الواقعية النفسية في رواية “قطف الجمر” للروائي السعيد الخيز

كمال العود*
تعد الرواية مرآة تعكس نبض الشعوب وتوثق تاريخها، وهي أبعد ما تكون عن كونها مجرد سرد للأحداث، فهي فضاء يتسع لتجارب الإنسان المتعددة، وللأسئلة الوجودية التي تفرضها التحولات الاجتماعية والسياسية. في المغرب، يزخر المشهد الروائي بتراث غني ينبع من تمازج الثقافات المتداخلة (أمازيغية وعربية وإفريقية)، ومن ذاكرة تاريخية حافلة بالتحولات من الاستعمار والمقاومة إلى الانتقال إلى الاستقلال مرورا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وصولا إلى تلاقح المدن والبادية. عبر شخصياته المتعددة، وصراعاته اليومية، وحواراته الداخلية.

يمنحنا الأدب الروائي المغربي مفاتيح لفهم التناقضات والآمال والرغبات التي تصنع الحياة في المجتمع المغربي. كما أنه يبين طرق مقاومة الهوية وتشكلها، ويكشف عن تقاطعات الجنس والطبقة والعمر والمكان، فضلا عن أنماط اللغة والسرد التي تعكس خصوصية التجربة المغربية. بهذا المعنى، فإن قراءة الرواية المغربية ليست مجرد ترف ثقافي، بل هي ممارسة نقدية وإنسانية تسمح لنا بتتبع مسارات الذاكرة الجماعية، والوقوف على آلام الشعب وانتصاراته، ومن ثم استشراف آفاق مستقبل ممكن للمجتمع.
رواية “قطف الجمر” للروائي المغربي السعيد الخير، الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع والواقعة في 240 صفحة من الحجم المتوسط، تندرج ضمن تيار الواقعية النفسية في الرواية هو اتجاه أدبي وسردي يضع البعد الداخلي للشخصية في مركز العمل الأدبي، بدلا من الاكتفاء بسرد الأحداث الخارجية وتتابع الوقائع كعنصر محرك وحيد للحبكة، يهتم هذا التيار بتحليل الدوافع الخفية للأفعال، واستجلاء الأنماط الفكرية، وتتبع تيارات الشعور والتقلبات النفسية التي تمر بها الشخصيات. يتحول الوعي الداخلي إلى مادة سردية رئيسية تشكل فهم القارئ لجوهر الشخصيات وتبريرات أفعالها، حتى عندما تبدو تلك الأفعال عادية أو تافهة على مستوى الظاهر.
يعتمد السرد في هذا الاتجاه على تقنيات أدبية متنوعة مثل السرد الداخلي، التدفق الوعي، الاسترجاع الذهني، والحوار الداخلي، التي تتيح للراوي أو لصوت الشخصية أن يغوص في طبقات الذاكرة واللاوعي ويعرض صراعاتها المتناقضة دون الحاجة إلى تفسير خارجي مطول. وبهذا تتحول الرواية إلى فضاء نفسي يستكشف التوتر بين الرغبة والواجب، بين الذاكرة واللحظة الحاضرة، وبين الدافع الغريزي والمبرر الاجتماعي، ما يمنح القارئ تجربة تأملية متعمقة تتجاوز مجرد متابعة الأحداث لتصل إلى فهم أعمق للطبيعة الإنسانية وتعقيداتها.
إن رواية “قطف الجمر” تقع ضمن الأدب الواقعية النفسية الذي يرصد بعمق حياة شريحة من الشباب المغربي. تركز الرواية على مصائر أربعة شبان يقيمون في بيت طلاب بمدينة تارودانت، وتنسج حولهم شبكة من العلاقات اليومية التي تكشف عن تناقضات المجتمع وطموحات الأفراد. كل شخصية تحمل خليطا من الأحلام والرغبات والقيود، هناك من يطمع في الارتقاء الاجتماعي والهروب من الفقر (أسامة)، ومن يسعى إلى تعليم ذاته وإثبات وجوده (أيور)، ومن يعاني من تضارب الهوية والقيم (ياسين)، ومن تكبّله أزمات نفسية وجنسية تكاد تعصف بمستقبله (أيمن). يتقاطع مصير هؤلاء الشبان داخل فضاء البيت الضيق الذي يتحول إلى مسرح تتكشف فيه الصراعات الخفية، وتتكشف فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتصاعد فيه التوترات العاطفية والجنسية. بهذا الأسلوب، لا تكتفي الرواية بوصف الواقع الخارجي فحسب، بل تغوص في أعماق النفوس، مظهرة التأثير المتبادل بين الظروف المعيشية والخيبة والأمل، وبين البنى الثقافية والدوافع الفردية. كما تستثمر السرد في تفاصيل المدينة وتقاليدها، فتجعل تارودانت خلفية حية تملي على الشخصيات خياراتها وتحديداتها، وتحول البيت الطلابي إلى مختبر اجتماعي يختبر حدود الحرية والإثم، الحلم والرفض، والتصالح أو الانفصال عن الذات.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي