اليد البرصاء

لقرع محمد أمين*
على هيئة جسد هش وخائر القوى، تمدد على الأرض الماحلة، وربط لجام بغلته النحيلة في جذع شجرة الزيتون بقربه، ثم دس يده البرصاء في جيب سترته، لكنه وجده فارغا فامتقع لونه، وانتفض كالثور الهائج من مكانه، مقلّبا كفيه ذات اليمين وذات الشمال باحثا عن مفقوده، فتش بردعة البغلة أيضا لكن دون جدوى، فشعر حين أدرك أنه أسقطها سهوا في طريقه بضيق في صدره، وازداد اصفرار وجهه حتى صار أشبه بالنرجس البري، ولم يجد حلا آخر غير الرجوع مقتفيا أثره للبحث عنها. أوشكت الشمس على المغيب، ركب بغلته في عجل، وركلها بقسوة حتى قفزت: “رّرراااا”، وانطلقت به كالسهم في الهواء، وهو من فوقها شاخص العينين، يكاد نظره يخترق الأرض ليبصر ما تحتها، مضى وهو يحدث نفسه عن عقله أين كان حين سقطت منه، وصار يعدّ الاحتمالات: “يبدو أنها سقطت مني أمام حانوت محمّادين لما أخرجت النقود من جيب السترة لأنقده، كانت هي والنقود في نفس الجيب، هناك…هناك طاحت”، فركل البغلة مرة أخرى، ثم قال مخاطبا إياها: “رااا البهيمة، رررا إذا وجدها محمّادين قل بقينا خلا” فاستجابت له وأسرعت، وظل هو يراقب ما حوله في حالة ما كان احتماله خاطئا، وسقطت منه في مكان آخر.
بدا له شيء أحمر يشع من بعيد بين الحشائش، فقفز من فوق الدابة قبل أن تقف، وجرى نحو الحُمرة وأصابع قدميه قد تجاوزت مقدمة الصّندل، وما إن اقترب منها حتى وجد قميصا تحتيا أحمر، رمته إحدى نساء القرية أو حملته الرياح من حبل الغسيل إلى هناك، فسخط وبصق عليه بما تبقى من فمه من ريق ثم ولى بخفي حنين إلى بغلته وهو يفور غضبا، امتطاها وركلها بكل قسوة.
جبهته تتصبب عرقا، ويداه ترتجفان، والشمس ها هي من فوقه تسحب أشعتها وتختبئ خلف التلال، ” أيما الحبيبة غايخرجلي العقل” ثم عاد ليرصد الاحتمالات لمّا تذكر فجأة أنه أخرجها مرة أخرى بعد أن مر على الحانوت، وبالضبط قرب بنعلي بائع البطيخ، حين كان يساومه على الثمن، فتجادلا وأخرجها، دوّر اللجام يمينا ناحية قيطون بنعلي، وضرب بطن البغلة بكلتا كعبيه اليابستين المتشققتين حتى طار الصندل من قدميه، ولأن لا هم له الآن إلا العثور على مفقوده، تركه هناك وواصل مسيره، ” أيمّا الحبيبة غايخ….)وعلى حين فجأة، خرج كلب عقور من وسط الأحجار نابحا ولعابه يتطاير من فمه، فجفلت البغلة وأسقطته أرضا، وقفز الكلب نحوه، وعضه من رجله وأبى أن يطلقها، وهو يصرخ بكل ما أوتي من جهد، ويحاول انتزاعها من أسنان الكلب الجائع، وظل في صراعه معه حتى مر بجانبهم مقدم القرية السي عبد القادر، فحمل هذا الأخير صخرة وضرب بها الكلب” طلق الله ينعل والديك… طلق” فأرخى الكلب عضته وهرب وفي فمه السروال.
أراد المقدم أن يطمئن على حالته، لكنه نهض من الأرض بسرعة دون التفات، نفض ما تبقى من ثيابه، وهرول ناحية البغلة التي كانت ترعى بعيدا، ركبها، لكنه لم يستطع أن يركلها، فرجله تسيل دما وبالكاد يحركها، لذلك عقد أصابع يديه وضربها لرأسها بكل ما تبقى في جسده من قوة، حتى استقامت أذناها، وتحركت.
ها هو القمر حل محل الشمس، والنجوم تتلألأ في السماء، ولا صوت يعلو إلا عرير الصراصير، وهو متعب لا يقوى حتى على قول: “ارّا”، البغلة تعبت أيضا وبالكاد تمد الخطى. فكر أنه حتى إن وصل إلى القيطون لن يستطيع البحث عنها، فإنه لا يحمل معه مصباحه اليدوي، زد على ذلك أنه يشعر برجله توشك أن تنخلع من شدة الألم، لذلك قرر أن يرتاح، ويكمل المشوار حين تبسط السماء ضياءها. نزع البردعة من ظهر البغلة بعد أن ربطها بجذع إحدى الأشجار، ونام فوقها، وقال في سرّه: “لو كنت سمعت نصيحتي مّي فطيمة وأقلعت عن التدخين لما وصلت إلى هذه الحالة المزرية…يقطع جدر الكارو فين ما كان”
في الليل، بدأت الحمى تسري في جسده كالنار واشتد عليه نبضان الجرح المفتوح في رجله، كان يتلوى فوق البردعة الخشنة، وتتراءى لعينيه الزجاجيتين أطياف محمّادين وبنعلي والدخان الأبيض المتصاعد من بين أصابعه، تضاءل نبضه تدريجيا مع كل قطرة دم كانت تسيل منه وتشربها الأرض العطشى، حتى هدأت السخونة في عروقه وتخشب جسده تحت وابل النجوم، وحين بسطت السماء ضياءها فجرا، لم يستفق…
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي