عبد المجيد فنيش: مسارٌ يتقاطع فيه المسرح والإعلام والذاكرة

مصطفى اخليفي *
في المشهد الثقافي المغربي أسماءٌ لا يمكن أن تُختزل في وظيفة أو مجال واحد؛ لأن حضورها يتجاوز حدود المهنة ليصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية نفسها. ومن هذه الأسماء الأستاذ عبد المجيد فنيش، الذي راكم، عبر مسار طويل، تجربة متعددة الروافد، التقت فيها المعرفة بالممارسة، والمسرح بالإعلام، والتدريس بالإبداع، والبحث في التراث بالفعل الفني.
ولذلك فإن الكتابة عن عبد المجيد فنيش لا ينبغي أن تنطلق من صفة واحدة؛ فهو مسرحي ومخرج، وإعلامي، وأستاذ، ومشتغل بالتراث، لكنه في العمق مثقف ينتمي إلى جيل جعل من الثقافة مسؤولية، ومن الفن أداة للوعي، ومن الاشتغال على الذاكرة المغربية فعلاً من أفعال الانتماء.

المسرح بوصفه رؤية
ينتمي فنيش إلى مدرسة ترى في المسرح أكثر من مجرد عرض يقدم فوق الخشبة. فالمسرح عنده فضاء للتفكير، وإعادة بناء العلاقة بين النص والجسد والصورة والذاكرة والجمهور.
وقد سمحت له تجربته الطويلة في الإخراج بالاشتغال إلى جانب عدد من الأسماء الكبيرة في المسرح المغربي، وإخراج أعمال متعددة، راكم من خلالها معرفة دقيقة بآليات الفرجة وبمكونات الفعل المسرحي.
كما أن تجربته الأكاديمية، من خلال عمله أستاذاً بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، منحت مساره بعداً آخر؛ إذ انتقل من ممارسة المسرح إلى المساهمة في تكوين من سيحملون مشعله مستقبلاً.
وهذه النقلة من الخشبة إلى فضاء التكوين ليست تفصيلاً في مسيرته، لأنها تكشف عن إيمان بأن التجربة الفنية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى معرفة قابلة للتقاسم.
الإعلام… حين تصبح الكلمة مسؤولية
وإلى جانب المسرح والتدريس، يبرز عبد المجيد فنيش باعتباره إعلامياً ذا تجربة وحضور.
والإعلام بالنسبة إلى المثقف ليس مجرد وسيلة للظهور، بل مسؤولية في اختيار القضايا، وصياغة الأسئلة، وإعطاء الثقافة والفن والتراث المساحة التي يستحقونها في المجال العمومي.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربته الإعلامية امتداداً طبيعياً لتجربته الثقافية؛ فالرجل الذي اشتغل على المسرح بوصفه وسيلة للتعبير والوعي، اشتغل كذلك على الكلمة الإعلامية بوصفها وسيلة للحوار وإثارة الأسئلة والتعريف بالإبداع المغربي.
وهنا تتشكل إحدى أهم خصائص تجربته: تعدد المنابر مع وحدة الرؤية.
فالخشبة، وقاعة الدرس، والمنبر الإعلامي، وفضاء البحث في التراث، ليست بالنسبة إليه عوالم منفصلة، وإنما محطات مختلفة في مشروع ثقافي واحد.
التراث ليس ماضياً
من أبرز جوانب تجربة عبد المجيد فنيش اشتغاله على التراث المغربي، وخاصة حين يتعلق الأمر بفنون القول والفرجة وفي مقدمتها فن الملحون.
وهو اشتغال يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن أن نحافظ على التراث من دون أن نحوله إلى مادة جامدة؟
الجواب الذي تقترحه تجربة فنيش هو أن التراث يستطيع أن يعيش حين نعيد قراءته بوعي، وحين نضعه في علاقة خلاقة مع أشكال التعبير المعاصرة، من دون أن نفقده خصوصيته وروحه.
ومن هنا تكتسب تجاربه التي التقى فيها المسرح بالملحون أهمية خاصة، لأنها تكشف عن إمكانية تحويل المادة التراثية إلى مادة حية داخل الفعل المسرحي، وإعادة تقديمها في سياقات تسمح للأجيال الجديدة باكتشافها من جديد.
“الوهج الباني”… حين تتسع الذاكرة
وتأتي تجربة «الوهج الباني بالملحون والشعر الحساني»، التي أنتجتها أكاديمية المملكة المغربية، لتشكل محطة لافتة ضمن هذا المسار.
فالعمل يفتح فضاءً للتلاقي بين رصيدين شعريين وثقافيين لهما مكانتهما في الذاكرة المغربية، ويجعل من الفرجة وسيلة لاستعادة هذا الرصيد وإعادة تقديمه.
وهنا لا تكمن أهمية التجربة في موضوعها فقط، وإنما في منهج النظر إلى التراث: ليس باعتباره ماضياً انتهى، بل باعتباره مادة قادرة على إنتاج أسئلة جديدة، وعلى الدخول في حوار مع الحاضر.
وذلك هو أحد الأدوار الأساسية للمثقف الحقيقي: أن يحمي الذاكرة من النسيان، من دون أن يحبسها في الماضي.
الإنسان الذي يقف خلف المثقف
لكن كل حديث عن عبد المجيد فنيش يظل ناقصاً إذا توقف عند الجانب المهني وحده.
فالذين عرفوه عن قرب يعرفون أن وراء هذا المسار الثقافي والفني إنساناً شديد الحضور في علاقاته الإنسانية.
هو ممن يعطون للصداقة معناها، وللوفاء قيمته، وللعلاقات الإنسانية حرمتها. يحب الخير للآخرين، ويتعامل مع محيطه بروح إنسانية تجعل المثقف فيه قريباً من الناس، لا متعالياً عليهم.
وهذه ليست صفة هامشية؛ بل هي، في تقديري، من أهم ما يمنح التجربة الثقافية صدقيتها.
فالمعرفة وحدها لا تصنع مثقفاً كبيراً، كما أن كثرة الأعمال لا تكفي لصناعة قيمة إنسانية. ما يصنع القيمة الحقيقية هو القدرة على الجمع بين المعرفة والتواضع، وبين النجاح والوفاء، وبين الحضور العام والإنسان القابع خلف كل ذلك.
الوطنية بوصفها ممارسة ثقافية
وطنية عبد المجيد فنيش أيضاً لا تحتاج إلى كثير من الشعارات.
إنها تظهر في اختياراته الثقافية، وفي اهتمامه بالتراث المغربي، وفي دفاعه عن الإبداع، وفي مساهمته في تكوين الأجيال، وفي حرصه على أن تظل الثقافة المغربية حاضرة في المشهد.
فالوطن لا يُخدم فقط بالمواقف المباشرة، وإنما يُخدم أيضاً حين نحفظ ذاكرته، ونعرّف بتراثه، ونطور فنه، ونمنح أبناءه أدوات المعرفة.
ومن هذا المنظور، يصبح الاشتغال الثقافي نفسه شكلاً من أشكال الوطنية.
قيمة المسار لا تُقاس بعدد الصفات
قد يكون من السهل أن نعدد صفات عبد المجيد فنيش: مخرج، مسرحي، أستاذ، إعلامي، وباحث ومشتغل بالتراث.
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد هذه الصفات، بل في قدرة صاحبها على جعلها تتفاعل داخل مشروع واحد.
وهذا ما يجعل تجربته جديرة بالتأمل.
فهو لم يكن أسيراً للمجال الواحد، ولم ينظر إلى المسرح بمعزل عن الثقافة، ولا إلى الإعلام بمعزل عن المعرفة، ولا إلى التراث باعتباره مجرد مادة للماضي.
لقد ظل يبحث عن تلك المنطقة التي تلتقي فيها الفنون والمعرفة والإنسان.
وربما لهذا السبب تحديداً يستحق عبد المجيد فنيش أن يُقرأ اليوم لا باعتباره مجرد اسم من أسماء المسرح المغربي، وإنما باعتباره جزءاً من تاريخ الحركة الثقافية المغربية الحديثة.
كلمة أخيرة
إن تكريم القامات الثقافية لا يكون دائماً بالأوسمة والمناسبات؛ أحياناً يكون التكريم الحقيقي هو أن نتوقف عند تجاربها، وأن نقرأ أثرها، وأن نمنحها حقها في الذاكرة.
وعبد المجيد فنيش واحد من أولئك الذين يستحقون هذا التوقف.
رجلٌ جعل من المسرح مجالاً للإبداع، ومن الإعلام فضاءً للكلمة، ومن التدريس طريقاً لتقاسم المعرفة، ومن التراث مجالاً لإعادة التفكير في الذاكرة، ومن علاقاته الإنسانية مدرسةً في الوفاء.
إنه مسارٌ تتقاطع فيه الخشبة بالكلمة، والمعرفة بالفن، والتراث بالحاضر، والمثقف بالإنسان.
وهنا تحديداً تكمن قيمة عبد المجيد فنيش:
ليس فيما أنجزه فقط، وإنما فيما تركه في الذين عرفوه، وفي الأجيال التي ساهم في تكوينها، وفي الذاكرة الثقافية التي اختار أن يخدمها.
وإذا كان الزمن الثقافي المغربي قد مرّت به أجيال وأسماء وتجارب كثيرة، فإن بعض الأسماء لا تنتمي إلى زمن بعينه؛ لأنها تتحول، مع تراكم التجربة، إلى جزء من الذاكرة نفسها.
وعبد المجيد فنيش، في تقديري، واحد من هذه الأسماء.
باحث في فن الملحون من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي