الرئيسية / الأعداد / مسارات العناوين في المجموعة القصصية “عُش الهُدهُد..” للقاص علي أحمد عبده قاسم – ياسمين الآنسي

مسارات العناوين في المجموعة القصصية “عُش الهُدهُد..” للقاص علي أحمد عبده قاسم – ياسمين الآنسي

مسارات العناوين في المجموعة القصصية “عُش الهُدهُد..” للقاص علي أحمد عبده قاسم

ياسمين الآنسي*

 

عُش الهُدهُد.. مجموعة قصصية للقاص والناقد/ علي أحمد عبده قاسم، جمعت مجموعتان قصصيتان مميزتان في عمل أدبي واحد،

القسم الأول: ضم 83 نصاً تحت مسمى القصة القصيرة جداً.

القسم الثاني: ضم 90 نصاً تحت مسمى ومضات قصصية.

ليصبح بين يدينا 173 نصاً قصصياً، تقدمتها صفحة الإهداء ومقدمة حول العمل للقاص/ أ. عبد الرحيم التدلاوي- المغرب.

إصدار مكتبة خالد بن الوليد.

طبعة أولى سنة 2026م.

للقصة القصيرة جداً بناء خاص يعتمد على التكثيف، والمفارقة، والإيجاز، ووحدة الحدث، والخاتمة الصادمة، والرمزية، وارتباط العنوان المكثف بالنص، وعلامات الترقيم.. وهذا ما يجده القارئ في نصوص المجموعة. وكذلك يجدها مليئة بالسخرية الموجعة من وضع الإنسان المُزري الذي يطوقه من كل جانب، ويخنقه إلى الحد الذي يبلغ به مرحلة اليأس من محاولات الخلاص.

بدت العناوين متقنة الاشتغال فلكل عنوان مسار لإيصال فكرة ما رغم حمله لتعدد التأويلات.. فحين ننظر للعلاقة بين العنوان والنص أو العبارة الخاتمة بالتحديد نجد:

1) عناوين تحمل سخرية واضحة من التضاد الحاصل بينها والعبارة الختامية الصادمة وغير المتوقعة، كما في القصص التالية على سبيل المثال:

وفاء..         ص 44

مكافأة..       ص 73

بشاعة..       ص 74

تمزق..       ص 75

مبادئ..      ص 105

أفرد بشيء من التحليل نص..

“وفاء”

(انحنى ظهر كل منهما للآخر، فقد ذابا في عمر

من التجاعيد الذي تلألأت نعمه..

في وجه ابنهما العاق.)

النص يثير تساؤلاً.. كيف تتلألأ نعم عُمر من التجاعيد في وجه ابنهما العاق؟!

كيف يحمل العقوق عنوان الوفاء؟! وانحناء الظهر يحمل في مغزاه البذل والعطاء من الوالدين.

نجح النص بتوافر جميع شروط القصة القصيرة جداً وبقوة، فكل عبارة فيها تحتاج لصفحات من التحليلات والتفسيرات،

فعند قراءة العبارة الأولى (انحنى ظهر كل منهما للآخر) يظن القارئ أن هذا الانحناء، انحناء تحية.. احترام.. تقدير كل منهما للآخر، لكن حين يُكمل العبارة التي تليها (فقد ذابا في عمر من التجاعيد)؛ يكتشف ما لمحت له وقصدته العبارة الأولى من انحناء الظهر الناتج عن السنوات الطويلة التي حياها مليئة بـ العناء، والتعب، والشدة، ولولا وجود رمزية (التجاعيد) لفُسر تلألؤ النعم بالسنوات التي جمعتهما في ظروف وأحوال مليئة بالتعاون، والمحبة، ومساندة كل منهما للآخر.  و(ذابا) تؤكد مدى التفاني في بذل كل ما يملكانه -الوالدان- من جهد، ومال، ووقت، وصحة لابنهما، فيبتهج القارئ حين يبلغ العبارة التالية (الذي تلألأت نعمه..) وكأنما تبشر بحصول الوالدين على نتيجة التعب والعناء والبذل.. لكن لو توقف النص عند هذه العبارة لظل ناقصاً، وهذا النقص يشعر به القارئ فيسأل نفسه: أين تلألأت نعم العمر؟ فيصل في الخاتمة التي قصمت ظهر الوالدين قبل أن تصدم وتكسر قلب القارئ إلى إجابة تساؤله (في وجه ابنهما العاق.)، فيدرك أن تلألؤ النعم جاءت للسخرية، ويؤكد على هذه السخرية التلميحية الموجزة؛ مُكافأة الوالدين على كل ما بذلاه بالعقوق من ابنهما، وهنا نكون توصلنا إلى سُخرية العنوان (وفاء) التي أظهرتها الخاتمة حين لم نجد رد الوفاء والإحسان من ابنهما العاق الذي جاء خلاف المُتوقع وما يرجوانه الوالدان.

و”تمزق”

(الوحدة التي حققوها بعد نضال طويل

لشدة فرحتهم بها أطلقوا الفوهات إلى صدور

بعضهم؛ زيادة في التلاحم.)

العبارة الأولى تخبر بأنه لا تأتي الوحدة إلا بعد جهود مبذولة من الدراسة والتشاور والتوافق للوصول إلى الاتفاق، لكن لم يأت التعبير في التي تليها عن شدة الفرح بالاحتفالات، وتخليدها بذكرى سنوية لتجديد الفرح، والحفاظ على قوتها وبقائها، بل أتى بالنقيض المؤلم غير المتوقع الذي هو حملهم لأسلحتهم وتوجيه أفواهها إلى صدور بعضهم. هذا النقيض هو سخرية في النص، ويزيد في فجاجة السخرية الخاتمة التي فسرت تصرفهم بزيادة في التلاحم.. لم يُقصد بالتلاحم المعنى الظاهر منه بل تلاحم دمائهم التي أراقوها بالاقتتال لتمتزج وتتحد هي دوناً عنهم في مشهد تراجيدي بشع.. لتلاحم خارج المألوف، وهنا تبرز السخرية المؤلمة حين وجدنا عنوان النص (تمزق) والخاتمة (زيادة في التلاحم.).

 2) عناوين لا علاقة لها بخاتمة النص الذي يأتي كعيار سريع وصادم، لكن المُتمعن يجد تفسيرها في تحليل النص ككل. كما في:

“ذوبان”   ص 38

(….

بدأ الطوفان.)

“خواء”    ص 57

(….

  • ألم تدفنوها قبل قليل؟!)

“حيلة”   ص 67

(….

حطمت الأسوار.)

“صقيع”        ص 106

(….

وحلمها يتبخر.)

أتناول بشيء من التحليل نص..

“خواء”     

(بعد أن حملوا زوجته على الأكتاف، عادوا إليه

مخففين عنه حزنه:

  • لنعد إلى سكنك.
  • إلى أين.؟!
  • إلى دارك.
  • ألم تدفنوها قبل قليل؟!)

(بعد أن حملوا زوجته على الأكتاف) هنا كناية عن وفاة الزوجة ومغادرتها للحياة وللمكان الذي جمع الزوج بها وذلك بحملها على الأكتاف ونقلها من دارها المبني على الأرض إلى دار آخر تحت الأرض، بعدها (عادوا إليه مخففين عنه حزنه:) رحيل الزوجة تسبب للزوج بالحزن العميق والشديد مما دفعهم للعودة إليه لتخفيف حزنه والاهتمام به، بعدها مختصراً الكثير من الأحداث أدخلنا الكاتب مباشرة بحوار مقتضب عميق ومكثف بين الزوج والمخففين عنه..

(- لنعد إلى سكنك.

  • إلى أين.؟!
  • إلى دارك.)

آتياً بمترادفة (سكن، ودار) بصوت المخففين ليختصر بهما عن دراية وقصد الكثير من الشروح والتحليلات..

فالسكن يوحي بالاحتواء الداخلي.. أي سكون النفس وطمأنينتها عند مواجهة مشاق الحياة ومصاعبها، اختيار هذه الكلمة رمزية عميقة فضفاضة اختصرت الكثير من المدلولات والكثير من التحليلات: فالزوجة سكن، والوطن سكن، والدار سكن، والصلاة سكن، والدعاء، والتوقف عن الحركة، ومقاصد أخرى.. ذكرت في مواطن وحالات مختلفة في القرآن الكريم.

والدار يشير إلى الاحتواء الخارجي.. أي ما بُني على الأرض للسكن والعيش، وهي رمزية أيضاً لـ دار الفناء المقصود بها الحياة الدنيا، ودار الخلود التي تشير للحياة الآخرة.

كانت إجابته لهم وهم يحاولون العودة به أعمق تعبيراً وبلاغة بعلامات الترقيم الثلاث التي تبعتها، فقد أتت بعد (إلى أين) النقطة (.) علامة الانتهاء، وهي توحي بانتهاء كل شيء برحيل من كانت سنده وسكنه وداره الذي يعود إليه كلما اشتدت عليه، من كانت سبباً في جمال حياته والمخففة عنه.. والاستفهام (؟) جاءت للتساؤل والحيرة باحثاً عن إجابة لتساؤله، فأين يذهب بعد رحيلها وقد كانت له كل شيء.. والتعجب (!) أتت لاستعظام ما حل به من وجع وافتقاد وخلو داخله.. الثلاث العلامات تعبر عن حجم الفراغ المصحوب بالوجع والألم واليأس الذي تركته في داخله وفي حياته من كل الجوانب، فكل ما تحمله (السكن والدار) من رمزيات وجدها الزوج مرتبطة بزوجته، فجاء رده في الأخير على المخففين عنه مستفهماً متعجباً..

(- ألم تدفنوها قبل قليل؟!) قاصداً بها من كانت داره وسكنه..

وهذا هو ما أشار إليه العنوان “خواء”

3) عناوين مفسرة للعبارة الخاتمة للنص أو العكس.. كما في:

“انبعاث”           ص 26

“نهاية”             ص 28

“ترقيع”            ص 34

“خلاص”          ص 35

“وئام”              ص 36

“إغاظة”            ص 66

“خديعة”            ص 72

أتناول بشيء من التحليل نص..

“نهاية”

(لازمه الوجع،

استفحل بأعماقه،

حاول مداواة الألم، أخفق،

استخدم العقاقير المهدئة،

عقَّم الجراحات؛ لم يستطع.

حاول التضميد، لم يتمكن؛

استل إرادته..

بتر القلب.!)

هذا النص يأخذ القارئ في عملية تكثيف لمراحل التخلص من الوجع بتسلسل جمالي متصاعد في تجريب عدد من الحلول (حاول.. استخدم.. عقَّم.. حاول.. استل..) وكل هذه المراحل جاءت في عملية تغييب مقصودة من بداية النص لمحل الوجع، وبعد أن فشلت كل محاولات المعالجة والتهدئة تأتي المُفاجأة الصادمة بمحل الوجع، والقاسية باللجوء إلى الحل الأخير في العبارة الأخيرة..

(استل إرادته..

بتر القلب.!)

ليجد في استل عملية إكراه وإرغام ومكابدة للإرادة، لتاتي المفارقة بـ (بتر القلب) كونه الحل الأخير والوحيد للتخلص من الوجع المُزمن، المُستفحل، المتشبث به، وهذه هي النهاية التي أخذنا إليها العنوان “نهاية” عبر تسلسل أحداث النص الساخر من نهاية الوجع الذي لا دواء له، والموجِز لكثير من المراحل والأحداث المُكثفة في النص..

* هناك مسارات أخرى للعناوين والنصوص لا يسعني الحديث عنها.. لكنني خصصت نصين يحملان المفارقة والسخرية أيضاً بشيء من الحديث عنهما:

“تجارة”    ص 27

في النص مفارقة ساخرة من تناقض الأقوال مع الأفعال حين صرخوا مفاخرين بمبادئهم التي يتزينون بها (التسامح والإخاء، الخير، السلام والتواضع) فينتهي النص بمفارقة ساخرة بأفعال مناقضة لأقوالهم (داسوها برذائلهم مارين عليها دون أن يلتفتوا!) علامة التعجب في الأخير تؤكد على سخرية النص من عظم هذا التناقض..

وفي “تخلص”   ص 25

(تنطقها لتتعلل بها (دقائق).

مضت، مرت ساعات،

وهو ينتظر امتد الزمن وطال،

وما يزال يترقب الحضور.

ارتسم الدهر بكل عصوره.. ودقائقها لم تنته.)

(دقائق) رمزية للوقت اليسير الذي يحفز في المُنتظِر الصبر لوعود كثيرة في حياته، ينتظرها فيسترق العمر دون أن يشعر، كأن نقول للمهموم (دقائق وسينجلي همك)، وللصغير حين يبكي لغياب أمه (دقائق وستعود)، وللمريض المُتألم (دقائق وسيزول ألمك)، وفي النص جاءت دقائق لتصبر بيسارة مدتها من قيلت له إلى أن تحضر من ينتظرها فقد تكون محبوبته، أوقد يكون أمراً محبباً إليه ينتظره منذ وقت طويل، فجاءت دقائق لتقول له.. لم يتبق سوى القليل أكمل صبرك أيها المتألم، المنتظر، المترقب، المتأمل، لكن النص يأتي بعدها بالضياع فورود (الدقائق، والساعات، والدهر، والعصور) تفنيد متسارع عميق ومكثف لمرور الوقت لدى المُنتَظِر بينما هي في حسبة المُنتَظَر مجرد دقائق لا أكثر، وبعد مرور هذه المراحل الزمنية المتسارعة يفاجئ القارئ  بالعبارة الختامية الصادمة غير المتوقعة في النص، أن انقضاء كل هذه المراحل الزمنية (ودقائقها لم تنتهِ.) نهاية ساخرة من حال المُنتَظِر مقابل مكر وكذب القائل لها.

العنوان لم يأت مشكلاً لكن الراجح أنه مضموم اللام “تخلُص” وهي إيحاء لتخلُص وتملُص الشخص أو الجهة المعنية  بالحضور أو الإنجاز لغيرها من الوعود الكاذبة من أولئك المكذوب عليهم بكلمة (دقائق) الباعثة في النفس الأمل. لكن لو جعلنا اللام مفتوحة “تخلَص” لاختلف معناها ولأصبحت فعل أمر بالتخلُص من تلك الوعود الكاذبة وأصحابها بعدم الانتظار والاستسلام للاستنزاف..

القسم الثاني: الومضات القصصية..

وكما تمكن الكاتب من حبك القصة القصيرة جداً تمكن أيضاً من حبك الومضة القصصية المكونة من جملتين فقط كل منهما ضد الأخرى، وشرط أن تفصلهما الفاصلة المنقوطة، ولشدة التكثيف والإيجاز المطلوب في الومضة يصل حد عدد كلماتها كلمتان فقط، كما في نص..

“تأجيج”

آلمه؛ ألهمه.        ص 127

فيكون وقعها كطلقة عيار ناري في الجملة الأولى وصداه في الثانية، نستطيع القول عنها: (لكل فعل ردة فعل مساوية في القوة معاكسة في الاتجاه.)

ومن الإبداع أن هناك نصوصاً نستطيع التلاعب بتركيبها، لتكوين نص آخر مغاير ومواز للنص الأصل، على سبيل المثال نص..

الأصل لنص “حظ”

نقبوا عن عرش بلقيس؛ وجدوا جن سليمان.        ص 131

المتلاعب فيه..

نقبوا عن جن بلقيس؛ وجدوا عرش سليمان.

أو

نقبوا عن عرش سليمان؛ وجدوا جن بلقيس.

أو

نقبوا عن جن سليمان؛ وجدوا عرش بلقيس.

 

الأصل لنص “مكافأة”

بايعوه أميراً؛ ساقهم حميراً.        ص 139

المتلاعب فيه..

ساقهم حميراً؛ بايعوه أميراً.

كاتبة من اليمن

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً