الرئيسية / الأعداد / تمثلات المقدس والمدنس في الخطاب الدرامي: فيلم “مع سبق الإصرار” أنموذجا – محمد الزنجلي

تمثلات المقدس والمدنس في الخطاب الدرامي: فيلم “مع سبق الإصرار” أنموذجا – محمد الزنجلي

تمثلات المقدس والمدنس في الخطاب الدرامي:  فيلم “مع سبق الإصرار” أنموذجا

محمد الزنجلي*

مقدمة:

من اللافت أن الدراما الإنسانية تنهض في أعمق تجلياتها على سؤال واحد يلح باستمرار، وهو حين تنتهك القيم التي يقدسها المجتمع من يدفع الثمن؟ وهو سؤال تتكفل البنى الخفية للسلطة بالإجابة عنه، بحيث تتجاوز الأخلاق المعلنة وتتحكم في توزيع الأدوار بين المذنب والضحية. ويجسد فيلم “مع سبق الإصرار” هذا السؤال ضمنيا في بنيته السردية والبصرية كاملة من خلال شخصية محمود وكيل النيابة الذي يحقق في جريمة تعكس جريمته هو، ويدين آخرين بما يستحق هو الإدانة عليه، وينجو في النهاية بينما تتساقط من حوله ضحايا الخيانة التي ارتكبها وتُدَمَّر حياتهم ومستقبلهم. لذلك، تقتضي قراءة هذا الفيلم عدم اختزاله في كونه مجرد دراما أخلاقية عن الخيانة الزوجية، كما يستوجب تحليله تخطي فكرة كونه نصا يفكك ثنائية المقدس والمدنس بمعناها السوسيولوجي الكلاسيكي. ويفترض هذا المقال أن ما يقترحه الفيلم أعمق من ذلك وأكثر إزعاجا، ويسعى إلى بيان ذلك بالتحليل، إذ يبدو أن المنظومة التي تدعي حماية المقدس، مثل: البيت والزواج والصداقة والعدالة… تعتمد كليا على منطق السلطة أكثر من اعتمادها على منطق القيم. فهي تعاقب المفتقرين إلى لغتها وتبرئ من يحسنون توظيفها حتى وإن كانوا هم المذنبين الحقيقيين.

وينطلق هذا المقال من سؤال بحثي محدد، يتمحور حول الكيفية التي يكشف بها فيلم “مع سبق الإصرار” أن انتهاك المقدس يؤدي حتما إلى إعادة توزيع الخسارة لصالح من يمتلكون السلطة على حساب من يفتقرون إليها، متجاهلا العقاب المؤسسي العادل. وللإجابة عن هذا السؤال، يسير التحليل عبر ثلاثة محاور متكاملة، يتمثل أولها في تأطير المقدس ضمن عقد رمزي اجتماعي يتعدى القيمة الدينية، ويتمثل ثانيها في الكشف عن آليات الانتهاك والمفارقة الأخلاقية في البنية السردية للدراما عموما، بينما يتجلى ثالثها في تتبع تجليات هذا الانتهاك في فيلم “مع سبق الإصرار” نفسه، من تدنيس بيت الزوجية والصداقة، مرورا بمفارقة العقاب، التي تنتصر فيه المنظومة على الضحية وتغض الطرف عن المذنب، وصولا إلى المشهد الختامي الذي يشكل البيان الفكري الأعمق للفيلم حول طبيعة العقاب الذي يأتي من خارج المنظومة كليا.

1- ثنائية المقدس والمدنس – المفهوم والأصول:

يعد التقابل بين المقدس والمدنس (The Sacred and the Profane) من أعمق الثنائيات التي شغلت الفكر الإنساني من حيث انفتاحه على بنية الوعي الاجتماعي في مجمله، عوض التركيز على الحقل الديني فقط. وقد أرسى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (Émile Durkheim) دعائم هذا المفهوم، وذلك بتمييزه بين عالمين منفصلين ومستقلين تماما، وهما عالم المقدس الذي يحيطه المجتمع بهالة من الاحترام والتحريم، وعالم المدنس الذي يحيل إلى كل ما هو عادي وخاضع للاستخدام اليومي. ويتسع عنده مفهوم المقدس من فكرة الإله أو الغيب ليشمل كل ما تختاره الجماعة وتضفي عليه صفة الحرمة سواء أكان مكانا أو شخصا أو قيمة أو علاقة. وتبعا لذلك يوضح دوركايم هذه القطيعة المطلقة والجوهرية بين هذين العالمين بقوله: “إن الأشياء المقدسة هي تلك التي تحميها وتعزلها المحرمات؛ أما الأشياء المدنسة فهي تلك التي تطبق عليها هذه المحرمات والتي يجب أن تظل على مسافة من الأشياء الأولى”[1]. ويعمق مرسيا إلياد (Mircea Eliade) هذه الرؤية بعده المقدس تجربة وجودية تتجلى في الزمان والمكان والعلاقات، وأن المدنس يمثل حضورا مناقضا للمقدس يحدد معالمه. ومن ثم، يذهب إلياد إلى أن هذا الانقسام ينتقل من التصنيف النظري إلى أسلوب حياة متجذر في الوعي البشري، على اعتبار “أن المقدس والمدنس هما نمطان للوجود في العالم، وهما وضعان وجوديان يتخذهما الإنسان في مسار تاريخه”[2]. أما روجيه كايوا  (Roger Caillois) فقد أضاف بعدا سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا بالإشارة إلى أن المقدس ينطوي على قوة خفية تجعله مصدر جذب ورهبة في آن، وأن انتهاكه يتعدى الخطأ الأخلاقي إلى اقتحام النظام الرمزي الذي يضمن تماسك الجماعة. وبموجب ذلك يصف كايوا هذه الطبيعة المزدوجة والمجردة للمقدس والتي تتطلب طقوسا لضبطها، بقوله: “إن المقدس، من ناحية أخرى، هو محتوى خالص؛ قوة لا تتجزأ، غامضة، منفلتة، وفعالة”[3].

وفي السياق الاجتماعي المعاصر، توسعت دلالة المقدس فأصبحت تشمل عدة مؤسسات، مثل: البيت والزواج والأسرة والصداقة والعدالة… وهي مؤسسات تستمد قداستها بشكل أساسي من طبيعتها كعقود رمزية ترتكز عليها شبكة الثقة في المجتمع، فتتجاوز بذلك الاعتماد الحصري على المرجعيات الدينية. ويتحول المدنس حينئذ إلى كل فعل يخرق هذه العقود ويقوض ما استقر عليه الوجدان الجماعي من معايير وقيم. وفي هذا الصدد، يشير عالم الاجتماع جوردون لينش (Gordon Lynch) إلى أن المقدس يمكن فهمه سوسيولوجيا على أنه: “نظام القيم المركزي الذي يتشكل حوله مجتمع معين، وكذلك القيم التي تعتبرها جماعات ثورية أو أيديولوجية أو دينية محددة قيما مقدسة”[4]. وبهذا المعنى يمتلك هذا الإطار المفاهيمي طاقة تحليلية خصبة للاشتغال على النصوص الثقافية والإبداعية ولا سيما السينما التي تجعل من هذه التوترات مادة درامية وبصرية بامتياز، ذلك أن الدراما السينمائية تسعى إلى خلق مساحات من القداسة البصرية والطقوسية التي توازي التجربة الدينية بدل التركيز على عرض الواقع المدنس. وهو ما يؤكده الباحث س. برينت بليت (S. Brent Plate) حين يربط بين التجربة الدينية والسينمائية في قوله: بأن “الدين والسينما يتشاركان في القدرة على صنع العالم، وممارسة الطقوس، وخلق الأساطير، وتأسيس الزمان والمكان المقدسين”[5].

2- بنية الانتهاك والمفارقة الأخلاقية في السرد الدرامي:

يشكل الانتهاك من حيث هو فعل سردي محورا أساسيا في نظريات السرد والدراما، إذ لا تنهض الحكاية أساسا إلا على خرق نظام ما وكسر توازن قائم. وقد أشار تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov) في نظريته السردية إلى أن البنية الحكائية تقوم في جوهرها على الانتقال من حالة توازن إلى حالة اختلال ثم إعادة توازن. وفي ضوء ذلك يحدد تودوروف هذه البنية بدقة عندما يرى: “أن السرد المثالي يبدأ بوضعية مستقرة تضطرب بفعل قوة أو طاقة ما. وينتج عن ذلك حالة من عدم التوازن، وبفعل قوة موجهة في الاتجاه المعاكس، يعاد تأسيس التوازن، التوازن الثاني مشابه للأول، لكنهما لا يتطابقان أبدا”[6]. هذا المسار الديناميكي هو ما يجعل الانتهاك الأخلاقي في الأعمال التي تستثمره موضوعا مركزيا محركا سرديا وفكريا في الوقت نفسه. ولا يقف الانتهاك عند حدود هدم القواعد وإنما يؤكد وجودها، وهو ما يفسره جورج باتاي (Georges Bataille) في مقاربته العميقة لمفهوم المحرم والانتهاك (Taboo and Transgression)، حيث يرى أن: “الانتهاك لا ينفي المحرم، بل يتجاوزه ويكمله”[7].

بيد أن السرد الدرامي الأكثر تعقيدا إلى جانب تصويره الانتهاك وإدانته، يراكم طبقاته الرمزية عندما يسند يسند الفعل المدنس إلى من يفترض فيه أن يكون حارسا للمقدس. وهنا ينبثق ما يمكن تسميته بالمفارقة الأخلاقية، وهي اللحظة التي يتلاشى فيها الفاصل بين المتهم والقاضي وبين المدين والمدان وبين الخطاب والممارسة. وقد وجد ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) في مفهوم الحوارية (Dialogism) وتعدد الأصوات (Polyphony) ما يضيء هذه البنية، إذ تتعدد الأصوات داخل النص ويتواجه بعضها ببعض دون أن يمتلك أي منها الحقيقة الكاملة. ويعرف باختين هذه السمة الجوهرية بقوله: “إن تعددية الأصوات والوعيات المستقلة وغير المندمجة، أي البوليفونية الحقيقية للأصوات ذات الصلاحية الكاملة، هي في الواقع السمة الرئيسية لروايات دوستويفسكي”[8] . وعليه، يصبح البطل الذي يدين الآخرين مدانا بدوره بصوت مضمر داخل النص لأن الحقيقة في المنظور الباختيني ملكية جماعية تتجاوز الأفراد والسلطات، وكما يؤكد: “تنشأ الحقيقة وتتواجد حصرا بين الناس الذين يبحثون عنها جماعيا في سياق تفاعلهم الحواري”[9]. وتستمد هذه المفارقة الأخلاقية طاقتها الجمالية والفكرية من التوتر الذي تولده بين مستويين من الخطا، مستوى الخطاب الصريح الذي يعلن القيم ويدافع عنها، ومستوى الخطاب الضمني الذي يفضح انهيارها في سلوك من يدافع عنها. وهذا التوتر هو بالضبط ما يحول العمل الدرامي من مجرد حكاية أخلاقية تصدر أحكاما جاهزة إلى نص ثقافي مفتوح يربك المتلقي ويدفعه إلى مساءلة المؤسسات الرمزية التي يمنحها ثقته. وارتباطا بذلك يشير الناقد سعيد يقطين في مقاربته لتحليل الخطاب الروائي إلى أن دراسة النص يجب أن تتجاوز حدوده المغلقة لتشمل خصائصه الخطابية وتفاعلاته، مؤكدا أنه: “ليس العمل الأدبي في ذاته هو موضوع البويطيقا: إن ما تبحث عنه هو خصائص هذا الخطاب الخاص الذي هو الخطاب الأدبي”[10]. معنى ذلك أن النص السردي يقرأ متصلا بأنساقه الثقافية والاجتماعية التي تنتج هذه التوترات. ومن ثم، يتجاوز الفيلم أو النص الذي يشتغل بهذه الآلية حدود سرد قصة خيانة ويتحول إلى مرآة تعكس أزمة الشرعية في منظومة القيم الاجتماعية برمتها.

3- كيف يفكك فيلم “مع سبق الإصرار” الحدود بين المقدس والمدنس في منظومة القيم الاجتماعية؟

يعد التقابل بين المقدس والمدنس – كما أشرنا سالفا – من الثنائيات المؤسسة للوعي الإنساني، على اعتبار أن المقدس يتجاوز المجال الديني ليشمل جملة من القيم والفضاءات والعلاقات التي يحيطها المجتمع بهالة من الاحترام والتحريم، ويجعل المساس بها فعلا خارجا عن النظام الرمزي الذي يضمن تماسك الجماعة واستقرارها. وعلى نحو مغاير يحيل المدنس إلى كل ممارسة تنتهك هذه الحدود وتخرق ما استقر عليه الوجدان الجماعي من قيم وأعراف. وتماشيا مع هذا الطرح يتيح فيلم “مع سبق الإصرار” – إخراج: أشرف فهمي، وبطولة كل من: محمود ياسين، ونور الشريف، وميرفت أمين – قراءة ثقافية عميقة لجدلية المقدس والمدنس، حيث يعالج الخيانة الزوجية بوصفها فعلا يقوض منظومة كاملة من المقدسات الاجتماعية، دون اختزالها في كونها مجرد حادثة فردية أو انحراف أخلاقي معزول، بحيث تمتد هذه المقدسات من حرمة البيت والعلاقة الزوجية إلى الصداقة والعدالة ذاتها.

وينبني العالم الدرامي للفيلم على حضور قوي لبيت الزوجية على اعتبار أنه فضاء مقدس. ذلك أن البيت يتعدى وظيفته المادية المتمثلة في الإيواء، ليتحول إلى رمز للخصوصية والأمان والثقة المتبادلة بين الزوجين. إنه المجال الذي تتأكد داخله شرعية العلاقة الزوجية وتبنى فيه الذاكرة المشتركة للأسرة. بيد أن الفيلم يعمد إلى قلب هذه الدلالة رأسا على عقب حين يحول هذا الفضاء المحصن إلى مسرح للخيانة. إذ يعد دخول العشيق إلى بيت الزوجية في غياب الزوج عبورا جسديا إلى مكان مغلق واقتحاما رمزيا لحرمة فضاء كان من المفترض أن يظل آمنا ومصونا. وهكذا يغدو البيت شاهدا على انهيار القيم التي أنشئ لحمايتها ويتحول من رمز للاستقرار إلى علامة واضحة على تصدع الثقة وانهيارها. ويتعمق فعل التدنيس حين ندرك أن العشيق محمود شخص مألوف ومقرب من الأسرة، فهو صديق الزوج نفسه. إذ تبنى علاقته بالزوج على الثقة والمودة والوفاء، وهي قيم تمنح الصداقة مكانة أخلاقية رفيعة في الوجدان الاجتماعي. ولذلك فإن هذه الخيانة تضرب مؤسسة الزواج وتتجاوزها لتشمل خيانة الصداقة ذاتها بوصفها أحد العقود الرمزية الضمنية التي تنظم العلاقات الإنسانية. لقد نال محمود ثقة مطلقة من صديقه المدرس أم صلحي حتى غدا جزءا أصيلا من يوميات الأسرة، يتردد على البيت بحرية تامة ويحظى بالترحيب كفرد دائم من أفراد العائلة. وبناء على ذلك، فإن تورطه في علاقة مع زوجة صديقه يحول تلك الثقة إلى أداة للهدم ويجعل الخيانة مضاعفة تشمل غدر الزوج في زواجه وصداقته في آن واحد.

ويرتقي الفيلم إلى مستوى أعلى وأكثر تعقيدا من الانتهاك عندما نكتشف أن العشيق يعمل وكيلا للنيابة، أي ممثلا للعدالة وحارسا للقانون. وهنا تتخذ ثنائية المقدس والمدنس بعدا جديدا يتخطى العلاقات الشخصية نحو مساءلة المؤسسات الرمزية للمجتمع. فوكيل النيابة يمثل شخصية اعتبارية تمثل سلطة القانون وهيبة العدالة وحق المجتمع في المحاسبة والإدانة. ولذلك يمثل تورطه في الخيانة سقوطا أخلاقيا شخصيا، ويشكل في الوقت ذاته شرخا في الصورة الرمزية للسلطة التي يمثلها. وتصل هذه المفارقة إلى ذروتها الدرامية خلال تحقيق محمود مع رجل متهم بقتل عشيقته التي هي في الأصل زوجة صديقه، وهي قصة مشابهة لقصته تماما. فيجد نفسه وهو منهمك في كشف ملابسات الجريمة واستجواب المتهم، يستعيد صور علاقته السرية بزوجة صديقه المدرس أم صلحي، فيتحول التحقيق بمقتضى ذلك من مساءلة للآخر إلى مساءلة للذات. إن المتهم الماثل أمامه يمثل موضوعا قانونيا للتحقيق ويشكل في الوقت نفسه مرآة تعكس صورته الداخلية. وكلما اقترب محمود من كشف حقيقة الجريمة ازداد اقترابا من مواجهة حقيقته الشخصية. وهكذا يؤسس الفيلم بنية سردية تعتمد على التوازي بين الجريمة المعلنة والجريمة المستترة، وبين المتهم الرسمي والمتهم الضمني. ويبلغ هذا البناء الرمزي إلى أقصى درجات كثافته في مشهد المرافعة داخل المحكمة. فعندما يقف محمود بزي العدالة مؤكدا قداسة بيت الزوجية ووجوب صونه، تتجه كلماته ظاهريا نحو المتهم بينما تدين دلالتها العميقة شخصه هو. فالمقدس الذي يدافع عنه في مرافعته هو ذاته الذي دنسه، والقيم التي ينادي بحمايتها هي عينها التي خانها. وهنا تتبدل المرافعة من خطاب اتهامي إلى اعتراف ضمني، ومن محاكمة للآخر إلى إدانة للذات. إن اللغة القضائية التي ينتظر منها إرساء الفاصل بين الحاكم والمحكوم وبين القاضي والمتهم تصبح أداة تؤكد زوال هذه المسافة وتلاشيها.

وتتجسد هذه المفارقة بصريا في المشهد الذي يوجه فيه محمود أصابع الاتهام إلى المدان المتواجد خلف القضبان فيرى نفسه فيه وهو يرتدي لباس العدالة، فيسقط مغشيا عليه من هول الصدمة. ويتجاوز هذا المشهد كونه لحظة تأنيب ضمير عابرة ليختزل الرؤية الفكرية التي يقوم عليها الفيلم بأكمله. فالقضبان هنا تحاصر الضمير بالدرجة الأولى أكثر من محاصرتها للجسد، كما أن وجود محمود خلفها محتفظا بلباس العدالة يؤكد انهيار الحدود بين الحاكم والمتهم وبين سلطة الإدانة وموضوعها. لقد تحول ممثل العدالة إلى متهم ضمني أمام عدالة الضمير وانتقلت المحاكمة من فضاء المحكمة إلى فضاء الوعي، ومن القانون بوصفه نصا خارجيا إلى الأخلاق بوصفها سلطة داخلية. ومن خلال هذه البنية الدرامية المركبة، يكون فيلم “مع سبق الإصرار” قد تخطى موضوع الخيانة الزوجية باعتباره موضوعا مركزيا، واتخذ منها مدخلا لتفكيك شبكة من المقدسات الاجتماعية المتداخلة. فبيت الزوجية والعلاقة الزوجية والصداقة والعدالة تبرز جميعها كمؤسسات رمزية تقوم على الثقة والالتزام والشرعية. بيد أن الفيلم يكشف هشاشة هذه المؤسسات حين ينبع تهديدها من داخلها مباشرة. فالمدنس ينبثق من قلب المجتمع وصميمه، من الصديق الذي يفترض أن يحفظ الأمانة، ومن المسؤول القضائي الذي يفترض أن يجسد العدالة. وعليه، تتجلى القيمة الجمالية والفكرية للفيلم بوضوح في توظيفه للخيانة كأداة فاعلة لكشف التناقض بين الخطاب والممارسة وبين الصورة المثالية للأفراد والمؤسسات وسلوكهم الفعلي، متجاوزا بذلك مجرد الإدانة المباشرة لها. وبهذا المعنى، يؤكد فيلم “مع سبق الإصرار” مكانته كعمل يعالج أزمة الشرعية الأخلاقية بنفس القدر الذي يتناول فيه الخيانة الزوجية، إذ يواجه المتلقي بقضايا جوهرية تثبت حتمية خضوع من يمتلك سلطة الحكم على الآخرين لمحاسبة نفسه، وتؤكد حقيقة فقدان المقدس لسلطته بمجرد أن يبادر حراسه إلى انتهاكه.

خاتمة:

يخرج المتلقي من فيلم “مع سبق الإصرار” بانزعاج يتجاوز تفسيرات الدراما الأخلاقية المألوفة. فالمذنب نجا من العقاب والضحية بقيت مظلومة والعدالة اتخذت مسارا يثير قلق الوجدان. لكن هذا الانزعاج هو بالضبط ما يجعل الفيلم عملا يستحق التحليل، لأنه يدفع المتلقي للتفكير بعيدا عن الأحكام الجاهزة، ويورطه في أسئلة تستمر معه بعد انتهاء الشريط. وقد كشف التحليل أن الفيلم يعمل على مستويين متوازيين منفصلين تماما: المستوى الظاهر الذي تتحرك فيه العدالة المؤسسية وتطبق أحكامها، والمستوى الخفي الذي تعمل فيه السلطة الحقيقية بمنطق مغاير تماما. فنجاة محمود تعود كليا إلى امتلاكه لغة المنظومة وأدواتها بمعزل عن براءته. وموت أم صلحي ينتج أساسا عن فقدانه لكل ما كان يحميه من زوجة وصديق وثقة إلى جانب جريمته، قبل أن يفقد حياته. وبهذا المعنى، يتجاوز فيلم “مع سبق الإصرار” حدود الدراما الأخلاقية ليطرح سؤالا ثقافيا وسياسيا بامتياز: من تخدم المنظومة فعلا؟ وإذا كانت العدالة تنتصر دائما على الأضعف وتفلت الأقوى، فإن هذا ينسف مفهوم العدالة من الأساس. ويترك الفيلم هذا السؤال مفتوحا، ويفرضه بقوة على ذهن المشاهد. وفي هذا تحديدا تكمن قيمته الجمالية والفكرية، فهو يدفعنا لإدراك قصور الإجابات الجاهزة التي كنا نحملها طوال الوقت.

وإذا كان هذا التحليل قد كشف آلية اشتغال المقدس والمدنس داخل عالم الفيلم المتخيل، لإغن راهنية هذا الطرح تخرج عن حدود الشاشة لتلامس واقعا اجتماعيا أوسع، إذ تنسحب المفارقة ذاتها على كل بنية تحتكر فيها فئة بعينها سلطة تفسير القيم وتطبيقها، من المؤسسة القضائية إلى الإعلام إلى الخطاب الديني الرسمي. وبذلك لا يكتفي الفيلم بفضح خلل فردي في شخصية محمود، بل يقترح نموذجا تحليليا صالحا لمساءلة أي جهاز رمزي يجمع بين موقعي الحارس والمنتهك في ذات الآن. وهذا ما يمنح فيلم “مع سبق الإصرار” راهنيته خارج سياقه الزمني الأول، ويجعله عملا مؤهلا لقراءات مقارنة مستقبلية مع أعمال سينمائية أخرى تعالج إشكالية السلطة والشرعية.

ناقد من المغرب

الهوامش

[1]– Durkheim, É. (1995). The elementary forms of the religious life (Karen E. Fields, Trans). The FREE PRESS. (Original work published 1912). P: 112

[2]– Eliade, M. (1959). The sacred and the profane: The nature of religion (W. R. Trask, Trans). Harcourt, Brace & World. (Original work published 1957). P: 14

[3]– Caillois, R. (1959). Man and the sacred (M. Barash, Trans). Free Press of Glencoe. (Original work published 1939). P: 154

[4] – Lynch, G. (2012). The sacred in the modern world: A cultural sociological approach. Oxford University Press. p: 35

[5]– Plate, S. B. (2008). Religion and film: Cinema and the re-creation of the world. Columbia University Press. P:1

[6]– Todorov, T. (1977). The Poetics of Prose (R. Howard, Trans). Cornell University Press. P: 111

[7]– Bataille, G. (1986). Erotism: Death and Sensuality (M. Dalwood, Trans). City Lights Books. P: 63

[8]– Bakhtin, M. (1984). Problems of Dostoevsky’s Poetics (C. Emerson, Trans). University of Minnesota Press. P: 6

[9]– Bakhtin, Ibid, P: 110

[10]– يقطين، س. (1997). تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير. (الطبعة الثالثة). المركز الثقافي العربي. ص: 14

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حين ينقسم الزمن قراءة في كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق – سمير اليوسف

سمير اليوسف*   ثمة كتب تقرأ الزمن بوصفه ما يمر، وكتب تقرأه بوصفه ما يتركه …

اترك تعليقاً