عثمان ذو النورين رضي الله عنه: جولة في سفر حياته الخالدة)، (علي بن أبي طال كرم الله وجهه: استشهاده رضي الله عنه/ نومه رضي الله عنه في فراش الرسول/ علي وعمرو بن عبد ود/ قبسات من سيرته رضي الله عنه/ شجاعته/ الخاتمة).

أما الجزء الرابع من ديوان (على النهج) فيشمل قسمين، الأول يورده الشاعر تحت عنوان (نبويات) ويستوعب سبع عشرة قصيدة، هي على التوالي (نفسي بحب الرسول/ مشعل الحق/ رفقا حمام المنحنى/ رباعيات/ نفحات من سيرته العطرة ص/ ما الذي يغري/ ومضات من أخلاق الرسول الأعظم/ شلت يمينك/ سوف أسقيك مهينا/ أيها النفس/ لا تكن غبيا/ رمضان/ ليلة القدر/ ولى الشباب/ عن الذنب/ يا من تصدق/ دعاء). والثاني جاء تحت عنوان (أغداق النون) ويحتوي على ست قصائد (لحظات في مقام النجوى/ مناجات نورانية/ لي في رحمة الله/ رأيتك في القلب نورا/ همى الغيث/ سناك لكل قلب رداء). واستهل الشاعر هذا القسم بثلاثة أبيات على شكل تمهيد يقول في أولها:

يَا حبَّذا ألْقاكَ يا فاطرَ الْورَى // وثوْبي نقيٌّ أبْيضُ اللّوْن ناصِعُه[3]

ويمثل الجزء الخامس مسك ختام ديوان (على النهج) وأراده الشاعر أن يكون مستدركا لكل ما قد يكون فوته في الأجزاء السابقة وقد صدره الشاعر بمقدمات مستفيضة جاءت تحت عناوين مختلفة (كلمة عابرة/ مقدمة الجزء الخامس/ المجموعات الشعرية في المدائح النبوية/ أصحاب الدواوين الشعرية في مدح الرسول/ المطولات في الشعر العربي وأصحابها) ويضمن الجزء الخامس أقساما أولها وسم ب (نور على نور) وضم عدة قصائد (نصحتك/ عسْعسَ الليل/ الوصل يشفع لي/ ولد المصطفى/ غن يا شاعر النخيل/ أنظر إلى هذا الوجود/ غنى الطوير/ تشوق/ الكأس/ محمد يا خير الورى/ ما نحن إلا عرب/ غزلت فيك/ من ذا ينسى طائر الطلح/ ذكراني/ ذكرى المولد النبوي الشريف). وثانيها وسم ب (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين أو الشمقمقية النبوية) وضم قصائد عدة (المقدمة/ عام الفيل/ مولد النور/ قبل البعثة/ حال الجزيرة قبل البعثة/ في جبل النور/ انتشار الدعوة/ قبل الهجرة/ الهجرة النبوية/ جاء نصر الله والفتح/ حال الأمة العربية في عهد الرسول/ حال الأمة العربية الآن/ وقفة عابرة على معجزاته صلى الله عليه وسلم/ الخاتمة).  ولا شك في أن ظروف كتابة مختلف قصائد (على النهج)، كما يشير الشاعر إلى ذلك في ثنايا مقدماته، كانت عاملا قويا وموضوعيا وراء هندسته وطريقة إخراج الديوان وفق الشكل الذي اتخذه.

 ــ على المستوى التاريخي والسيري:

يصدر الشاعر إسماعيل زويريق في ديوانه (على النهج) إذن عن عقيدة تشكل مصدر تدفق نصوصه الشعرية ومبعث حيويتها وطولها ومنهل انبثاق مضامينها الغزيرة المختلفة التي تغدو كشلال منهمر يزداد قوة مع طول وامتداد النصوص واحتدام تفاعلها مع الذات الشاعرة تفاعلا إيجابيا ومتناغما بحيث تغدو القصيدة بموجبه عقيدة والعقيدة قصيدة الشاعر التي ينشد تحققها على مستويات شعرية راقية. والشاعر في سبيل ذلك يسعى كالقابض على الجمر ينهل من كل ما يروي نهمه العقدي وتوقه الشعري.

كُلُّ رأْي لا يُسْتَمَدُّ مِنَ الدّيـــــــنِ قواهُ لا أرْتَضيهِ لِنَفْسـي

                  إنّما المَرْءُ بالعَقيدَةِ يَحْيــا // مُطَمْئِنا من خَوْف ووجــسِ[4]

ويمثل التاريخ الإسلامي سِفْرا ضخما ينهل منه الشاعر وبخاصة فترة صدر الإسلام وتحديدا زمن الرسول الكريم وفترة الخلفاء الراشدين، إذ يستلهم لحظاته المشرقة التي جسدت ولازالت تجسد بحق الزمن الذهبي الضائع الذي ولى إلى غير رجعة. وهو زمن تستحضره قصائد كثيرة من ديوان (على النهج). ويتجلى ذلك بوضوح من خلال عناوين القصائد الأصلية أو الفرعية. ويحضر التاريخي في سياقات كثيرة ممزوجا بالإحساس بالحسرة والحزن والندم أو مغلفا بمعاني الشوق والتوق والحنين على سبيل التذكر والندم على ما ضاع في الزمان والمكان في الماضي والحاضر:

قدْ أصاب الإسْلامَ في كل أرض // عوجٌ في أحكامه والتواءُ

                    أيـْـنهُ جيشُك الْعظيمُ الــذي مــا // كسَّرته جيوشـــها الأعْداء[5]

ولا يتوانى الشاعر في تضمين قصائده أحداثا تاريخية يرويها بأسلوب شعري مثير بحيث يجعل السردي يسكن الشعري رغبة في استحضار اللحظات التاريخية المشرقة التي تعتبر علامات دالة لا يمكن للشاعر ولا لغيره ممن في نفسه ذرة من إيمان أن يمر ويقف عليها عابرا دون أن تؤثر فيه تأثيرا بليغا. ومن النصوص الشعرية الدالة على ذلك قصيدة (عمر والطفل الفطيم)؛ حيث يحكي قصته التاريخية المأثورة. وما فتئ الشاعر يسترفد من محفل التاريخ الإسلامي المجيد وتستثيره لحظاته المشرقة وتبهره تارة، وتدعوه إلى الندم على انفلاتها تارة أخرى فتغدو كحلم يتمنى عودته ووعد يتطلع نحو تحققه مجددا على أرض الواقع الفعلي الذي افتقد جل مقوماته الحضارية.

هاهي الأمَّةُ الّتي كان من هيـــــــبتها يَخْشى سُخْطَها العظماءُ

                 ذَهَبَ ريـــــــحُها، فَلَمْ تمْس إلاّ // وقد احتلت أرضَها الأسْواءُ[6]

وفي سياق استحضار الأحداث التاريخية المشرقة يحس الشاعر بالحسرة على حاضر الأمة وواقعها المنهار الذي تسوده الفتن والضغائن والحروب نتيجة التفرقة وتدني قيم الدين الإسلامي الحنيف، قيم البطولة والعزة والكرامة. وعلى هذا الأساس تصبح العودة إلى الماضي أمرا مبررا لا مفر منه، ودعوة ملحة إلى أخذ العبرة مما فات وإدراك حقيقة التاريخ في الزمان والمكان في مختلف تقلباته وخيباته هزائمه وانتصاراته. ولا شك في أن كل ما يستحضره الشاعر من سير في صيغتها العامة والخاصة تتقاطع مع الذات الشاعرة ذاتها لأن كل ما يشكل مادة المتن الشعري لقصائد الديوان ينسجم بشكل أو بآخر مع تصورات الشاعر وقناعاته وتتلاءم والمبادئ التي يصدر عنها ويؤمن بها ويريد أن يرسخها بشكل متناغم عقيدة وقصيدة:

نزع العـِـــرقُ للجدود ظميـــنا // إنما بالنخيل تأتي الهــراءُ

              فكيف لا يؤخر الذي سلك النهـــــــج قويما وضَجَّ فيه الفداءُ[7]

      ويتجلى البعد السيري أيضا على مستوى الفني في الاقتداء بالشعراء الذين سلكوا نفس النهج الذي يتبناه الشاعر إسماعيل زويريق ذاته. وقد رام الشاعر مجاراة أكبر الشعراء وأشهرهم في أطول قصائد المديح النبوي وأشهرها على الإطلاق. وقد بذل الشاعر مجهودا كبيرا في البحث والتنقيب عن ذخائر القصائد في المديح النبوي ونفائسها، ولا يتوانى الشاعر في أن يذكر هؤلاء الشعراء في ثنايا مقدماته التي تتخلل ديوان (على النهج) بأجزائه الخمسة.

وهكذا تتعدد مظاهر السرد التاريخي في الديوان ولا يقتصر هذا المنحى الشعري على تتبع الشخصيات التي استأثرت باهتمام الشاعر إسماعيل زويريق من قبيل استحضار الشاعر لقصة ميلاد الرسول الكريم. بل إن رقعة السرد التاريخي تتسع لتغطي فترات تاريخية لها رمزيتها في تاريخ الحضارة الإسلامية. وهكذا يعود الشاعر بالقارئ إلى فترات ما قبل البعثة فيصور حالة الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام، وكأن الشاعر من خلال هذا الاسترجاع يهيئ القارئ لما سيأتي، مما ينم عن احترام الشاعر في كل جزء من أجراء (على النهج) لمنطق التسلسل التاريخي التي تحترمه القصائد الشعرية.

هـَـذِي الْجَزيرَةُ، وَكُلُّ ما بِها // مِنْ دَيْدَنٍ لَمْ ينْتَظُمْ لِمَــــــنْطِقِ

قَدْ عَمَّ فيها الْجَهْلُ حَتّى صار // مِنْ قَضائهِ مَنْ سَكَنَها لَمْ يُطقِ[8]

وتأتي كثير من القصائد مشكلة من مواضيع مختلفة على شكل حدائق متعددة الأشجار والأزهار والألوان والنسمات، ويدل هذا المنحى الفني على أن الشاعر لا يسجن نسفه في هذا الغرض أو ذاك مادحا أو هاجيا، وإنما تنفتح القصيدة عنده لتستقطب أغراض ومواضيع أخرى كثيرة من قبيل الغزل والوصف والحنين والتذكر والحسرة والشجن والرثاء والعتاب واللوم واستنهاض الهمم. ولهذا التعدد بعد تداولي باعتباره عاملا من عوامل الأساسية التي تشد انتباه القارئ وتستحثه على المضي مع القصيدة إلى منتهاها رغم امتدادها.

   ـ على المستوى الفكري الحكمي:

يعيش الشاعر عبر القصيدة رحلة بحث شاقة رغبة في الكشف عن الرؤيا التي تسلك مذاهب شتى وترنو نحو عوالم راقية تنصهر فيها الذات الشاعرة لتسترفد من مورد نبع صاف مفعم بالشوق والتوق والحب والحنين، عالم لا يشوبه الكدر حيث تنضج ثمار الرؤى الوثابة فتولد القصيدة مفعمة بأفكار نيرة وبمدلولات سامية يضمنها الشاعر حكما تنم عن عمق التجربة الشعرية واتساع الأفق الفكري وخبرة رصينة بالحياة ووعي ثاقب بصروف الزمن وتقلبات الدهر الذي لا يستقر على حال ويترك الإنسان في صراع مستمر مع عوامل معاكسة كثيرة تحول دون رقيه الفكري ورهانه الحضاري. وبهذا تمثل جل قصائد الديوان نسقا فكريا يستند إلى منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية والحضارية التي يتبناها الشاعر مذهبا يسير في هديه وعلى نوره وتحت مظلته. وهو التصور الذي ارتضاه لنفسه ولغيره لأنه يحقق التناغم بين جوهر الحياة وصيرورتها وروح الإسلام ورسالته:

لَيْسَتِ الْأخْلاقُ الْكريمَةُ إلاّ // ما تَراهُ الشَّريعَةُ الْغَرّاءُ[9]

ولعلها خصوصيات تجعل قصائد الديوان تطفح بالأفكار النورانية والمعاني المشرقة التي تمتح من معين لا ينضب ومن المنهل الصافي الذي لم تشبه شائبة وتصل هذه الأفكار إلى مستوى سامق من العمق والوعي والنضج وتأتي هذه المدلولات على شكل نصائح وإرشادات وتوجيهات تصل في كثير من السياقات النصية ومع كثير من القصائد إلى مستوى الحكمة والتي يعتبرها الشاعر إسماعيل زويريق ومنشده ومنتهى رقي فكره وضالته في مختلف قصائد ديوان (على النهج). وتأتي الحكمة في ثوب لغوي وأسلوبي يتلون حسب السياقات الشعرية والمقامية. وهكذا يلاحظ القارئ أن الكثير من الحكم تأتي على شكل نصائح وإرشادات وتأتي جملا استفهامية كما قد تتوزع الحكمة على شطري البيت الشعري الصدر والعجز معا وقد يحتويه الشطر الواحد وقد تأتي الحكمة جملة شرطية. وهو ما يدل على أن الشاعر يختار الأسلوب والتعبير والصورة الملائمة لكل حكمة أو حقيقة.

ـ فَتَعقّلْ فَفي الْقليــلِ اخْـتبــــــــــارُ // وتَفَهَّمْ فَفــي الْكثــــيرِ ابْتـــــــلاء[10]

ـ إنَّ الزَّمانَ وما نامَتْ غَوائــِـــلُه // قَدْ لا يُريكَ سِوى ما لَسْتَ تَنْــتظر[11]

ـ يَحْضنها الْعزْمُ لا تلْوي على أحَدٍ // هَلْ يَحْبس السيلَ في إصْبابه حَجَرُ[12]

ـ لوْلا مَضاءُ الْحَقِّ ما اسْتَسْلَمَ الْعِدا // ولولا حنان القلب ما قر سـائله[13]

إن خبرة الشاعر في مجال القول الشعري وطول ملازمته ورحلته مع القصيدة والسير بها ومعها إلى أرقى مستويات التفاعل والعشق والتوق تجعل القصيدة في كثير من مستويات نضجها الفكري تبوح بأسرارها وأسرار الذات الشاعرة. وكلما ازدادت القصيدة طولا صارت قاب قوس أو أدنى من سدرة منتهى رقي العالم الشعري عند الشاعر إسماعيل زويريق حيث تتراءى للذات حقيقة الأشياء في أعز ما يطلب من تمثلات ورؤى وحكم وأراء تنم عن عمق فكري وتشكل الجوهر المكنون والسر المدفون في ديوان (على النهج).

 ـ على المستوى الفني والجمالي:

لعل قارئ ديوان (على النهج) يدرك بوضوح أن المدح يهيمن على جل قصائد الديوان إذ تندرج ضمن هذا الغرض أطول القصائد وأشهرها مثل (الهمزية) التي تعتبر عمود الديوان وصلبه، وقصيدة (بانت سعاد) منطلقه و(حديقه الرياحين) منتهاه و(روضة النسرين) مختمه. إن القصيدة عند الشاعر إسماعيل زويريق سلاح ينافح به عن العقيدة إذ “لا شيء يوحد شعور الناس غير العقيدة، ولا شيء يحمل هذا الشعور على مناهضة كل ناعق غير القصيدة”[14] وهذا ينسجم مع منطوقه الشعري في سياقات متعددة وفي أغلب قصائد الديوان:

أرْسِلي الشِّعْرَ لا هِجاءً ولَكنْ // أرْسِليهِ نارا تدُكُّ الْحُصـونا

                 إنُني لنْ أبيـــــحَ يَوْما لِنَفْسي // إنْ أهُينَتْ كَرامتي أنْ تَلينا[15]

وهكذا يتبين كيف أن الشاعر لا يقتصر على إبراز أهمية الكلمة الشعرية في الدفاع عن الهوية باعتبارها سلاحا ونارا بقدر ما يعكس هذا الرأي قدرة الشاعر على توظيف القصيدة في كل الأغراض؛ فما دامت القصيدة سلاحا فلا ضير أن يوظفها الشاعر في أغراض أخرى تتجاوز المدح والهجاء بحسب ما يقتضيه الحال والمقام. وفي سياقات كثيرة يتخذ الشاعر القصيدة كوسيلة لتحقيق مأربين متكاملين الدفاع عن المقدس في مختلف أشكاله والهجوم على كل ما يمسه بسوء من دنس. حيث تغدو القصيدة سلاحا ذا حدين: فهو نور في الدفاع عن الحق ونار في وجه كل من مس كرامة الأمة ومقدساتها.

وَإذا لمْ تَرْتحْ بأرضٍ فعَينُ الْــــــــــعَقْلِ ألاّ يَطولَ فيها الْبقاءُ[16]

لكن الشاعر لا يسجن نفسه في هذا الغرض أو ذاك مادحا أو هاجيا بقدر ما تنفتح القصيدة عنده لتستقطب أغراض أخرى من قبيل الغزل والوصف والرثاء واستنادا إلى هذا التعدد تأتي أغلب قصائد الديوان مثيرة للقارئ من حيث كونها تجعله لا يمل من القراءة حتى مع المطولات لأنها جاءت على شكل حدائق مختلفة الأشجار والألوان والأنغام.

كما تؤطر بعض قصائد الديوان ضمن شعر المولديات والتي اشتهرت بها بلدان الغرب الإسلامي والمغاربة منذ القديم وفي هذا السياق تصنف جل معارضات الشاعر ومن ضمنها (بانت سعاد) التي يعارض فيها قصيدة كعب بن زهير.  والبردة (يا شاكي البان) ويعارض فيها قصيدة البوصيري. و(المرتجية) الجيمية التي يعارض فيها القصيدة (المنفرجة) لابن النحوي. وقصيدة (في رحاب المدينة) التي عارض فيها همزية البوصيري. وقصيدة (السينية في مدح خير البرية) يعارض فيها الشاعر سينية البحتري. وقصيدة (كل مديح فيه مختصر) الرائية. وقصيدة (الدالية) في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية عارض فيها دالية أبي العلاء المعري…

وأغداق النور مفعمة بالمناجاة ودعوة إلى التأمل في الحياة والزمان والمكان وغوص في أسرار النفس البشرية والإنسانية وتدبر آيات الكون والسعي نحو القبض على مظاهر وتجليات الرقي في الفكر والحس والشعور والغدراك والتمثل رغبة في التخلص من الشوائب واعتناق المقدس مظهرا ومخبرا اعتقادا وسلوكا. ثمة رسالة معلنة أو مضمرة يسكن الشاعر كما تسكن شعرية تؤكد أن ثمة صوتا خفيا يلزم أن ننصت إليه ونسمعه. يقول مخاطبا ابنته:

اِسْمَعي الصَّوْتَ الّذي يَأتي مِنَ الْعَيْنِ صَداه

قـَطَعَ اللهُ رَجاءَ الْمَرْءِ إنْ يَرْجُ سِـــــــــواه

لَيْسَ يُغْنــيك ثَراءٌ لا ولا يغـــنيك جــــــــاه

 إنَّـمـا يَعْمـــى الّذي لا يُبْصِرُ النّجْمَ ضِيــــــاه

    في رياضِ الْحَقّ ما لا يُبْصِرُ الطرفُ مــَـداه[17]

ويروم الشاعر مجاراة الأقدمين في مطولاتهم الشعرية ومعارضتهم مع السعي الدؤوب نحو الرغبة في التميز عنهم ومجاراتهم ولما التفوق عيهم إن أمكن وذلك بعم تكرار نفس المضامين التي سار عليها من قبله وهو رها نصعب يسعى الشاعر أن يحققه بكل ما أوتي من حنكة وجهد وكأداء ودراية وتحمل وإصرار.  إن الإطالة في المدح قد يكون عيبا إلا في الرسول الكريم:

إني أرَى الإفْراطَ إثْما خالصا // إلاّ بِحُبّكَ فَهو لي إصْلاح[18]

ولعل الجدة تكمن في كون الشاعر إسماعيل زويريق أراد أن يثبت أنه باستطاعته أن يأتي بما لم يأت به الأولون من حيث الإطالة في المديح النبوي والسير بالقصيدة مبلغا لم يدركه الشعراء الذين عارضهم. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو كيف بإمكان الشاعر أن يكون مجددا مقلدا غيره ومعارضا من سبقه؟ وإلى أي حد استطاع الشاعر أن يتجاوز ويختلف عنهم في ضوء الالتزام بالبناء العمودي للقصيدة مع ما تقضيه المعارضة من التزامات إيقاعية وفنية.

ويتعامل الشاعر مع النص الغائب بطرق مختلفة تكشف عن مستويات التناص وغالبا ما يذوب النص الغائب في النص الحاضر ذوبانا ينم عن تمكن الشاعر من هضم النصوص التي يسترفد منها ويتجاوزها باستلهام روحها وجوهرها. ولا يخفي الشاعر النص الغائب ما يستحضره محيلا عليه في سياقات كثيرة. وقد يلجأ إلى اقتباس أبيات يحافظ عليها كما هي في المتن الأصلي ويجعلها بين قوسين دون أن يتصرف في صيغتها لفظا أو معنى أو وزنا.

ولعل ما أهل الشاعر إسماعيل زويريق لخوض أطوار المعارضة ومجاراته لأصحاب المطولات الشعرية اكتسابه لزاد لغوي غني وتمكنه من قواعد العروض والقافية وهما خاصيتان وتقنيتان يكشفان عن سعة الاطلاع ورحابة حجم الذخيرة المعرفية وغناها وسعة المحفوظ الشعري الناتج عن طول الدربة والممارسة وهذا ليس بغريب عن شاعر مثل الشاعر إسماعيل زويريق.

يتخلل الغزل بعض المطولات من قصائد الديوان فيعمد الشاعر إلى اتخاذ المحبوبة مخاطبة قصد إضرام نار الشوق والشجن في خضم القصيدة تنشأ عن المعاناة من البعد والنوى والفراق فتكشف المحبوبة للشاعر عن تجليات وجدانية تتعالى عن الصور المادية والملموسة لترقى نحو تمثلات طهرانية وإشراقات ربانية رؤى نورانية عبر مقامات ترتادها الذات الشاعرة رغبة في التخلص من شوائب العالم المادي والولوج إلى عوالم روحانية تنم عن التشبع بقيم الأمن والأمان والحب والوئام والسلم والسلام:

قَدْ نَسيتُ الّـــــــذي تَجَوّف قلبي // وكـــــــــذا أيّامُ الْفراق تُنْسي

مَا الّــــذي يا لَيْلى يُحييك في فكْـــــــري وما جَرَبَتْ وصالَكِ نفسي

   فَدَعيني فَما الزّمــــــــــانُ تولّى // مُسرِعاً إلاّ مِنْ قنوطي وَيَأسي[19]

ويجد القارئ لكل قصيدة شعرية من قصائد الديوان ما يروي نهمه العاطفي والوجداني عبر تجليات فنية وجمالية وحتى عندما تتعدد أغراض القصيدة وتختلف يأتي كل غرض مبررا لما قبله ممهدا لما بعده مع الاعتماد على حسن التخلص بين المقاطع الشعرية التي قد تطول في كثير من النماذج. ويراهن الشاعر على نص شعري يحقق التواصل مع القارئ والمتلقي عموما على مستويات متعددة من خلال المواءمة بين المتعة والفائدة فلا يقدم المعنى إلا في ثوب جميل مما يجعل ما هو فكري يتفاعل مع ما هو فني بشكل ملحوظ في كل قصائد الديوان، ذلك أن للشاعر إسماعيل زويريق رسالة واضحة يريد إيصالها إلى القارئ عبر القصيدة الشاخصة التي تصدر في العموم عن عقيدة راسخة ومنهج واضح محجته بيضاء ليلها كنهارها.

تخضع القصيدة إلى توزيع مقطعي ييسر على القارئ التفاعل مع المقروء الشعري وذلك عبر فواصل قد تختلف باختلاف القصائد ويطرد الكثير منها ومنها الفاصل الطباعي الذي يؤشر عليه بالفراغ والبياض أو الفاصل الخطابي الذي يطرد باستعمال العنونة التي تفنن الشاعر في تأثيثها وتشجير بناء النص الشعري بطريقة فنية واحترافية عالية بحيث يمكن للقارئ أن يتبين العناوين الأساسية أي عناوين القصائد والعناوين الفرعية وعناوين الوحدات والمقاطع الشعرية. وسلك الشاعر منهجا واضحا في صياغته للعناوين معتمدا أسلوبا تقريريا واضحا لتدل دلالة مباشرة على مدلول قصائدها باستثناء القليل منها الذي يخلق انزياحا دلاليا لدى القارئ.

وعلى هذا الأساس تحقق القصيدة عند الشاعر إسماعيل زويريق مقروئيتها على المستوى الجمالي لاكتسابها خصوصيات شعرية ومقومات فنية تؤطر مختلف مستوياتها التركيبية وجميع مكوناتها التعبيرية وهو ما يجعل تداول القارئ لنصوص الديوان ميسرا فلا يشعر القارئ إلا وقد انخرط مع القصيد انخراطا كليا وانساق انساقا روحيا إلى عوالمها انسياقا عفويا وتشرب قيمها الأخلاقية ومبادئها الإنسانية الراقية. وقد سخَّر الشاعر كل إمكاناته لكي يضع القارئ في سياقها الفني محددا بدقة ظروف الكتابة ومقتضياتها بل ومختلف المرجعيات التي صدر عنها في معارضاته ومجاراته للشعراء القدامى في مطولاتهم الشعرية.

ولا شك في أن النصوص الموازية على اختلافها تغني الديوان الشعري بشكل ملحوظ لأنها تساعد القارئ وتحفزه على التفاعل مع المقروء مع العلم أن نصوص الشاعر إسماعيل زويريق تخلق من داخلها مقومات تحفيزية فكرية وفنية وجمالية تشكل نظاما دلاليا يحفز القارئ على التفاعل القرائي. وقد أدرك الشاعر صعوبة هذا الرهان في تحقيق المواءمة بين المضمون التاريخي والاجتماعي والذاتي من جهة والخيال الشعري من جهة أخرى ذلك أن الخيال معيار الشعر الجيد وغي غيابه يغدو الكلام جنسا آخر غير الشعر. وتمثل الشاعر هذا الأمر مقتديا بالشعراء الذين استطاعوا بشكل منقطع النظير تحقيق هذه المواءمة الصعبة. يقول الشاعر في هذا الصدد “لقد كان مناري في ذلك كتاب الرحيق المختوم، منه أستوحي ما استوحيته في نظم السيرة مستنيرا مع ذلك بجملة من التآليف، ولا يخفى أن هذا قد لا يأتي إلا بما يبعدني عن رونق الشعر ومائه، وينأى بي عن مورد الصفاء الشعري وشرعه، فالخيال يمكن أن يشطح بي بعيدا، وقد يرمي بي في متاهة مهلكة لا يخرج طارقها ناجيا، لذا حاولت أن أبتعد بهذا الشعر عما يشينه، وإن غلبني طبع هذا الجنس من الأدب، والذي يرى في الحقيقة المنار الأبهى، وفي الواقع المتواتر الفانوس الذي تنجلي أمامه الظلمات”[20]

استطاع الشاعر بحق وبدون منازع أن ينال شرف المديح النبوي وشرف الإطالة فيه ولا يحتاج هذا الأمر إلا دليل مادام الكم الهائل من القصيد الذي ضمنه الشاعر ديوانه شاهدا عليه. ولعل هذا ما يؤكد مرة أخرى أن معيار الكم معيار فني وموضوعي يصح في ضوئه أن نفاضل بين الشعراء إلا أنه ليس المعيار الوحيد ذلك أنه يلزم النظر إلى هذا المعيار في علاقته بماء الشعر وجوهره وخياله والشاعر إسماعيل زويريق وفق هذا التصور لم يكن همه الكم فقط بل الكيف بالأساس. والشاعر حينما يدافع عن الإسلام ويمدح كل من سار على النهج القويم انسجاما مع قوله تعالى: “أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين”[21]. وهو ما نهجه الشاعر في ديوانه، إذ لم يكن تهمه الأسماء في حد ذاتها بل في نهجها الذي تميزت به والذي يتناغم وقيم الإسلام، سواء أولائك الذين عارضهم من الشعراء أو الخلفاء الراشدين.

ويغدو (على النهج) دليل إثبات على قدرة الشاعر إسماعيل زويريق على مجاراة الأقدمين من الشعراء البارزين والمشهورين في مطولاتهم الشعرية التي ترتكز على المديح النبوي بالأساس؛ والشاعر سعى بجدارة من خلال هذه المعارضات إلى تحقيق رهانين أساسيين؛ الأول فكري محوره العقيدة، والثاني فني محوره القصيدة.

فَدَعْني إنْ شَكَوْتُ جُموحَ صَدْري // خَيْرُ النّاسِ مَنْ بِالرُّوحِ جَـــــادَا[22]

 

هوامش:

[1]  ـ  على النهج، إسماعيل زويريق، مقدمة الشاعر للجزء الخامس، ص294

[2] ـ نقلا عن المرجع نفسه، توطئة، ص124.

[3]  ـ على النهج، شعر إسماعيل زويريق،  في خمسة أجزاء، الجزء الرابع، الطبعة الأولى 2015، المطبعة والوراقة الوطنية، الداوديات مراكش، ص257.

[4]  ـ السينية في مدح خير البرية، ص106

[5]  ـ على النهج، في عرصات النور، ص89.

[6] ـ ومضات من حياة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ص187.

 [7]  ـ على النهج، في عرصات النور،  ص89

 ـ على النهج، حديقة الرياحين، ص362[8]

[9]  ـ نفحات مسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، ص234.

 ـ ويح نفسي، ص97.[10]

[11] ـ على النهج، رمضان، ص 250

[12] ـ السنية في مدح خير البرية، ص111.

 ـ على النهج، قصيدة نور على نور، ص337[13]

 ـ مقدمة الشاعر للجزء الخامس، ص294 [14]

 ـ على النهج، سوف أسقيك مهينا، ص244[15]

[16] ـ ومضات من حياة الخلفاء الراشدين، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ص147

[17]  ـ على النهج، لحظات في مقام النجوى، ص259.

[18] ـ  ما أقول لكم (الصحف الأخرى)، قصيدة، مناجاة طائر الحرمين،  شعر حسن الأمراني، مطبعة الأحمدية، الطبعة الأولى 2016، ص152.

[19] ـ على النهج، السينية في مدح خير البرية، ص101.

[20]  ـ مقدمة الجزء الخامس (نور على نور)، ص298.

[21] ـ القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 90.

[22] ـ على النهج، الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية، ص117

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً