عندما تعبر كرة القدم إلى مقاسات الشعر قراءة جمالية في قصيدة “في ملعب كرة القدم “للرصافي

جواد عامر *
يعد معروف الرصافي (1875ـ 1945) من الشعراء الأكثر إيمانا والتزاما بالنظام الكلاسيكي للقصيدة العربية وتكمن مقدرته الشعرية في تناوله لأغراض شتى شملت الشعر الاجتماعي والوطني والقومي والإنساني والوصف الذي تعددت أبوابه في الرصافيات حيث أظهر براعة فائقة النظير في توصيف أشياء قد تبدو متمنعة على الوصف ، إلا أنه كان بحكم شاعريته الكبيرة قادرا على تطويع اللغة وتليينها لتحتوي داخل أبنيتها الشعرية تيمات جديدة وبنحجمات حديثة جعلت من الرصافي شاعرا مواكبا للعصر ، ومبدعا قادرا على عكس صوره المستجدة في قوالب الشعر وزنا وقافية ، ولعل هذه القدرة الفائقة التي امتلك الرصافي ناصيتها جعلت اللغة الواصفة بين يديه تنثال كالشلال الهادر لا يتوقف على الإطلاق يستقي منه متى أراد ولأي موضوع شاء، فجاءت قصائده الواصفة مواكبة لسياق الحداثة التي أخذ العالم العربي يشهدها ، فوصف المخترعات الجديدة التي وقف منها الشاعر والإنسان العربي موقف الدهشة والإعجاب فوصف الساعة وصفا جميلا مؤنسنا إياها عبر حكيها لهجة التمتام مبينة عن لغة واحدة هي الزمان فقال : (1)

وخرساء لم ينطق بحرف لســـانها سوى صوت عرق نابض بحشاها
حكت لهجة التمتام لفظا ولم تـــكن لتفصح إلا بالزمان لغــــــــــــاها
لها ضربان في الحشا قد حكت به فؤادا تغشاه الهوى وحكـــــــــاها
جرت حركات الدهر في ضرباتها وبانت مواقيت الورى بعــــــماها
على وجهها خطت علائم تــهتدي بها الناس في أوقاتها لمنــــــــاها
مشت بين آيات الزمان تقيـــــسه وما هو إلا مشيها وخطـــــــاها
ووصف القاطرة وصفا شعريا بديعا في رحلة طويلة ناقلا حركتها وصوتها وشكلها قائلا : (2)
وقاطرة ترمي الفضا بدخــــــــانها وتملأ الأرض في سيرها رعــــبا
لها منخر يبدي الشواظ تنفـــــــــسا وجوف به صار البخار لهـــــا قلبا
تمشت بنا ليلا تـــــــــــجر وراءها قطارا كصف الدوح تسحبه سحـبا
فطورا كعصف الريح تجري شديدة وطورا رخاء كالنســــيــــم إذا هبا
ووصف الإنسان ناقلا صورة الفقر التي كانت تعاني منها الأرملة في قصيدته ا”لأرملة المرضعة” وصفا دقيقا ينقل تفاصيل الجسد والحالة النفسية والاجتماعية ناقلا ذلك التأثر الشديد الذي يحركه النزوع الإنساني الصادق ليجد القارئ نفسه أكثر تأثرا يرثي لحال المرأة وأبنائها يقول الرصافي : (3)
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد اثقل الإملاق ممشاها
أثوابها رثة والرجل حافية والدمع تذرفه في الخد عيــــناها
وجاء الوصف في شعره لعدد من المخترعات كالسيارة في قصيدته السفر في التوموبيل “والتلغراف والأسلاك البرقية وللطبيعة وعناصرها كالشتاء والصيف والغروب فحظي كل ذلك وغيره بتوصيفات بديعة دلت على شاعرية الرصافي؛ وكانت قصيدة كرة القدم واحدة من أجمل القصائد التي حفل بها ديوان الرصافيات مؤكدة على عبقرية الوصف وشعرية الرجل ، فقد تكون المخترعاتبما أحدثته من دهشة والموضوعات الاجتماعية التي وصفها الرصافي موسومة بالمشترك الشعري بين شعراء العربية المحدثين بفعل الحداثة وما أفرزته من تمدن وتصنيع أدى إلى ظهور طبقات الهامش ، فتشارك شعراء كثر هذه التيمات كشوقي وحافظ وأحمد البورقادي ومحمد الحلوي وغيرهم ، إلا أن تناول لعبة رياضية ككرة القدم لم يكن مفكرا فيه داخل المتن الشعري عند شعراء العربية لتنال حظها على يد الرصافي وهو الشاعر ذو البصر الحديد والنظر الثاقب فكان شديد الانتباه إلى كرة القدم بما أحدثته من استقطاب كبير وتفاعل جماهيري جعلها اللعبة الأولى والأكثر شعبية ، ليجعلها تيمة شعرية فيمنحها تأشيرة العبور من الميدان إلى المتن الشعري مخرجا إياها من مقاسات الملعب إلى مقاسات القصيدة فتنتظم قواعدها وسماتها في أبيات موزونة يحكمها حكم الخليل ويحركها خيال الشاعر المجنح ببراعة قلما تجدها في الشعرية العربية الحديثة حينما يتعلق الأمر بتيمة من هذا النوع يقول الرصافي : (4)
قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم كرة تراض بلعبها الأجسام
وقفوا لها متشمرين فالـــــــقيت فتعاورتها مـــــــنهم الأقدام
إنه يهيئ لأجواء الدخول في المقابلة عبر فعل الوقوف والتشميرثم يشرع في نقل صور الحركة وبيان القواعد الناظمة للعبة، حيث تتحول الكلمات إلى عدسة كاميرا بين يدي الشاعر فينقل لنا مجريات المباراة بين ركض وصدام وارتفاع في الهواء ونطح للكرة بالرأس ، مع ذكر القاعدة الأكبر في اللعبة وهي منع لمس الكرة باليد في المعترك فيقول :(5)
يتراكضون وراءها في ساحة للسوق معترك بها وصدام
وبرفس أرجلهم تساق وضربها بالكف عند اللاعبين حرام
ولقد تحلق في الهواء وأن هوت شرعوا الرؤوس فناطحتها الهام
وبعد هذا العرض المتنوع الشامل للحركة والقاعدة الناظمة للعبة يبدأ الرصافي في تصوير حركة الكرة بدقة عالية جاعلا منها قذيفة تنطلق من فوهة مدفع حينا وفريسة يتخاطفها الأسود فينقل صورة القذف والرد والوثوب مشبها حركتها بالظباء الوثابة لخفتها ،يقول : (6)
وتخالها حينا قذيفة مــــــدفع فتمر صائتة لـــــــــــها أرزام
ولربما سقطت فقام حيــــالها للضرب عبل الســـاعدين همام
فتخالها وتخاله كفريــــــــسة سقطت فزمجر دونها الضرغام
لا تستقر بحــــــــــالة فكأنها أمل به تتقـــــــــــــاذف الأوهام
تنحو الشمال بضربة فيردها نحو الجنوب ملاعب لــــــطام
وتمر واثبة على وجه الثرى مرا كـــــما تــــــتواثب الآرام
وتدور بين اللاعبين فمـحجم عنها وآخــــــر ضارب مقــدام
وكأنها والــقوم يحترشونها قلــــــــب عليه تَهــــاجَمُ الآلامُ
إنها صور بديعة نقلت الكرة من مجرد لعبة جماهيرية معلومة القواعد إلى عالم شعري ينتظمه تخييل لا يتأتى إلا لكبار الشعراء ركز فيه الرصافي على الحركة أكثر من غيرها لما يميز اللعبة من عدم الاستقرار داخل الميدان ، فهي شكلا وقوة تشبه قذيفة من المدفع يسمع لها صوت دوي قوي يرعب النفوس ليصور الرصافي عبر هذا التشبيه الجميل قوة القذف التي انطلقت من رجل اللاعب للدرجة محدثة صوتا كأزيز الرعد أو زمجرة الأسد ، وقد يحدث أن تسقط هذه الكرة بين لاعبين فينشب حولها صراع محتدم من أجل نيلها كما ينشأ الصراع بين الأسود القوية للظفر بالفريسة ، مبرزا عدم استقرارها في موضع مشبها إياها بالأمل المرجو فتتوجه نحو الشمال ثم تعيدها الأقدام إلى الجهة المعاكسة ، حركات ينتقل معها البصر جيئة وذهابا كأنه يشاهد لقاء حقيقيا بين لاعبي كرة القدم استطاعت عدسة الشاعر أن تنقله عبر إخراج شعري بارع.
براعة تتجلى أكثر في هذا التشبيه الجميل لحركة وثوب الكرة ينقلها إلينا في صورة ينبضها بالحياة جاعلا منها ظباء متواثبة في خفة ونشاط ، فيضربها لاعب ويحجم عنها آخر مشبها إياها بق جاعلا منها كائنا يحس بالآلام لما تحسه من أثر الضرب والقذف والعصر بين أرجل اللاعبين ، ثم يمضي الرصافي لاستجلاء الحكمة من الرياضة وذكر فائدتها بالنسبة للأبدان والنفوس حكمة لم لتغيب مطلقا في شعره الوصفي كيفما كانت المواضيع التي يتناولها فيقول : (7)
راضوا بها الأبدان بعـــــد طلابهم علما تراض بدرسه الأفـــــهام
أبناء مدرسة أولاء وكلـــــــــــــهم يقع مرير المرفقين غـــــــلام
لابد من هزل النــفوس فجـــــدها تعب وبعض مزاحها استجمام
فإذا شغلت العقل فاله ســـــاعـــة فالعقل للهو الطـــــــليح جمام
والفكر منهـــــــكة فباســـتمراره تهن العقول وتهزل الأجــسام
ورياضة الأبدان ملعــــــــبة بها حفظت نشاط جسومها الأقوام
هذي ملاعبهم فجسمك رض بها واسلك مسالكهم عــداك الذام
فيجلي الرصافي الحكمة من الرياضة لما فيها من إراحة للتفكير المرهق وتنشيط للأبدان إذ لابد من إخراج النفس من دوامة الجد الدائم لما فيه منة مهلكة للنفس آمرا بضرورة التريض وسلك مسالك هؤلاء اللاعبين.
لقد استطاع الرصافي في هذه الرائعة الشعرية التي قلما تعن إلى فكر شاعر بحكم طبيعتها الموضوعية وما يعتريها من قواعد صارمة وينتظمها من إيقاعات حركية أن يمنحها بطاقة العبور إلى المتن الشعري ببراعة فائقة النظير مانحا الأبيات مشهديتها البصرية التي تتراءى فيها الكرة وهي تتحرك في كل اتجاه يمينا ويسارا علوا وانخفاضا ناقلا أجواء الصراع المحتدم حول الظفر بالكرة من قبل اللاعبين وكأنه مخرج ينقل تفاصيل اللقطة ويرسم دقائق اللحظة الكروية عبر تصاوير شعرية قامت على التشبيهات والاستعارات ليمنح قصيدته شعرية عالية رغم طلبيعة الموضوع الذي يتأبى على المخيلة لصعوبة ، لكن الرصافي وبفضل مهارته وبراعته الشعرية في الوصف قدر على تطويع اللغة وتليين العبارة ليستوعب داخله تيمة شعرية ألف المتلقي أن يعمل فيها حاسة البصر والسمع وهما الحاستان اللتان ركزا عليهما الرصافي أكثر لمنح قصيدته طبيعتها الحركية والسمعية حيثيتحول القارئ إلى مشاهد للحركات والوثبات وسامع لصوت الركلات ونطح الهامات ، ولعل هذا التوظيف الحسي إلى جانب المتخيل الشعري الذي صنعته الصورة المألوفة في مخيلة القارئ لقفز الآرام وصورة الافتراس وصورة المدفع وزأر الأسود زاد من جمالية القصيدة ومنحها تفردها في سماء الشعرية العربية الحديثة .
إن قصيدة كرة القدم ليست مجرد توصيفات للحركات والاصوات وما يكتنفها من أجواء لغاية تصوير المشهدية في الملعب وإنما هي نبضات يموج بها وجدان الشاعر وتوقيعات دقيقة يتقصاها فكر شعري متقد يعرف كيف يتلاعب باللغة وكيف يطوعها كي تحتوي داخل أنساقها ما يريد من صور وأخيلة جعلت من كرة القدم كلعبة رياضية لها ضوابط وسمات تميزها تتشكل شعريا داخل أبيات يحكمها حكم الخليل.
كاتب من المغرب
الهوامش
- معروف الرصافي الديوان مراجعة مصطفى الغلاييني مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2012 ص 345
- نفسه ص .ص 249ـ 300
- نفسه ص 303
- . نفسه ص 329
- نفسه ص 329
- نفسه ص 329
- نفسه ص.ص 329 ـ 300
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي