السينما والقيم والتغيير المجتمعي: مقاربة تربوية. (الجزء الثاني): آليات تأثير السينما من خلال تحليل فيلم “هذا الزمان”

بوعياد إمناشن*
1- آليات تأثير السينما في القيم
إذا كانت السينما قادرة على التأثير في القيم والمساهمة في التغيير المجتمعي، فإن هذا التأثير لا يحدث بصورة مباشرة أو ميكانيكية، بل يتم عبر مجموعة من الآليات النفسية والاجتماعية والثقافية والرمزية المعقدة. فالسينما ليست مجرد ناقل للمعلومات، وإنما هي نظام متكامل لإنتاج المعنى وصناعة التمثلات وتوجيه الإدراك وبناء المواقف. ولهذا اهتمت علوم الاتصال وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والدراسات الثقافية بتحليل الكيفية التي تمارس بها الصورة السينمائية تأثيرها على الأفراد والجماعات.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في عصر الثقافة البصرية، حيث أصبحت الصورة المتحركة إحدى أهم الوسائط المشاركة في التنشئة الاجتماعية وصناعة الرأي العام وإعادة تشكيل المرجعيات القيمية. فالفيلم السينمائي لا يغير المجتمع بقرار مباشر، ولكنه يساهم في إعادة بناء التصورات والتمثلات التي ينظر من خلالها الأفراد إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.

1.1- السرد والاندماج الوجداني
تُعد القصة أو السرد من أقوى آليات التأثير السينمائي. فالإنسان بطبيعته كائن سردي يفهم العالم من خلال الحكايات والقصص. وعندما يشاهد المتفرج فيلماً سينمائياً فإنه لا يتلقى معلومات مجردة، بل يدخل إلى عالم حكائي متكامل يتابع فيه شخصيات وأحداثاً وصراعات ونهايات.
وفي أثناء هذه العملية يحدث ما يسميه علماء الاتصال “الاندماج السردي”، حيث ينخرط المشاهد وجدانياً ونفسياً في العالم الذي يقدمه الفيلم. وكلما ارتفعت درجة التماهي مع الشخصيات، ازدادت إمكانية التأثر بالقيم والمواقف التي يحملها العمل السينمائي.
ولهذا السبب غالباً ما تكون الرسائل القيمية المضمنة داخل الحكاية أكثر تأثيراً من الخطابات المباشرة، لأن المشاهد يتبناها من خلال التجربة العاطفية التي يعيشها مع الشخصيات والأحداث.
2.1- التماهي مع الشخصيات والنماذج السلوكية
تؤثر السينما في القيم من خلال تقديم نماذج بشرية وسلوكية تصبح موضوعاً للتعاطف أو الإعجاب أو الرفض.
فالمشاهد لا يتفاعل مع الأفكار المجردة بقدر ما يتفاعل مع الأشخاص الذين يجسدون تلك الأفكار. وعندما ينجح الفيلم في خلق شخصيات جذابة وقريبة من الجمهور، فإن هذه الشخصيات تتحول إلى نماذج مرجعية يمكن أن تؤثر في السلوك والاتجاهات.
وقد بينت نظرية التعلم الاجتماعي لدى ألبرت باندورا أن الأفراد يتعلمون من خلال الملاحظة والمحاكاة، وأن مشاهدة سلوك معين مصحوب بنتائج إيجابية تزيد من احتمال تبنيه. ولهذا يمكن للسينما أن تساهم في ترسيخ قيم إيجابية كالتضامن والشجاعة والمسؤولية، كما يمكن أن تساهم في تطبيع بعض السلوكات السلبية إذا تم تقديمها بصورة جذابة أو مبررة.
3.1- صناعة التمثلات والصور الذهنية
لا تكتفي السينما بعرض الواقع، بل تساهم في بناء الصور الذهنية التي يحملها الأفراد عن الأشخاص والجماعات والقضايا الاجتماعية.
فكثير من معارفنا حول فئات اجتماعية أو ثقافات أو شعوب معينة لا تأتي من التجربة المباشرة، بل من خلال الوسائط الثقافية والإعلامية، وفي مقدمتها السينما.
ومن خلال التكرار والاستمرار تصبح بعض الصور السينمائية جزءاً من الوعي الجماعي، فتتشكل تصورات معينة حول المرأة أو الشباب أو الأسرة أو المدينة أو القرية أو الدين أو السلطة أو الآخر الثقافي.
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف السينما وخطورتها في الوقت نفسه، لأنها لا تنقل الواقع فقط، بل تساهم في إنتاجه رمزياً داخل أذهان المتلقين.
4.1- التأثير العاطفي والانفعالي
تتميز السينما بقدرتها الفائقة على مخاطبة العواطف والانفعالات الإنسانية. فهي توظف الصورة والصوت والموسيقى والإضاءة والإيقاع والمونتاج بطريقة تجعل المشاهد يعيش التجربة شعورياً قبل أن يعالجها عقلياً.
ولهذا فإن تأثير السينما لا يمر فقط عبر الإقناع المنطقي، بل عبر الاستثارة الوجدانية. فالخوف والتعاطف والحزن والفرح والأمل والغضب كلها مشاعر يمكن أن يوظفها الفيلم لترسيخ مواقف وقيم معينة.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن الرسائل المرتبطة بتجربة انفعالية قوية تكون أكثر قابلية للتذكر والاستبطان، وهو ما يفسر الأثر العميق الذي تتركه بعض الأفلام في ذاكرة المشاهدين وسلوكهم.
5.1- التطبيع الثقافي وإعادة تعريف المقبول اجتماعياً
من أهم آليات التأثير السينمائي ما يعرف بعملية “التطبيع الثقافي”. فالتكرار المستمر لبعض الصور والسلوكات داخل الأفلام يجعلها تبدو طبيعية ومألوفة حتى وإن كانت في البداية محل رفض أو استغراب.
فالسينما لا تؤثر فقط فيما يفكر فيه الناس، بل تؤثر أيضاً في الحدود التي تحدد ما يعتبر عادياً أو استثنائياً، مقبولاً أو مرفوضاً، ممكناً أو مستحيلاً.
ومن خلال هذه الآلية تساهم السينما في إعادة تشكيل المعايير الاجتماعية وتغيير بعض المواقف والقيم على المدى الطويل، سواء في الاتجاه الإيجابي أو السلبي.
6.1- بناء الأجندة القيمية للمجتمع
لا تفرض السينما على الجمهور ما يجب أن يفكر فيه بشكل مباشر، لكنها تؤثر في القضايا التي يفكر فيها.
فالأفلام التي تتناول موضوعات مثل حقوق الإنسان أو البيئة أو الهجرة أو الفساد أو المساواة أو الإعاقة تجعل هذه القضايا حاضرة في النقاش العمومي، وتدفع المجتمع إلى التفكير فيها وإعادة تقييم مواقفه تجاهها.
ومن ثم تصبح السينما فضاءً لإثارة الأسئلة المجتمعية الكبرى وتوجيه الانتباه نحو قضايا قد تكون مهمشة أو غائبة عن النقاش العام.
7.1- السينما كفاعل في التغيير المجتمعي
لا تعمل السينما فقط على ترسيخ القيم القائمة، بل قد تساهم أيضاً في مراجعتها ونقدها وتغييرها.
فقد لعبت السينما في تجارب عالمية عديدة دوراً مهماً في إثارة النقاش حول قضايا التمييز والعنصرية وحقوق المرأة والطفل والبيئة والعدالة الاجتماعية والحريات العامة.
وفي هذه الحالة تتحول السينما من مرآة للمجتمع إلى فاعل داخل المجتمع، لا يكتفي بعكس الواقع بل يشارك في إعادة تشكيله من خلال اقتراح رؤى جديدة وإثارة الوعي النقدي.
ولهذا يمكن النظر إلى السينما باعتبارها مختبراً رمزياً تُناقش داخله المجتمعات قضاياها وتحولاتها وصراعاتها القيمية.
8.1- حدود التأثير السينمائي
رغم أهمية السينما، فإن تأثيرها ليس مطلقاً ولا متشابهاً لدى جميع الأفراد. فالمتلقي ليس كائناً سلبياً يستقبل الرسائل دون تفكير، بل يتفاعل معها انطلاقاً من خلفيته الثقافية والاجتماعية والتعليمية.
كما أن الأسرة والمدرسة والجماعات المرجعية والمؤسسات الدينية والثقافية تشارك جميعها في توجيه عملية التلقي وتأويل الرسائل السينمائية.
ولهذا فإن تأثير السينما ينبغي فهمه ضمن شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، لا باعتباره علاقة سببية بسيطة بين الفيلم والمتفرج.
خلاصة
تمارس السينما تأثيرها في القيم والتغيير المجتمعي عبر آليات متعددة تشمل السرد والاندماج الوجداني، والتماهي مع الشخصيات، وصناعة التمثلات والصور الذهنية، والتأثير العاطفي، والتطبيع الثقافي، وبناء الأجندة القيمية، والمساهمة في التنشئة الاجتماعية. ومن خلال هذه الآليات تتحول السينما إلى فاعل ثقافي ورمزي قادر على ترسيخ القيم أو مراجعتها أو إعادة تشكيلها. ولذلك فإن فهم علاقة السينما بالقيم لا يقتصر على دراسة مضمون الأفلام، بل يقتضي أيضاً فهم الكيفية التي تعمل بها الصورة السينمائية داخل الوعي الفردي والجماعي لإنتاج المعنى والتأثير في مسارات التغيير الاجتماعي.

2- تحليل فيلم “هذا الزمان”
1.2- المعطيات العامة للفيلم
- العنوان: “هذا الزمان”.
- المخرج: رامي الجابري.
- سنة الإنتاج: 2011 عرض في مهرجانات عام 2012.
- النوع: فيلم قصير (دراما اجتماعية).
- المدة: حوالي 11 دقيقة.
- سياق الإنتاج: إنتاج مصري (هيئة قصور الثقافة/قصر السينما).
- موضوع الفيلم (في سطرين): يتتبع الفيلم زيارة أم ريفية لأول مرة لابنها المقيم في القاهرة، لكنه يتخلى عنها في الشارع مع وعود بالعودة سريعًا. تقع بطلة الفيلم (الأم) بين مشاعر الوحدة والصدمة، ويتدخل شاب غريب محلي لمساعدتها بعدما يجد معها مذكرة تطلب إيصالها إلى دار مسنين. تبرز القصة فجوة بين القيم الإنسانية البسيطة (رحمة، برّ) والحالة الواقعية لمجتمع تملؤه الأنانية والإهمال.
2.2- الإشكالية المركزية
يتناول الفيلم سؤالًا رئيسيًا حول القيم الإنسانية والاجتماعية المتآكلة في العصر الحديث: إلى أي مدى ما زال المجتمع يراعي كرامة الأمهات وكبار السن، وهل بقيت قيمة الرحمة والوفاء تجاه الوالدين أم غابت في زمن قاسٍ؟ يركز الفيلم على صراع قيم الرفق والعطف مقابل الأنانية والإهمال. المخرج يصف الفيلم بأنه «يحمل معانٍ نبيلة ومشاعر طيبة غابت في هذا الزمان»، مما يشير إلى رهان قيمي يرتكز على استعادة الإنسانية والتضامن العائلي.
3.2- التحليل الفيلمي
1.3.2- التحليل السيميولوجي (تحليل العلامات)
- الصورة (Image): مشاهد الفيلم تراعي البساطة والواقعية؛ يميل التصوير للقطات مقربة ومتوسطة تركز على ملامح وجه الأم وتعابيرها العاطفية. تُستخدم زوايا محايدة عادة (مستوى عين) لإبراز الواقعية دون تشويش، مع إضاءة طبيعية أو خافتة تعكس أجواءً يومية. الألوان غالبًا ما تكون هادئة ورمادية أو دافئة خفيفة، مما يضفي طابعًا إنسانيًّا عفويًّا. هذه الاختيارات التصويرية تعزز دلالة قيمية: فاللقطات القريبة تكثّف التعاطف مع البطلة وتسلط الضوء على معاناتها، والإضاءة الطبيعية والطابع اللوني البسيط يؤكدان صدق الحدث وبُعْد الشخصي فيه.
- الفضاء (Espace): تدور الأحداث في فضاء حضري (شوارع القاهرة)، يظهر فيه تناقض كبير بين الأم العابرة في المدينة وصخب الحياة المحيطة بها. تُصوَّر الأم وحيدة في شارع مفتوح مشوش، مما يرمز إلى تهميشها وعزلتها داخل المجتمع الكبير. العلاقة بين الشخصية والمكان تعكس تهميشًا واضحًا؛ فالمدينة الكبيرة تُبرز هشاشة الأم وقلة انتمائها إليها، بينما يضفي فضاء اللقاء بالغرباء بعدًا إنسانيًا إيجابيًا. بشكل عام، يرمز الفضاء الحضري هنا إلى فقدان الحماية والسلطة الاجتماعية لصالح الضياع والوحدة.
- الجسد (Corps): جسد الأم يصوّر في حالة هرم وضعف؛ نرى عليها علامات الجوع والتعب (تذكر نصًا «رغم جوعها وعطشها…»)، لكنها تبقى متماسكة وصابرة. يبرز المخرج الصفاء النفسي والقيم الأخلاقية في جسدها المتعب: تظهر وهي تقاوم الانكسار (الصبر والعفة) رغم الجفاف والإرهاق. هذه الصورة لجسد الأم تجعله رمزًا لقيمة الصبر والقوة الداخلية، في مقابل الجسد الشاب النشط للابن الذي يمثل سلطة مهترئة وغيابًا للقيم. الجسد هنا ليس فقط كيانا ماديًّا، بل رسالة عن حنان أمومي يناضل من أجل بقائه وإنسانية ضائعة.
2.3.2- التحليل السردي (Narratif)
- الشخصيات:
- الأم (البطلة): تمثل قيمة الضحية والمهمّشة، لكنها بطابعها الكريم تُجسّد القيم الإيجابية كالوفاء والصبر والرحمة. هي شخصية هامشية تنشد الحنان، وتصنف كضحية تتعرض للخذلان.
- الابن: شخصية ثانوية تمثل الأنانية والسلطة الأبوية الفاسدة؛ يتخلى عن والدته بلا رحمة، ليجسد القيم السلبية (اللامبالاة والنكران).
- الشاب الغريب: شخصية ثانوية إيجابية، يتسم بالطيبة والإنسانية، ويمثل الأمل والتضامن؛ يظهر كمنقذ أخلاقي للجدة، مما يعكس قيمًا إيجابية في مقابل سلبية الابن.
- دور القيم: الأم والشاب يمثلان القيم النبيلة في الفيلم (التعاطف والتضامن)، بينما الابن يمثل قسوة القيم الإغاثية المفقودة. السلطة المجتمعية هنا مهملة، إذ يظهر الابن كسلطة مرفوضة وتقدم الشاب الغريب العون كبديل أخلاقي.
- الحبكة:
- بداية: نرى الأم الريفية تصل إلى القاهرة بهدف لقاء ابنها لأول مرة، وهي متفائلة ومعها هدية (وضعية أولية هادئة).
- وسط: الصراع يظهر عندما يتخلّى الابن عن والدته في الطريق بعد أن ألقى بمذكرةٍ تطلب إيصالها إلى دار للمسنين. تتصاعد الأحداث حين تجد الأم نفسها وحيدة وتواجه دهشة الغرباء، ويظهر الشاب الغريب محاولًا مساعدتها.
- نهاية: لم تتوفر معلومات مؤكدة عن النهاية، لكن من المنطق السردي أن تنتهي بأمل أو عبرة؛ قد ينتهي الفيلم بنهاية مفتوحة تدعو المشاهد للتفكير في التضامن الاجتماعي أو بنهاية شبه مغلقة تحقق فيها قيم الرحمة (مثل إكرام الأم). الرسالة القيمية للنهاية هي التأكيد على خطورة إهمال الوالدين وأهمية الرحمة: على الأرجح الفيلم يُنهي رسالته بالتشديد على أن البرّ بالأم لا يسقط بمرور الزمن.
- الصراع:
- داخلي: الصراع النفسي للأم يدور حول كرامتها الشخصية (شعور بالخذلان والألم، لكنها تتحلى بالصبر كما ذكرنا). ربما يعاني الابن من صراع داخلي ضمير خفي تجاه أمه (رغم أنه لا يظهر ذلك صراحة).
- خارجي: الصراع الرئيسي هو اجتماعي/ثقافي: بين تقاليد الاحترام الأسري والواقع العصري الجديد، وبين مدنيّة المدينة وقسوة أفرادها. مواجهة الأم المهتزة للواقع الصعب في القاهرة تمثل صراعًا اجتماعيًا واضحًا، كما يُظهر الفيلم فجوة بين الريف (القيم الأصيلة) والمدنية (القيم المفرّطة). يكمن الصراع أيضًا في التوتر بين الحاجة الإنسانية للعطف ونظام اجتماعي متسامح قليلًا.
3.3.2- التحليل القيمي (Axiologique)
- القيم المُثبّتة: يثبّت الفيلم قيم الرحمة والتعاضد الأسري والتضحية (الصبر والوفاء بالأمومة)، وقد صورتها الأم والشاب الغريب بوضوح. كما يُبرز قيمة الكرامة الإنسانية التي تظهر في موقف الأم الصابر.
- القيم المُنتقدة: ينتقد الفيلم بشدّة الأنانية والإهمال والتعبير عن اللامبالاة بآلام الآخرين، ممثلة في تصرف الابن. كما يكسر قيمة «الحداثة» المتحكمة بالقاسية الاجتماعية على حساب قيم التقارب، فيطرح تساؤلات على ثقافة «الزمن الحالي» القاسية.
- توجيه الفيلم (محافظ/نقدي/تحويلي): يميل الفيلم طابعًا إلى النقدي والتحويلي. فهو ينتقد الواقع الاجتماعي الحالي ويُظهر تراجعًا في القيم الإنسانية، لكنه في الوقت ذاته يقترح استعادة وإعادة تحية هذه القيم الغائبة، مما يجعل رسالته تحويليّة (اقتراح قيم جديدة أو منسية). بعبارة أخرى، الفيلم ليس محافظًا على الوضع الراهن بل يدعو إلى تغيير إيجابي في المواقف والقيم.
4.3.2- آليات التأثير
- التماهي: يكسب الفيلم تعاطف الجمهور مع الأم المعذّبة، إذ يتماهون معها عاطفيًا أثناء مشاهدتها وحيدة ومهجورة. يقول المعلق إن الفيلم «يترك أثرًا عميقًا داخل نفسك… لتماسه مع منطقة إنسانية بالغة العذوبة»، ما يشير إلى قدرة عالية على كسب تعاطف المشاهد.
- الغمر السردي: السرد البسيط والعاطفي للفيلم يجذب المشاهد وينخرط عاطفيًا في القصة؛ كما تساهم قوة المشهد (موقف الأم الضعيفة) في إثارة الاندماج العاطفي. العناصر السينمائية (تعبيرات الوجه المصدومة، الإضاءة الواقعية، لغة الحوار البسيطة) تضخم العاطفة وتشدّ انتباه الجمهور.
- التأطير الأخلاقي: يوجّه الفيلم حكمنا الأخلاقي بوضوح: إذ يؤطّر المشهد بطريقة تجعل الجمهور مدفوعًا لإدانة تصرّف الابن وتأييد الرحمة. زوايا التصوير والتركيز على الأم تجعل الجمهور «ينتظر العبرة» من نهاية الموقف، ويشعر أن فعل الابن خاطئ أخلاقيًا. بعبارة أخرى، إطار الفيلم يعيد تأكيد قيمة الرحمة والتضامن كمعيار للحكم.
- التكرار: لا يعتمد الفيلم على تكرار واضح للمشاهد، لكنه ربما يكرر ضمنيًا فكرة المعاناة بالمواقف المتشابهة (مثل إبقاء الأم وحيدة في أكثر من مشهد) ما يرسّخ القيمة في ذهن المشاهد. أي نمط متكرر (مثل ظهور الأم وهي تتلقى الرفض ثم تقف مع الغرباء) يعزّز فكرة انعدام الرحمة المتكرّرة في حياة البطلة.
يُعبّر الفيلم عن قلق مجتمعي حيال تآكل القيم التقليدية تجاه المسنين ويحمّل الواقع رسالة نقدية عن مجتمعٍ صار فيه الإهمال سمة. إنه يعكس بالفعل حالات واقعية لمعاناة كبار السن وإسقاطاتهم في الحياة الحضرية، لكنه في الوقت نفسه يحاول إعادة تشكيل هذا الواقع عبر إثارة مشاعر الضمير. بمعنى آخر، الفيلم يُظهر الواقع القاسي ولكنه يدعو بإيجابية إلى تغييره عن طريق استعادة قيم الرحمة والتضامن. وفي سياق التحول القيمي في المغرب (والعالم العربي عمومًا)، يمكن ربط هذا الفيلم بسلسلة أعمال سينمائية تطرح مسألة الحفاظ على القيم التقليدية في مواجهة مع القيم الحداثية.
خلاصة:
في الختام يمكن القول إن السينما أثبتت عبر تاريخها أنها أكثر من مجرد صناعة ترفيهية؛ إنها فضاء حيوي لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل القيم وتشكيل الوعي الجمعي والتأثير في مسارات التغيير المجتمعي.
إن الآليات التي تمارس بها السينما تأثيرها، من السرد والتماهي وصناعة التمثلات، تؤكد أن الفيلم ليس وعاءً محايداً، بل هو خطاب يحمل رؤى واختيارات، ويمكن أن يكون أداة للتثبيت أو للنقد أو للتحول. والمطلوب من النقاد والمربين وصناع القرار الثقافي أن ينتبهوا إلى هذه القوة، وأن يعملوا على توجيهها نحو ما يخدم القيم الإنسانية والتنمية المجتمعية المستدامة.
ويمثل فيلم “هذا الزمان” نموذجاً معاصراً لهذه الوظيفة النقدية والتحويلية، إذ استطاع في إحدى عشرة دقيقة فقط أن يختزل أزمة أخلاقية كبرى تتعلق بالبرّ بالوالدين والرحمة، وأن يثير في المشاهد سؤالاً صعباً حول نوع المجتمع الذي نريده وفي أي اتجاه نسير. إنه دعوة صامتة لكنها قوية إلى إعادة النظر في أولوياتنا الأخلاقية، وإلى تذكر أن الحضارة لا تُقاس بتقدم الآلات، بل بمدى رعايتنا للضعفاء وكبار السن والمهمشين.
وفي النهاية، تبقى دراسة السينما دراسة للمجتمع وللقيم وللإنسان نفسه؛ فهي مرآة تعكس ما نحن عليه، ونافذة تطل على ما يمكن أن نكونه، ومنصة للحوار حول مستقبلنا المشترك. ولهذا تظل السينما بحق واحداً من أهم الفاعلين الثقافيين في عالمنا المعاصر.
رابط مشاهدة الفيلم على اليوتوب : https://youtu.be/sttYbiwjcT0
كاتب وفنان فوتوغرافي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي