الرئيسية / الأعداد / من إشراقات الجلال إلى فتنة الجمال قراءة في قصيدة “بانت سعاد” للشاعر إسماعيل زويريق – محمد إكيدر

من إشراقات الجلال إلى فتنة الجمال قراءة في قصيدة “بانت سعاد” للشاعر إسماعيل زويريق – محمد إكيدر

دراسات

من إشراقات الجلال إلى فتنة الجمال قراءة في قصيدة “بانت سعاد” للشاعر إسماعيل زويريق

0

محمد إگيدر*

   مقدمة ..

يعتبر إسماعيل زويريق نجما ساطعا في سماء الشعر المغربي المعاصر وعلامة فارقة في القصيدة المدحية، ذلك لأن الشاعر استطاع أن يراكم منذ ما ينيف عن ستين حولا تجربة كمية ونوعية في المدح النبوي، ناهزت أكثر من ستين ديوانا وآلاف القصائد المنشورة في مختلف المنابر الورقية والرقمية، فاستحقت بذلك هذه التجربة أن تستأثر بأقلام النقاد وتستقطب اهتمام الدارسين داخل الوطن وخارجه.

وحسبنا أن أغلب الكتابات التي اشتغلت على هذا المتن الشعري كشفت نصوصا تختزن زخما شعريا في غرض المدح النبوي تميزه صور وأخيلة ماتعة ومعان ملتهبة تتعالق بشكل فسيفسائي مع متون تراثية غائبة من خلال المعارضة والتناص.

وإذا جاز لنا اعتبار الشاعر ضمير الأمة، يحمل بين جوانحه همومها وآلامها، ويستبطن جراحها وأوجاعها فإن نصوص الشاعر إسماعيل زويريق  تعكس هذا القلق الوجودي والإبداعي، وتكشف عن ذات شاعرة قلقة ومحترقة، تنزف في صمت آلام العصر، وتنبض في نفس الآن بآمال الأمة .. فصارت بذلك صرخة مدوية بالتغيير ورغبة جامحة لاستنهاض الهمم والإجابة عن أسئلة العصر .. أسئلة الإنسان والوجود والقيم الأخلاقية والجمالية في قالب شعري ماتع ومثير، وبذلك يمكن المراهنة على القصيدة لإصلاح ما أفسده الدهر، وتعيد للإنسان ما سلبته منه الحضارة الزائفة، كما يمكن لمعاني الجمال أن تطهر الروح من أدران الحياة وتجدف بقارب الأمة إلى ساحل النجاة.

فماهي الأسئلة الكبرى الثاوية في المشروع الشعري لإسماعيل زويريق بشكل عام وديوانه “على النهج” بشكل خاص؟ وماهي الرسائل التي حملتها قصائده إلى القارئ؟ وماهي ملامح الجلال والجمال فيها؟

وإلى أي حد يمكن تصنيف تجربته ضمن الشعر الاسلامي؟ وهل تنطبق عليها ما قاله الأصمعي في الشعر صدر الاسلام «الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف»؟ (1) وهل يمكن اعتبار إسماعيل زويريق في مدحه النبوي مقلدا ومتبعا أم مجددا ومبتدعا؟

وإن كان مجددا فماهي، إذن، تلك الإضافة النوعية واللبنة الفنية التي أضافها إلى القصيدة المدحية؟

أليست المعارضة تجربة نوعية بصمت أعماله الشعرية؟ وماهي القيمة المضافة التي ميزت معارضاته عن معارضات سابقيه من القدامى والمحدثين؟ أليس كل الشعراء المادحين لشخص الرسول الأكرم قد نظموا قصيدة واحدة بأشكال مختلفة؟

وإلى أي حد كسب الشاعر إسماعيل زويريق رهان المحافظة على القصيدة العمودية وأعاد لها بريقها المتوهج وسلطتها الإبداعية في غمرة الحداثة الشعرية؟ أليست كتابة القصيدة العمودية، في عصرنا الحالي، مغامرة إبداعية وإبحارا ضد التيار وصرخة في وجه الأشكال الشعرية المتحررة؟

وإلى أي حد تعتبر قصيدته “بانت سعاد” أنموذجا لذلك التعالق بين قصائده وما راكمه التراث الشعري العربي من نفائس القصائد المدحية؟ وكيف أجابت هذه القصيدة عن أسئلة العصر ورسمت صورة لبؤس الشاعر

بصفة خاصة والإنسان المعاصر بشكل عام؟

  • اسماعيل زويريق .. شاعر الرسول

لا يمكن للباحث عن سيرة الشعراء المراكشيين وذكر مناقبهم في العصر الحديث دون أن يستوقفه اسم

الشاعر “إسماعيل زويريق”، الذي تجاوز صيته ربوع الوطن العربي، واقترن اسمه بمدح الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام.

ولد “إسماعيل زويريق” بمدينة مراكش عام 1944، وعلى الرغم من أصوله الرودانية إلا أنه مراكشي الهوى والنشأة، حيث ارتبط ذكره بالمدينة الحمراء واحتفى بها في جزء كبير من أعماله الشعرية والنثرية؛ ففي أحيائها العتيقة عاش ردحا من الزمن، وفي كنفها تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي. اشتغل بمهنة التدريس سنوات بعدها تخرج من مركز تكوين المفتشين سنة 1975. وعلى الرغم من انشغالاته التربوية إلا أن الكتابة نالت حظا وافرا من اهتماماته، فجرب فن القصة منذ مطلع الستينيات قبل أن تأخذ القصيدة الحظ الأوفر من اهتماماته، ناهيك عن إبداعاته في الفن التشكيلي وأبحاثه في النقد الأدبي والتراث الشفهي والذاكرة الجماعية والتوثيق الببليوغرافي؛ فكان غزير الإنتاج، حيث أغنى المكتبة المغربية والعربية بأكثر من ستين مصنفا، منها ثمان وأربعون مجموعة شعرية تشمل الشعر العمودي وقصيدة التفعيلية، وثلاثة عشر كتاباً. ومن دواوينه الشعرية: “نخلة الغرباء”، و”بوابة الريح”، و “كأس الزقوم” و”الواحة المهجورة”، و”أسفار الطين”، و” ذات العماد”، و”لامية الوطن” و”لا زيت في المصباح”، و”ما فوق هذه الأرض” … ويبقى ديوانه “على النهج” ذرة أعماله وذروة إبداعه(2) ؛ وهو عبارة عن معارضات في المديح النبوي والخلفاء الراشدين؛ وقد صدر في خمسة أجزاء، وضم ثمانية عشر ألف بيت، وهذا ما جعل اسم “إسماعيل زويريق” يقترن بالمدح النبوي حتى نال، عن جدارة، لقب “شاعر الرسول” في العصر الحديث.

شارك “إسماعيل زويريق” في العديد من المهرجانات الشعرية داخل المغرب شمالا وجنوبا، وامتد صيته خارج حدود الوطن، وتوج بجوائز عديدة، اعترافا بعطائه الشعري السامي والمتميز؛ منها “مهرجان الشارقة”  (3) ، و”مهرجان مكة المكرمة” الذي منحه عضوية مجمع اللغة العربية، و”مهرجان المدينة المنورة” الذي حصل فيه على لقب: “شاعر الرسول” صلى الله عليه وسلم.

وإذا كانت الأعمال الشعرية لإسماعيل زويريق على غزارتها وغنى وتنوع مواضيعها تتمحور حول مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الإحاطة النقدية بها أمر صعب ومهمة شاقة، تتطلب نفسا طويلا ومشروعا نقديا ضخما، ولذلك فإن أغلب القراءات التي تناولت هذا المشروع الشعري اكتفت بتسليط الضوء على جوانب خاصة منه، وهو الحال في هذه القراءة المتواضعة، حيث وقع اختيارنا على قصيدة “بانت سعاد” ضمن ديوانه “على النهج” (4).

  • المدح النبوي في قصيدة “بانت سعاد”

جاء في لسان العرب في مادة (مدح): “المدح: نقيض الهجاءِ وهو حُسْنُ الثناءِ؛ يقال: مَدَحْتُه مِدْحَةً واحدة ومَدَحَه يَمْدَحُه مَدْحاً ومِدْحَةً، هذا قول بعضهم، والصحيح أَن المَدْحَ المصدر، والمِدْحَةَ الاسم، والجمع مِدَحٌ، وهو المَدِيحُ، والجمع المَدائحُ والأَماديح … والمَدائِح: جمع المديح من الشعر الذي مُدِحَ به كالمِدْحة والأُمْدُوحةِ؛ ورجل مادِحٌ من قوم مُدَّح ومَديحٌ مَمْدوح، وتَمَدَّحَ الرجلُ: تكلَّف أَن يُمْدَحَ. ورجل مُمَدَّح أَي مَمْدوحٌ جدّاً، ومَدَحَ للمُثْنِي لا غير. ومَدَح الشاعرُ وامْتَدَح، وتَمَدَّح الرجل بما ليس عنده: تَشَبَّع وافتخر. ويقال: فلان يتَمَدَّحُ إِذا كان يُقَرِّظُ نفسه ويثني عليها، والمَمادِحُ: ضدّ المَقابح، وامْتَدَحتِ الأَرض وتَمَدَّحَتْ: اتسعت، وامْدَحَّ بطنُه: لغة في انْدَحَّ أَي اتسَع. وتَمَدَّحتْ خواصر الماشية: اتسعت شِبَعا” (5)، ” والمدح نقيض الهجاء و هو حسن الثناء”(6).

واصطلاحا، يعتبر المدح غرضا أصيلا كالوصف والفخر والغزل والهجاء والرثاء … وبذلك فقد ارتبط بنشأة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي لعوامل قبلية وسياسية واجتماعية ونفسية لما له من أثر بالغ في نفس الممدوح أولا، وفي نفس المتلقي ثانيا. وإذا كان غرض المدح يقوم على وصف الممدوح بصفات حسنة واستجلاء مناقبه وخصاله الحميدة كالصدق والمروءة والشهامة والإباء … فإن المدح، بحسب مقاصده، نوعان: مدح تكسبي يراد منه المال والجاه ونيل الحظوة والشرف، ومدح قلبي يراد منه التعبير عما يخالج النفس من حب وتقدير وإعجاب بالممدوح وانبهار بشيمه وخصاله الحميدة، وفي هذا الباب يدخل المدح النبوي.

وتعتبر قصيدة “بانت سعاد” أنموذجا لشعرية المدح النبوي عند إسماعيل زويريق ومثالا لمعارضاته المتعددة،(7) والتي مطلعها:

بَانَتْ سُعَادُ، فَمَا لِلْحُزْنِ تَمْهِيلُ      الدَّمْعُ مُنْسَجِلٌ وَالجِسْمُ مَهْزُولُ

 حيث يحيل إلى اعتذارية كعب بن زهير المعروفة عند النقاد والدارسين بالبردة(8)، والتي مطلعها:

بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ         مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ:

وهنا يحق لنا أن نطرح السؤال الآتي: ما مسوغ هذه المعارضة؟ هل هي مجرد اتكاء على الثرات واجترار للماضي وإحالة عليه، أم أن وراء هذه المعارضة دلالات وعِبَر يمكن استنباطها من التعالقات بين النصين رغم البون الزمني السحيق الذي يفصل بينهما؟

لعل إسماعيل زويريق يتقاسم مع كعب بن زهير نفس الشعور بالذنب والخيبة، وشربا معا من نفس الكأس مرارة الاغتراب عن الذات ؛ مما دفعهما معا إلى الاعتذار؛ فكعب يعتذر للرسول (ص) من خطيئة التشبيب والتشهير بنساء المسلمين، لكن شاعرنا يعتذر عما آلت إليه أوضاع المسلمين ولتفريطهم في دينهم الذي هو عصمتهم. وإذا كان كعب يتوق إلى ملاقاة الرسول (ص) والجلوس في حضرته، فإن شاعرنا يشعر بنفس الظمأ، ويكتوي بلهيب الشوق إلى زيارة الروضة الشريفة، حيث قال:

 ظمآنُ والكأس في كفي مُترعة       لا نهرُ درعة يرويني ولا النّيلُ

وإذا استوقفت العرب الأطلال واستبكت الربع، فإن تيمة الفقدان تجمع بين الشاعرين معا، حيث نجد قول كعب:

 أمْـسَتْ سُـعادُ بِـأرْضٍ لا يُـبَلِّغُها      إلاَّ الـعِتاقُ الـنَّجيباتُ الـمَراسِيلُ

يقابله قول إسماعيل زويريق:

 أمست بسبتة قلبا قد من حجر      فالصد شيمتها، والوعد ممطول

حيث إن بين الشاعر وسبتة بون وفقدان ولد في وجدانه ألما يعادل الألم الذي انتاب كعبا لفراق محبوبته. وبذلك تصير سبتة معادلا موضوعيا لسعاد لما بينهما من تشابه.

وفي مقام آخر يناظر الشاعر بين مراكش / مسقط رأسه والزهراء/ مهوى فؤاده، فهو حاضر هنا جسدا لكنه غائب روحا، حيث عقله وجوارحه متعلقة بمدينة رسول الله (ص)، حيث قال: (9)

شوقي إليك رسول الله ليـس له          حد ولا لرجائي فيك تمثــيل

  لكنني، ويدي من عسرة ضمرت         أنا بمراكش الحمراء مغلــــول

جسمي هنا بين أغراس النخيل بلا    عقل، فعقلي إلى الزهراء منقول

وبذلك فقد قد استلهم إسماعيل زويريق مقومات القصيدة العربية التقليدية لأنه يؤمن أن زمن الشعر مفارق لزمن التاريخ، وأن المواقف والمشاعر التي عاشهما الشاعران واحدة وإن فرقتها الدهور والأزمان.

إن المعارضة ليست ترفا فنيا بقدرما هي وسيلة لاستعادة الزمن الضائع واللحظة المنفلتة من عقالها، فالشاعر يحمل على ظهره حملا سيزيفيا وزر الأمة وهمومها وانقيادها وراء الأباطيل المضللة، مما جعله يبث شكواه على رسول الأمة وخاتم الأنبياء منتحبا ومتألما راجيا عودتها إلى جادة الصواب، معتذرا عما اقترفته من ذنوب وأباطيل، طالبا العفو والمغفرة من ربه، وفي ذلك يقول: (10)

 يا هادي الناس إن الأمة انفرطت     عقودها، وانتصت فيها الأباطيل

والقوم من أمرها في غفلة ذكرت        عن نصرة الدين ألهتهم أشاغيل

 أسرفت في فعل ما يدني إلى سقر       فها أنا فوق ظهر الخوف محمول

أتيت والذنب قد أرخى ذلاذله            وما على غير عفو الله تعويــل

لقد اتَّخَذ الشاعر المدح وتوسل بأسلوب المعارضة  لبث شكواه وصب آلامه والبوح بلهفته وشوقه إلى زيارة الحرمين الشريفين حتى يغسل روحه من أدران الدنيا ويرتقي بروحه إلى ملكوت السماء.

على سبيل الختم:

لقد كتب إسماعيل زويريق هذا النص وهو محموم بأسئلة الوجود، مخمور بمحبة سيد الوجود حتى الثمالة .. كتب كلماته بدماء المحبة السرمدية، و نفخ في رحم اللغة إكسير الحياة، في زمن أضعنا فيه بوصلة المشاعر وتقلصت جغرافية الإبداع، وتضاءل أوكسجين الجمال، وتقزم حجم الحرف، وتآكلت لغة الأحاسيس النبيلة ، لقد كان مكتويا بلهيب الشوق إلى عالم النقاء، شغوفا بلمس المطلق هائما في ملكوت البهاء، مسكونا بلغته، مهووسا بأسئلته حتى الفناء.

وبذلك ولدت قصائده مفعمة بالبهاء طافحة بالحياة كأنها ممتدة بالمعاني تنكسر عليها أمواج الأحلام القادمة من محيط الرؤى العميقة خلف أفق الروح حيث يعانق ماء الجمال سماء الجلال، فتفتن الناظر وتسحر العابر وتستفز القارئ بالعوم في لجها العميق. ونصوصه حوار هادئ يتسامى فيه الفكر وتغتسل فيه الروح بالبهاء في زمن تسيدت فيه المادة واحتضرت فيه الأحاسيس الجميلة.

هوامش وإحالات

  • أوردها ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء.
  • الطبعة الأولى2015.
  • وهو مهرجان ينظم برعاية سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وفيه توج بلقب”شاعر الرسول” سنة ،2020.
  • الجزء الأول من ص 13 إلى 19 ط/1 2015
  • لسان العرب لابن منظور.
  • الخليل بن أحمد الفراهيدي معجم العین ، ج3 ، ص188.
  • وظف النقد القديم كلمة معارضة للدلالة على المجاراة والمحاكاة في الشعر والنثر على حد سواء، قال الفيروز أبادي في القاموس المحيط: عارض الطريق: جانبه وعدل عنه وسار حياله، والكتاب قابله. وفلانًا بمثل صنيعه: آتى إليه مثل ما أتى، ومنه المعارضة.
  • “كعب” شاعر مخضرم عاش عصرين مختلفين هما عصر ما قبل الإسلام وعصر صدر الإسلام. من فحول الشعراء.. كان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام هجا النبي محمدا عليه السلام، وأقام يشبب بنساء المسلمين، فأهدر الرسول دمه لما انحط اليه من درك تأباه العرب مهما اختلفوا فيها بينهم، فجاءه كعب مستأمناً وقد أسلم وأنشده “لاميته” المشهورة.
  • قصيدة البردة، ديوان على النهج لإسماعيل زويريق، ج1 ط1 2015 ص 17.
  • نفسه ص 18 – 19

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً