الرئيسية / الأعداد / صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي

الحَسَن الگـامَـح*

 

على سبيل البدء

في عالم الفن التشكيلي، يظل الألم الإنساني أحد أكثر المواضيع عصياناً على التجسيد، فهو شعور غير مرئي، ينهش الروح في صمت ويعيد تشكيل الملامح والجسد من الداخل. ومع ذلك، تأتي هذه اللوحة للفنانة فيفيان الصايغ لتقدم لنا مقاربة بصرية مغايرة، لا تكتفي بنقل ملامح المعاناة، بل تجعل من الوجع كائناً حياً، صارخاً، ومهيمناً على الفضاء الوجودي للعمل.

من خلال توليفة بصرية مشحونة بالدراما، تضعنا الفنانة أمام مشهد تراجيدي تتداخل فيه الخطوط والألوان لتعرية النفس البشرية في لحظة انكسارها القصوى. إنها رحلة بصرية ونفسية، تعبر بنا من السطح المادي للجسد الملتوي إلى الأعماق السحيقة للروح المحاصرة، حيث يتأرجح الإنسان بين رغبة عارمة في الصراخ والتحرر، ومحاولة مستميتة لحماية نواته العاطفية الأخيرة من الابتلاع والضياع.

على سبيل القراءة الفنية:

ينفتح هذا السفر البصري في تجربة الفنان بسام الحجلي على لحظة فارقة بين التداعي والانبعاث، حيث تتوقف اللوحة عن كونها مساحة تتسع للألوان، لتغدو مسرحاً مكثفاً يتصارع فيه الذاتي بالموضوعي، والجسدي بالروحي. إن الولوج إلى عوالم هذا العمل يستلزم تجريد الرؤية من النمطية الشكلية، والعبور مباشرة إلى قلب المادة اللونية التي تشكلت كذاكرة حية للوجع والإصرار الإنسانيين.

من هذا المنطلق، لا تأتي اللوحة لتروي حدثاً ظاهرا أو تقدم بورتريهاً ساكناً، بل لتبني بوابتها الخاصة نحو الداخل؛ حيث يمارس الفنان عملية حفر عميق في أعمق طبقات النفس البشرية، محولاً القماش والزيت إلى مرآة تعكس تشظي الكائن المعاصر ومحاولاته المستميتة للمّ شتات وجوده وسط ركام الحياة.

على سبيل الرسالة الفنية:

ينفتح هذا العمل للفنان التشكيلي بسام الحجلي (قياس 120×90 سم) على مجرة من الألوان المتشظية، حيث لا يبدأ الرسم من الخط، بل من أنين المادة وولادة الضوء من عتمة القماش. تتداعى الكتل اللونية في مركز اللوحة كأنها حلم يتفتت، أو وجه إنساني يزيح عن كاهله قناع الوجود ليستعرض ما تحت الجلد من شجن وضجيج؛ إذ يفكك الفنان ملامح البورتريه إلى طبقات متداخلة ومساحات لونية تتداخل فيها التعبيرية التجريدية مع نفحات تكعيبية تجزئ الكتلة لتجسيد الحالة الداخلية بدلاً من المظهر الخارجي.

يتنفس العمل ببنفسجي غائم يحيط بالحافة، خافت وهادئ، يضفي جوّاً من الغموض والعزلة. لكن هذا الهدوء المحيط محاط بعاصفة في البؤرة اللونية المركزية، حيث تنفجر حمرة دائرة مع أصفر ذهبي وأخضر فيروزي وأزرق عميق؛ وكأننا أمام قلب نابض يحاول الفكاك من قبضة الليل، أو كائن أسطوري يلملم أجزاءه المكسورة وسط ركام من الضوء.

تتدفق الخطوط السوداء والداكنة من الأسفل كأشواك ناعمة أو أغصان عارية تتسلق جدار الروح لتخترق اللوحة، فيما تتساقط القطرات اللونية كدموع المطر على زجاج الذاكرة. فليس سكين الفنان هنا أداة لبسط اللون، بل إزميلاً ينبش في جغرافيا الوجع، مستخدماً تقنية الطلاء الكثيف ليصنع ملمساً زاخراً بالحياة والنبض.

على سبيل الرسالة الإنسانية

تكمن الرسالة الفنية لهذا العمل في سبر غور التجربة الإنسانية والتحول الداخلي؛ فاللوحة تعبر عن فكرة أن الإنسان ليس كياناً ثابتاً بل مجموعة من الطبقات والتجارب المتراكمة، وأن الانهيار والتفكك ليس نهاية، بل هو خطوة أولى نحو إعادة البناء. كما يجسد التباين الحاد بين البرودة المحيطة والحرارة المركزية الصراع الأبدي بين المظهر الخارجي الهادئ الذي يبديه الإنسان، وبين البركان العاطفي والقلق المتوهج في داخله.

وعلى الصعيد الإنساني، تتمحور الرسالة حول التعاطف مع التهشّم الداخلي للإنسان وتجسيد قدرته على الصمود. فالوجه التجريدي المغيب الملامح يمثل الإنسان الكوني في كل زمان ومكان، مؤكداً أن الهشاشة ليست هزيمة، وأن الألوان الحارة والخطوط الصاعدة تعلن انتصار الحياة وإرادة النهوض مهما كانت الظروف قاسية.

على سبيل الختم:

يتجلى عمل الفنان التشكيلي بسام الحجلي بوصفه وثيقة بصرية واستثنائية تجسر المسافة بين المادة والروح، وبين ألم التفكك وأمل الانبعاث. إنها ليست لوحة زُينت باللون، بل هي أثر حي يعيد صياغة الأسئلة الإنسانية الأكثر عمقاً؛ حيث يتحول التجريد إلى لغة كونية، والطبقات اللونية المتراكمة إلى ذاكرة تنبض بالوجع والجمال في آن واحد.

وفي النهاية، يظل هذا العمل مفتوحاً على أبواب تأويل لا تنتهي، يدعو كل ناظر إليها ليرى فيها انعكاساً لمشاعره الخاصة، وليجد وسط ركام الألوان والخطوط المتشابكة مساحة شفافة للتأمل، والترميم، واكتشاف الذات.

 

شاعر وباحث في الجماليات

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حين ينقسم الزمن قراءة في كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق – سمير اليوسف

سمير اليوسف*   ثمة كتب تقرأ الزمن بوصفه ما يمر، وكتب تقرأه بوصفه ما يتركه …

اترك تعليقاً