
المتخيل الشعري في الكتابة النثرية لجبران خليل جبران
(دمعة وابتسامة نموذجا)
جواد عامر
لم يكن جبران كاتبا عاديا على الإطلاق ، فقد كان له خيال مجنح فاق كل الحدود التي لا يمكن لأي كاتب أن يبلغها مهما كانت درجات التخيل عنده ، فقد قدم جبران للقارئ العالمي نصوصا ملأى بأفكارعبرت عن فلسفته في الحياة وإدراكه للوجود بما كان متناسبا مع توجهات الاتجاه الرومانسي الكبير بفروعه الثلاثة : مدرسة أبولو ومدرسة الديوان والمدرسية المهجرية التي ينمتي إليها جبران والتي تزعم جمعيتها المعروفة بالرابطة القلمية سنة 1920 ، لقد كان جبران كاتبا مهووسا إلى حد الجنون بالكتابة ، تفتقت موهبته في الرسم في مرحلة مبكرة وتفجرت قريحة الرجل المبدع مع أول مقالة له تحت عنوان رؤيا التي نشرها عام 1904 في مجلة المهاجر لأمين الغريب الذي حثه على المزيد من الإنتاج بعدما أعجب القارئ بلغة جبران الجميلة والمطلقة لعنان الخيال ، وهنا كانت انطلاقة أديب كبير حفر اسمه بأحرف من نار على سفر الوجود ولم يكتبها بأحرف من ماء كما كان يقول ، طموح قل له النظير جعل منه أسطورة في الكتابة والإبداع ولعل ما زكى ذلك لغته المتفردة الطافحة بالشعرية المتدفقة ، فهو القائل عن لغته :” لكم لغتكم ولي لغتني” ، لذا لا يلبث قارئه أن يستشعر هذه الملكة وهي تناغيه وتخاطب فيه كل جزء من ذاته فكرا وإحساسا وحدسا ليجد نفسه سابحا عبر أثير اللغة في ملكوت سماوي لم يألفه من قبل ، يلفي له لذة وطعما جميلا يستلذه وهو ماض في رحلة ممتعة على سحب الخيال المجنح التي تنتقل به هنا وهناك وهو يلتقط النجمات المؤتلقة من أنامل جبران الساحرة ، ولعل هذا الائتلاق يعود بدرجات كبيرة إلى سعة الخيال وتدفقه كالنهر المنساب حالما بين أحضان الطبيعة لتحملك اللغة الشاعرية الملأى بالرموز والاستعارات والمجازات إلى السباحة معها في دوامتها اللامتناهية ، حتى إن القارئ لا يكاد يفيق من حلم حتى يغشاه حلم آخر كنوع من التوليد التخييلي الذي طفحت به إبداعات جبران النثرية والتي لخصها وعصرها عصرا في قصيدته المواكب .
إن قارئ جبران لا يلبث أن يستشعر هذا التنقل والسفر عبر ثنايا اللغة الواصفة المفعمة بالرمزية الحالمة والشعرية المتدفقة، ولتجلية هاته الخصائص الإبداعية ارتأينا أن نتناول كتاب : دمعة وابتسامة بالدرس لاعتبارات أدبية وفكرية ذلك أنها تحتوي أول ما أبدعه جبران في مسيرته الأدبية مما يمنحها قيمة مضافة بالنسبة لي فهو أول عاصفة في حياته كما قال في الإهداء ، وأنها شكلت أيقونة إبداعية بأسلوبيتها المتفردة التي لم تألفها الذائقة العربية من قبل مهما بلغت الصنعة البيانية من شأو مع كبار البيانيين في ذلك التاريخ ولاعتبارتمثيلي تظهر فيه المواصفات التي تكلمنا عنها جلية دون أن يعني ذلك سقوطها في بقية الأعمال فدمعة وابتسامة ما هي إلا نموذج مصغر آثرنا أن نضرب به المثال فقط للمتخيل الشعري الدافق ماؤه في جوهر اللغة الواصفة عند عميد الرابطة القلمية لا غير وللاعتبارات التي ذكرنا آنفا ، يقول ميخائيل نعيمة (1*): ” يضم الكتاب بين دفتيه نحوا من ستين مقطوعة ينثر فيها جبران نتفا فياضة من قلبه ، وشرارات وهاجة من فكره ، وألوانا مواجة من خياله . وينثرها بقلم ناعم ، صادق ، سخي ، يحاول في الكثير من نبراته محاكاة مزامير داود ونشيد سليمان وسفر أيوب ومراثي أرميا وتخيلات أشعيا وعظات الناصري ولا عجب فقد كان للتوراة في نصيها العربي والإنجليزي أبعد الأثر على الأسلوب الذي اختاره جبران لنفسه فتفرد به بين كتاب العرب وكتاب الإنجليز ولم يسبقه إليه عند الإفرنجة غير نيتشه ”
تتوزع دمعة وابتسامة إلى مجموعة من المقالات التأملية والقصص الوجودية مثل في مدينة الأموات وموت الشاعر حياته وبنات البحر، النفس، ابتسامة ودمعة، الجمال، زيارة الحكمة ،مناجاة، أيتها الريح وغيرها .. وفي كل قطعة نثرية تذوب الفواصل بين النثر والشعر وتمحى بقلم جبران البارع وخياله الواسع متعدد الألوان ، يقول محمد بنيس (2*): ” تؤكد الممارسة الجبرانية على إلغاء الحدود بين الشعر والنثر وهو موقف نستشفه من الممارسة النصية العربية القديمة منذ أن أصبحت الكتابة الرسائلية تتمتع بوظائف درت اللغة لعبة تبدل تراتبها .هذا ما استدللنا عليه سابقا وأتى جبران ليلغي الحدود ثانية ثم يعلن عن الإلغاء في الوقت ذاته وهو ما ناهضته التقليدية رغم اعترافها بأن إعجاز الأمم الحديثة كامن في الممارسة غير الشعرية ، أي النثر ” .
يقول جبران في دمعة وابتسامة (3*): ” يأتي المساء فتضم الزهرة أوراقها وتنام معانقة شوقها ، وعندما يأتي الصباح تفتح شفتيها لاقتبال قبلة الشمس ، فحياة الأزهار شوق ووصال ،دمعة وابتسامة .
تتبخر مياه البحر وتتصاعد ثم تجتمع وتصير غيمة ، وتسير فوق الطلول والأودية حتى إذا ما لاقت نسمات لطيفة تساقطت باكية نحو الحقول ، وانضمت إلى الجداول ورجعت إلى البحر موطنها ، حياة الغيوم فراق ولقاء ،دمعة وابتسامة ”
إنها تمثيلات بيانية رائعة مستوحاة من كتاب الطبيعة يرسم على أوراقه جبران لوحات بريشة الخيال المبدعة ويكسوها حلة زاهية بالألوان، تمثيلات واقعية لا تلحظها ولا تلتقطها إلا عين مشربة بفكر متقد وحس مرهف بالجمال ، ورؤية فلسفية عميقة تتغلغل إلى البواطن فتترقى عن البساطة التي يمارسها العوام فكلنا يرى الزهر متفتحا في الصباح ومنضما في المساء ويعلم أن الماء المتبخر يصير مطرا يعود إلى البحر والنهر لكن من منا أدرك الفلسفة بين البداية والنهاية ، بين الانطلاق والوصول في فلك دورة الحياة ، ليمثل بعناصر الطبيعة للأحاسيس والعلاقات الإنسانية تمثيلا يقوم على التناقض والتكامل، عبر صور يأخذك بعضها إلى بعض في رحلة نحو اللانهاية .
وتستمر هاته التمثيلات الرائعة المنعتقة من براثن الخيال الواسع في نماذج أخرى في دمعة وابتسامة كما في موت الشاعر حياته حيث أراد جبران أن ينقل صورة العلم وقيمة الشاعر في الوسط الاجتماعي المشحون بالجهل ، حيث التجاهل وعدم الاعتراف بالمكانة وقيمة الإبداع ، فينقل الصورة في نسق تخييلي بديع يكاد يكون مستحيلا واصفا الجو الليلي الذي لفه البرد واكتنفته الأرياح المتأوهة كمؤبن وقف بين القبور الرخامية يرثي فريسة الموت ، حيث يتواجد كوخ حقير بداخله فتى شاعر في مقتبل العمر ينتظر انعتاقه من قيود الحياة ليبدأ مخاطبا المنية مناديا عليها لتأخذه وتنقذه من البشر الذين تخلوا عنه وتركوه في زوايا النسيان .. فجاءت امرأة ذات جمال غير بشري تحمل في يديها إكليل زنابق من نبت الحقول العلوية فأغمضت عينيه فخلا الكوخ إلا من بعض التراب وأوراق منثورة فلما مرت الأجيال واستفاق الناس ورأوا فجر المعرفة أقاموا لذلك الشاعر تمثالا وعيدوا له في كل عام ، خيال مثل هذا لا يمكن الحكم عليه إلا بالقوة العارمة والانعتاق اللامحدود من المألوف، لذلك وجد القارئ العربي نفسه أمام خيال رهيب لا يضاهى ، خيال يضع القارئ في حضرة الروح السامية ويرتفع بها إلى منازل راقية ينساب فيها مع المتخيل الشعري الطافح فيها كما ينساب الماء في دعة وسكون حالمين .
إن الأمثلة في كتابات جبران النثرية لا تكاد تحصى لغزارتها في كل موضع لا يكاد يخلو منها وحسبنا هذا التمثيل الذي استشهدنا به للدلالة على مزعمنا في امتلاء كأس لغة جبران بالنفس الشعري ، هذا النفس الذي وجدناه مفعما بالخيال المجنح والذي تفجر في المواكب أيما تفجر في حدود مائتين وثلاثة أبيات عصر فيها جبران كل أعماله النثرية فيها لكأنما ما كتبه من نثر لم يكن ليشفي غليله الشعري رغم ما فيه من دفقة الشاعر ورهافة الناظم لتتوج المواكب هذا النفس وتطفئ شيئا من لوعته الشعرية المتفجرة .
والمثير في الأمر كله هو هذا الوعي الراقي من جبران نفسه الذي اخترق حدود الكتابة المألوفة بنوع من التعالي الأنيق حينما قال(4*) : ” لكم لغتكم عجوزا مقعدة ولي لغتي صامتة غارقة في بحر أحلام شبابها وماذا عسى أن تصير إليه لغتكم وما أودعتموه لغتكم عندما يرفع الستار عن عجوزكم وصبيتي ؟ أقول لكم إن لغتكم ستصير إلى اللاشيء ، أقول إن السراج الذي جف زيته لم يضيء طويلا ، أقول إن الحياة لاتتراجع إلى الوراء ، أقول إن خشب النعوش لا يزهر ولا يثمر أقول إن ما تحسبونه بيانا ليس بأكثر من عُقْمٍ مُزركش وسخافة مُكَلَّسَةٍ ، أقول إن النَّظم والنَّثر عاطفة ٌوفكْرٌ وما زاد على ذلك فخيوط واهية وأسلاك متقطعة. يعلق الأستاذ محمد بنيس على هذا الكلام قائلا (5*) :”جبران يواجه المجموع بتفرده والسائد بإبداعه ، بالتوكيد على لغته الشخصية ، لغة الذات الكاتبة ،هو ذا جبران يجسد علاقته بالثقافة العربية القديمة ، يعود إليها (من غير إشارة لمصدر غربي) ليقرأها في ضوء إحدى إشكاليات الحداثة العربية وهي اللغة ” ، إنها رؤية عميقة تتسم بالتعالي على تلك الصنعة البيانية المزركشة غير المورقة ولا المثمرة بسبب جفائها وعقمها وابتعادها عن المكنون الإنساني ومخاطبة الجوهر فينا ، إن جبران بهذه الرؤية الغائرة قدم للغة أسمى الخدمات ومنحها القوة في الانعتاق نحو المطلق واللامحدود وهو ما لم يستطعه كاتب في عصره أوسابق على عصره ولن يكون لكاتب في زمن لاحق فجبران واحد في التاريخ ومن المستحيل أن تولد القرائح جبران آخر يخرج من رحم الوجود .
(1*) ميخائيل نعيمة جبران في آثاره العربية ،المجموعة ص 19.
(2*) محمد بنيس الشعر العربي بنياته وإبدالاتها 2ـ الرومانسية العربية . دار توبقال للنشر ط. 2 سنة 2001ص64
(3*) دمعة وابتسامة : جبران خليل جبران دار إحياء العلوم البيضاء . ط.2 سنة 2002 ص6
(4*) هذا النص عثرعليه الأستاذ محمد بنيس في كتاب : الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، محمد محمد حسين ، مؤسسة الرسالة ، ط .6 بيروت 1983 ص275 وكان هذا البيان قد نشر ضمن مجموعة الخميلة ، بيروت 1959.
(5*) الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها 2ـ الرومانسية العربية . دار توبقال للنشر . ط . 2 سنة 2001 ص62
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي