الرئيسية / إبداعات / تعاسة رجل ريفي – مُنصر هُديش شريف

تعاسة رجل ريفي – مُنصر هُديش شريف

تعاسة رجل ريفي

مُنصر هُديش شريف *

يوليو، الرياح الموسمية في أوجِها، الغُبرة تملأ الجو، وتحجب سطوع الشمس، وسوافٍ الريح تنثر على وجهه، وداخل عينيه حمولتها من الرمل، وهي تعوي خلال الأغصان اليابسة التي انحنت مستسلمة حتى كادت تُلامس الأرض، وفي سهوب تهامة المزدحمة بكثبان الرمل المتحركة، كان (درويش) خلف غرفته المطمورة حتى منتصفها بالرمال، يمسك مجرفته، محاولًا إزالة التراب المتراكم ليلةً تلو الأخرى حتى بات موشكا على طمر الغُرفة، مع كل مجرفة رمل يزيحها، تتشكل زوابعٌ صغيرة ترتد في وجهه وعينيه التي كانت تدمع باستمرار لتُشكل كُتلًا طينيه تتجمع في محاجر عينيه وتمتد حتى نهاية أنفه، وبين وقت وآخر، كان يقف على قمة التلة، واضعًا راحة يده أُفُقياً أمام وجهه، يتحين لحظة عودة ولده الصغير (يحيى) من الحقل الواقع أسفل التِلال الشرقية، وكان قد تأخر على نحوٍ مُقلِق، صحيح أن حماره المُسنة بطيئة كسلحفاة ألا أنه مع هذا كان ليصل قبل نصف ساعة على الأقل، توجه (درويش) الى الحقل الشرقي غاضبًا، يضع يديه أمام وجهه؛ يتقي بها حبات الرمل، التي تدخل عنوة الى عينيه، قدماه تغوصان في الرمال، ينتزعهما بقوة، فيتناثر التراب العالق بحذائه، على كتفيه ورأسه، سلك طريقًا جانبيًا؛ فوصل بسرعة الى حدود حقله، وأخذ يبحث عن آثار الحمار، لكنها لم تكن لتبقى على الرمال أكثر من دقائق بعد مرورها، بحث كثيرًا دون جدوى، كانت الشمس علـــى وشك السقوط في البحر (فلسفتنا الطفولية عن غروب الشمس) وبدأت حِدة غضبه تهمُد، ليحل مكانها شعور القلق، الذي بدا جليًا على وجهه الأغبر وهو يصعد التلة، ويتفحص الأفُق فاتحًا عينيه الحمراوان علـــى اتساعهما، لكنه بالكاد كان يرى بضعة أمتار أمامه، يتوقف قليلًا قبل أن ينحدر لاهثًا نحو التلة التي تليها، ومع حلول الليل، حين أزداد اندفاع الريح، واشتدت أعاصيرها، كان قد أبتعد كثيرًا نحو الشمال، بينما الرجال على حدود القرية، يفتشون عنه، بمصابيحهم الكهربائية، وخلفهم ابنه يحيى، بعينيه الدامعتين، يبكي ويشهق باستمرار محاولًا سحب خيط السائل المتدلِ من أنفه للداخل٠

كاتب من اليمن

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً