الرئيسية / الأعداد / سيمياء الانكسار والتهشيم آفاق التأويل وتجليات المضمر في قصيدة: “القوارير” – عبد المجيد بطالي

سيمياء الانكسار والتهشيم آفاق التأويل وتجليات المضمر في قصيدة: “القوارير” – عبد المجيد بطالي

دراسات

سيمياء الانكسار والتهشيم آفاق التأويل وتجليات المضمر في قصيدة: “القوارير”

عبد المجيد بطالي*

تقديم:

تتأسس عتبة العنوان الرئيس للديوان: (آتنا شعرا) على صيغة الطلب والمناجاة الممزوجة بنبرة قرآنية مخفية تحيل المتلقي إلى قوله تعالى: “آتنا من لدنك رحمة” (1) وإلى الآية: “آتنا غداءنا” (2) هذا الاستدعاء التناصي يومئ إلى تمثّل الشعر بوصفه جسرا للخلاص وحصنا روحيا لمواجهة التردي الذاتي والحضاري ، وفي هذا السياق يبرز جيرار جينيت البعد التداولي والوظيفي لظاهرة العتبات مشيرا إلى أن “النص المصاحب مجعول لإجلاء حضور النص وضمان حضوره في العالم وتلقيه واستهلاكه… فليس هناك تأويل ممكن إلا من خلال ارتباطه بهذا الإطار” (3)

القراءة التأويلية:

ترسم العلاقة الجدلية بين عتبة الديوان الكبرى والعتبة الفرعية لقصيدة (القوارير) (4) عبر مستويين دلاليين متقابلين:

العتبة الأم/ الكبرى: (آتنا شعرا): تمثل أفقا دلاليا يتغيا القبض على قوة الكلمة الخالدة، معلنة ارتهان الذات الشاعرة للقصيدة، يلجأ عبرها الشاعر إلى تخلية النفس من شوائب الواقع المتردي للعبور بها نحو ما يزينها ويطهرها.

العتبة الفرعية: (القوارير) تشكل هذه العتبة شفرة دلالية محملة بالإرث الثقافي الذي يوصل (القارورة) بالشفافية ويحيل على الرقة وسرعة التهشيم، وفيه استدعاء للحديث النبوي “رفقا بالقوارير” (5)، وتتسامى رمزية “القوارير” في النص بعيدا عن الجانب المادي وعن حدود الحسي المجرد لتغدو علامة على المطلق الجمالي متجسدا في “قوارير السنا” التي تعرضت لفعل التهشيم المأساوي، كما يراه الشاعر زويريق:

“كسرت قوارير السنا غير مدرك

بأني قد كسرت ما ليس ذا جبر” (6)

سيمياء التهشيم وانكسار المرآة الجمالية:

يستهل الشاعر مطلع قصيدته: القوارير بنبرة تجسد تبدد أوهام التخفي.. ليتحول الفعل الشعري من أداة حجب وتستر إلى مرآة شفافة تكشف خبايا الأستار الداخلية كما يظهر في البيتين

“حنانيك ما أفضى إلى ما أرى شعري

فلا سرّ في سري ولا جهر في جهري

حمدت النوى لكنني كنت لا أرى

فقد هتك الأستار ما جنّه ستري” (7)

وتنبني هذه المكاشفة الشعرية على الأفق التأويلي كما يثبته بول ريكور في تحليله لرمزية الخطاب، إذ يقرر أن “ما تقوله القصيدة يرتبط بما توحي به، تماما كما تربط دلالتها الأولى بدلالتها الثانوية، حيث تقع كلتا الدلالتين في داخل الحقل الدلالي” (8) وهو انفتاح دلالي يتيح للمتلقي تتبع حركة الاستعارة والرمز الشعري الذي “يحيل العنصر اللغوي فيه دائما على شيء آخر..” (9) مغايرا يتجاوز المطابقة المباشرة حيث “يربط التحليل النفسي رموزه بـصراعات نفسية خفية”، (10) تعبّر عن الرغبة في رفد التجربة الشعرية بأبعادها الوجدانية وتحويلها إلى خطاب أدبي، مما يبرز الاقتران بين الدلالة الأولى (المعلنة) والدلالة الثانوية (المضمرة) من خلال تجاذب المستويات الوجدانية وتصارع الحالات النفسية الكامنة خلف البناء الأسلوبي للقصيدة، يتبين ذلك عبر بنيتين تتكاملان في كشف المباشر والمضمر:

1- بنية الاحتراق الداخلي النفسي والتوهج الشعري: وتتجلى في قول الشاعر:

 “تلبّست من نار الجوى جمر لوعة

على مهجتي كانت أحرّ من الجمر” (11)

2 – بنية الانكشاف الخارجي وانجلاء الخطاب: وتتمظهر في قوله:

“فدون الذي أخفيه عنك نوائب

تؤججها نارا عليّ يد الدهر” (12)

يتأكد هذا البناء السيميائي التقابلي من خلال حقلين معجميين متكافئين، الأول: مشحون بدلالة ثانوية للاشتعال النفسي والنزيف الداخلي ترتصف فيه المفردات: (نار الجوى، جمر لوعة، مهجة، أحر من الجمر..)، والثاني: ينزع نحو البوح والانكشاف الخارجي عبر مفردات: (أخفيه، نوائب، تأجج النار، يد الدهر)، لتشكل هذه المفردات نسقا تركيبيا مضغوطا بالحوار النفسي، يجرد الذات الشاعرة من الكتمان إلى البوح، مما يجعل مرآة النص تتهشم على صخرة الدهر إذعانا للانكشاف الوجداني المأزوم.

سيمياء الانزياح الرمزي ومفارقة الطير والتسامي الهش

يسلك النص طريقه عبر رمزية طائر مسكون بالتسامي ومحكوم بالسقوط والهويان، حيث يتقاطع الرمز مع أسطورة (إيكاروس) (13) أو يتناص معها، ومفارقة حمامة الأيكة للأغصان الكثيفة وتحوّلها من عالم الطير والطبيعة إلى فضاء رمز عاطفي عميق عبر انزياح دلالي يتجاوز الاستعارة التقليدية..

يقول الشاعر زويريق:

“سمعت على غصن حمامة أيكة

كأني بها تشكو إليّ ولا تدري” (14)

هنا يُسقِط الشاعر معاناته على الطائر في حوار منكتم، يتوج فيه الانزياح الدلالي البديع برمزية وجودية مكثفة، في قوله:

“أنوس على الإسراء طير جبلّتي

وقد فاتني ما كان من أجر الطير

فما بلغ الخضراء مدّ جناحه

ولا هو فوق الأرض كان من الغرّ” (15)

وينفتح الخطاب الشعري في هذا الاتجاه على طرح (بول ريكور) في كتابه (صراع التأويلات) مؤكدا بذلك على حتمية تضافر التشريح اللساني بالعمق التأويلي فـ “لا يوجد تحليل بنيوي من غير عقل تأويلي لتحويل المعنى (من غير “استعارة”، من غير “تحويل”)، ومن غير هذه المنحة غير المباشرة للمعنى التي تؤسس الحقل الدلالي” (16)، حيث تتكون “المنحة غير المباشرة” حين ترتقي المفردة الشعرية من وظيفة الإحالة المباشرة إلى التأثيرية الرمزية، عندها “يمكن للكلمة نفسها أن تكون خيالية إذا نظرنا إليها في المطلق، وأن تكون رمزية إذا فهمناها بوصفها قيمة اختلافية” (17) انطلاقا من هذه الرؤية النقدية تشكّل رمزية الطائر في قصيدة: القوارير للشاعر زويريق، فضاء رمزيا هاما ينقسم إلى مستويين متضادين:

“فروحي إلى العلياء تصبو سخية” => التعالي الروحي الوجداني.

“وجسمي من الأشجان يصبو إلى قبر ” => (15) السقوط المادي.

يلاحظ المتلقي تأرجح حركة الطيران نحو “الخضراء” => (السماء/ المطلق)، ليجد الطائر نفسه عالقا في المنطقة البرزخية الفاصلة بين الأرض والسماء (الخضراء مقابل الغبراء) حيث يتعذر عليه التحليق بحرية كما يتعذر عليه السلامة من سخام الأرض وهو تجسيد رمزي لمعاناة الشاعر المغترب في أفق مادي ممزق بين كونين.

ويتجلى توظيف الشاعر زويريق لرمزية (حمامة الأيكة) و(طير الجبلة) عبر وجود “صورة من صور التعامل مع الرموز هذه القديمة، تتمثل في استلهام الشاعر المعاصر تلك الرموز، حيث لا تظهر أمامنا الشخصية الأسطورية القديمة، وإنما تكون بمثابة خلفية للموقف الشعوري الذي يعبر عنه الشاعر” (18) فعند صياغة الشاعر زويريق مكابداته الوجدانية في قوله: “أنوس على الإسراء طير جبلّتي/ وقد فاتني ما كان من أجر الطير” وقوله في ثنائية (الروح والجسد): “فروحي إلى العلياء تصبو سخية/ وجسمي من الأشجان يصبو إلى قبر ” نجده ينسج “عبارة تتحرك على المستويين وتربط في الوقت نفسه بينهما” (19) يجعل منها جسرا للعبور بالرمز التراثي والديني نحو تجربته الذاتية حين يتفوق في أن “يربط بين واقعته الشعورية الخاصة والواقعة الأسطورية العامة” (19) يروم من خلالها “صورة التعامل غير المباشر مع الرمز القديم، [التي] تضفي على الشعر قوة تعبيرية لها وزنها وقيمتها” (20)

من خلال هذا الانزياح الذي يفصل الرمزية عن المباشرة والتقريرية، تصبح حركة الطائر العالق بالبرزخ تعبيرا عن الذات الشاعرة وهي تعيش تجربة اغتراب وتمزق، حيث “يستطيع المتلقي أن ينفعل بالعبارة حتى وإن لم يلم بالأسطورة” (21) مما يخدم مرآة النص الشعري بالانفتاح على فائض المعنى، تأسيسا لبعد دلالي ورمزي يتسع للعمق الوجداني دون الوقوع في التقريرية والابتذال واللغة العادية.

الإيقاع الصوتي ودلالة حرف الروي فنولوجيا

وإذا تفحصنا قليلا في التركيب اللغوي والصوتي لقصيدة “القوارير” نجد أن خيوطها محبوكة ومتقنة بمفرداتها المنسجمة، هنا استعان الشاعر بالتقطيع الصوتي للقصيدة إبحارا بالقارئ في أغوار (البحر الطويل) بنغماته التي تمتد بالتكرار عبر تفعيلاته: (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)، وقد استطاع هذا الوعاء النغمي من الموسيقى الشعرية أن يفتح صدره لاستيعاب مكابدات الشاعر النفسية والفلسفية وتأملاته الشجية، ورغم ثقل الإيقاع في القصيدة الذي يعود إلى طبيعة البحر إلا أنه أكَّد انسجاما تعبيريا صادقا يترجم أحزان وأشجان نفسية الشاعر متمركزا في حرف الراء المكسورة متبوعا بياء ساكنة، متمثلا في نسق من الكلمات: (جهري، الدهر، الجمر، الهجر، ستري، سيري، قدري، صبري، جبرِ)، ويلاحظ كيف يتميز حرف الراء بقوته الصوتية المتمثلة في صفة التكرارية، إضافة إلى حركته المكسورة التي تمده بتأثيرات اهتزازية داخلية عند النطق به، ذلك لأنه حرف لسانيّ مخرجه من مقدمة اللسان مع الحنك الأعلى يرتطم به فيخلق ارتدادا واهتزازا قويا، وهو ما يشير إليه (إبراهيم يونس) في قوله: “والراء صوت مكرر، لأن التقاء طرف اللسان بحافة الحنك مما يلي الثنايا العليا يتكرر في أثناء النطق بها، كأنما يطرق طرف اللسان حافة الحنك طرقا لينا يسيرا مرتين أو ثلاثا لتتكون الراء العربية” (22) يحيلنا هذا التردد الصوتي لحرف الراء المكسورة إلى انكسار الزجاج المتكرر في عتبة قصيدة: “القوارير”، مما يخلق توافقا بين دلالة البناء النصي العام والتشكيل الصوتي للقافية.

تجليات ثنائية الجسد والروح…

في قصيدة: (القوارير) للشاعر إسماعيل زويريق، يتخطى المعنى المباشر الشكوى العاطفية المباشرة من الحب والهجر كما في قوله: “ولست إلى ليلى ولست إلى نهى <> أميل فما فيهنَّ عنديَ ما يغري” (23) منتقلا إلى أزمة وجودية ترتبط بكرم الشعر ومحدوديته متخذا من التساؤل الإنكاري وسيلة وجسرا… يقول: “أتسعفني الأشعار في كل حادث <> ولا تسعف الأرواء إن خانني دهري” (24)

يستطيع المتلقي المتأمل في هذه القصيدة المترعة بالرؤى الفلسفية التي تعكس انشطار الذات الشاعرة وانقسامها النفسي أن يستنبط مجموعة من العناصر الفلسفية العميقة، ومنها:

– تطلع الروح كما في قول الشاعر: “فروحي إلى العلياء تصبو سخية” (25)، يلاحظ كيف تنساب دفقات الإشراق والتسامي، حيث تتطهر ذاتية الشاعر من الثقل المادي متجهة بطاقتها واشتعالها الروحي نحو أفق المطلق والحرية، ويحيل الفعل (تصبو) في البيت عن صفة السخاء المرتهن بفيض النزعة الروحية وتجاوز المادة.

– انكسار الجسد في قوله: “وجسمي من الأشجان يصبو إلى قبر” (26) في هذا البيت من القصيدة يتجلى مدى ما يحمله جسم الإنسان من الثقل المادي المقيد بالفناء والنزع الأخير (القبر) نحو المصير الترابي المحتوم..

– الاغتراب الزمني والحيرة الوجودية حين يقول: “نهاية دربي لست أعرف كنهه <> هو الدهر لا يعنيه كنهي ولا أمري” (27) ينفتح هذا البيت على قسوة وجودية واغتراب زمني مرير، حيث يأخذ (الدهر) موقفا محايدا يتجاهل الكينونة الذاتية ويتسامى عن الاكتراث برسالة الشعر، مما يكرس الفجوة التقابلية بين امتداد الزمن المادي ومكابدة الذات الشاعرة.

 ختاما:

تسعى هذه المقاربة التأويلية إلى أن تقدم أنموذجا نقديا يحاول استقراء النص الشعري عبر صهرنا للأدوات السيميائية بالأفق التأويلي لإضاءة تجربة الشاعر إسماعيل زويريق، مفسحة المجال لقراءة تزاوج بين التفكيك البنيوي والتركيب الجمالي سبرا لأغوار المضمر في الخطاب، ورغم ما وفرته هذه المقاربة من لبنات أولى لمكاشفة قصيدة (القوارير)، فإن النص يظل زاخرا بقضايا أدبية وفلسفية ونفسية وغيرها، تتجاوز حدود القراءة الواحدة، بناء على هذا المعطى تنهض رؤيتنا النقدية بصفتها منطلقا محفزا ينفتح على البحث التنقيب في ديوان (آتنا شعرا)، مستشرفة آفاقا أرحب لاستكشاف بنيات رؤيوية مغايرة، بما يدعم الحوار العلمي ويعزز الخط التواصلي بين التلقي والتأويل وبين النص والنقد الحديث.

الهوامش:

[1] – سورة الكهف/ 10.

2 – سورة الكهف/ 62.

3 – مانغونو، دومنيك “المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب”، ترجمة محمد يحياتن، الدار العربية للعلوم ناشرون/ ومنشورات الاختلاف، ط1، 2008، ” ص 91.

4 – إسماعيل زويريق، “آتنا شعرا” الطبعة الأولى 2025، ص 20.

5 – صحيح البخاري، 8/ 35، رقم الحديث: 6149.

6 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 23.

7 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 20.

8 – ريكور، بول “نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى”، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 2006، ” ص 85 – 86.

9 – نفسه، ص 95.

10 – نفسه، ص 95.

11 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 20.

12  – زويريق، “آتنا شعرا” ص 20.

13 – “إيكاروس” أسطورة في الميثولوجيا اليونانية تحكي عن هربه من عقاب مينوس فاستعان بجناحين ثبتهما بالشمع على ظهره، حين حلق قريبا من الشمس، متجاهلا نصيحة والده، فهوى صريعا بعد أن ذابت أشعة الشمس الشمع المثبت لجناحيه. أنظر موسوعة ويكيبيديا/ إيكاروس.

14 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 22 – 23.

15 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 23.

16 – ريكور، بول، “صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة: منذر عياشي، مراجعة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة 1، 2005، ص 96.

17 – ريكور، بول، نفسه، ص 95.

18 – إسماعيل، عز الدين، “الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية”، دار العودة – بيروت، الطبعة 3، 1981، ص 214.

19 – إسماعيل، عز الدين، نفسه، ص 216.

20 – إسماعيل، عز الدين، نفسه، ص 216.

21 – إسماعيل، عز الدين، نفسه، ص 216.

22 – أنيس، إبراهيم “الأصوات اللغوية”، مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة، الطبعة 5، 1975، ص 57 – 58.

23 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 21.

24 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 21.

25 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 22.

26 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 22.

27 – زويريق، “آتنا شعرا” ص 23.

 

* باحث وناقد من المغرب  

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً