الرئيسية / الأعداد / قراءة في ديوان “بيادر الأحزان” للشاعر إسماعيل زويريق – الحسَن الگامَح

قراءة في ديوان “بيادر الأحزان” للشاعر إسماعيل زويريق – الحسَن الگامَح

دراســـــات

قراءة في ديوان “بيادر الأحزان” للشاعر إسماعيل زويريق

الحسَن الگامَح*

على سبيل البدء:

قدم الشاعر المغربي إسماعيل زويريق في ديوانه “بيادر الأحزان” الصادر في طبعته الأولى عام 2024 م تجربة شعريّة ذات بعد وجداني وإنساني، تعكس صراع الذات مع الزمن، الفقد، والغربة النفسية والوطنية.

1- على سبيل التقديم وبيانات الإصدار

عنوان الديوان: بيادر الأحزان

المؤلف: إسماعيل زويريق

تاريخ الطبعة الأولى: 2024 م

بلد التوثيق: مراكش، المملكة المغربية

عدد النصوص الشعريّة:  25  قصيدة ونصاً شعرياً

2- على سبيل العتبات النصية العنوان والغلاف

أ. قراءة في دلالة العنوان والتوطئة

يتكون العنوان من تركيب إضافي “بيادر الأحزان”؛ والبيدر في اللغة هو الموضع الذي تُجمع فيه المحاصيل وتُدرس بعد جهاد وعناء. واقترانه بكلمة الأحزان يمنح دلالة رمزية تكشف أن حصاد العمر وجنى السنين ليس إلا تراكمات من الأسى والشجن.

ويمثل العنوان مدخلاً رمزياً مكثفاً؛ إذ يُحيل إلى أن غلة العمر كانت حصاداً للألم، وتكتمل هذه العتبة بالـ “توطئة” التي تجسد حالة التأهب للرحيل النهائي، حيث يقول الشاعر مستشهداً:

(جمع حقائبك

لا تنم

قد آذن الليل بالرحيل

فاهمز جوادك

لا تنتظر

أمامك من سبقوا

تجاوز برزخ العمر

لا حول لك) ص3

توجه هذه التوطئة القارئ منذ البداية نحو عالم متوشح بالغياب والعبور البرزخي وتوديع مسافات الحياة.

ب. القراءة السيميوطيقية للغلاف

يمثل غلاف الديوان نصاً بصرياً موازياً يُشكّل العتبة الأولى لدخول العالم الشعري، ويتشكل من:

الواجهة الأمامية:

اسم المؤلف: يظهر في الأعلى ببنط واضح ومستقيم إسماعيل زويريق، مما يمنح السلطة المباشرة للذات الشاعرة ويثبت الهوية الأدبية للإصدار.

العنوان الرئيسي: كُتب بخط عربي حُر ذي لون أحمر متدرج وبارز بيادر الأحزان؛ حيث يعكس اللون الأحمر دلالات النزيف والألم والتوهج العاطفي ليبرز كلمة “بيادر” كحصاد مكثف للألم.

التجنيس الأدبي: كلمة شعر أسفل العنوان لتحديد هوية النص وتوجيه تلقي القارئ.

الصورة البصرية: يسيطر عليها رسم لشخص يبدو متدثراً أو يجلس منكسراً ومولياً ظهره للمشاهد في إشارة إلى العزلة والتأمل والرحيل الداخلي، يتصاعد من حوله سرب من الطيور/النوارس السمراء المهاجرة، مما يجسد تيمات الشتات والاغتراب.

بيانات الإصدار: يتحدد في الحافة السفلى الطبعة الأولى 2024.

الواجهة الخلفية ظهر الغلاف: تحمل مقطعاً شعرياً اقتُطف من القصيدة الأولى بالديوان أخاف أن تهرب مني الجهات ليعمل كـ “عتبة شارحة”؛ إذ يستشهد الشاعر بقوله:

(يحتلني الخوف

يا مشرق الأنوار

كلما سمعت عن نوارسك ما يحزنني

كيف تنشف منابع الدمع وفي كل يوم تغمر خلوتي الأنباء

عن فرخ مغتصب أو قتيل

في كل يوم يباغتني الألم الممض) ص5

يربط هذا المقطع الشاهدي بين الذات الشاعرة والجرح الوطني والقومي، حيث تتناغم مفردات النوارس، الخوف، الدمع، والرحيل مع اللوحة البصرية.

التنسيق اللوني:

الكعب: يتضمن اسم الشاعر، عنوان الديوان، وسنة الإصدار لضمان التعريف بالمؤلف.

الألوان والأرضية: أرضية بلون هادئ يمنح تبايناً بصرياً قوياً يجعل الخطوط واللون الأحمر للعنوان أكثر بروزاً.

  • التيمات والموضوعات الرئيسة

تيمة الزمن والخريف والشيب:

يطغى حضور “الخريف” كرمز للأفول والرحيل الوشيك؛ فالشاعر يكرر الوقوف على أعتاب الستين عاماً من العطاء والركض الشعري، حيث يتجلى الاستدلال في قصيدة “ما زال النهر كما كان” بقوله:

(من ينم فوق صدر القصيدة ستين عاما

لا تغطي صداه ريح) ص32

وفي قصيدة “ستون عاماً من الشعر” يستشهد بمرارته قائلاً:

(ستون عاماً وأنا لا أرى إلا خواءً في خواء) ص40

ويتعالق الزمن الفردي مع المشيب في قصيدة “ما زال النهر كما كان”:

“تذكر أن الخريف على الأبواب يحنط فيك نشيد الرحيل”

المرارة القومية والوجع الجماعي: لا تنفصل الذات الشاعرة عن هموم أمتها؛ إذ يحضر الجرح العربي الممتد بين القدس، بغداد، اليمن، والعراق. ويستدل الشاعر على مأساة العصر في قصيدة “ستون عاماً من الشعر” بقوله:

(هذا وطني

بين المغربين تصفق فيه رياح الأسى

لا فلسطين

لا بغداد

لا اليمن) ص 37

كما يلخص انكسار الواقع السياسي والحروب الشاملة بقوله في النص نفسه:

(أمسنا مرثيات

يومنا مرثيات

غدنا مرثيات) ص 39

وفي قصيدة “لماذا؟ ” يقر بعجز الشعر أمام مآسي التاريخ والحروب بقوله:

(فالقصيدة لن تعيد الزمان المفقود

ولن تمنع أمريكا عن الحرب التي أعلنتها على العراق) ص 45

عزلة الشاعر وموقفه من العصر:

يظهر الشاعر بدور “المغرد خارج السرب” أو من يصف نفسه بـ “شاعر فاشل” على سبيل التهكم والمكابدة. ونستدل على ذلك بقوله في قصيدة “أخاف أن تهرب مني الجهات”:

(أنكرتني المقاهي التي

تعرف عني

ما لا تعرفه القصيده) ص7

وفي قصيدة “شاعر فاشل” يصرخ بموقفه وسخريته المرة:

(فأنا شاعر يا وطني

شاعر فاشل) ص 54

مواجهاً التهميش وطغيان الصوت الرديء بقوله في قصيدة “لن أعتزل”:

(لن أعتزل الشعر

هذا الصباح

سأرفع صوتي في وجه الغرابين

وأبدد عش الدبابير قشة قشة) ص 18

حضور الوباء والذات المحاصرة:

تجلي قصيدة “كرونا” حالة الحصار والخوف الإنساني العام إبان جائحة 2020 م، ونستشهد من النص بقوله:

(مرضى

مرضى

مرضى

في كل بلد

فتحنا كل النوافذ

للخوف المهاجر في

أرض الصراصير) ص 63

ليتحول الوباء إلى دافع لتأمل خطى الرحيل والمنفى الداخلي:

(ولذا سافرت وحدي إلى

منفاي المعتاد مريضاً.) ص 63

البُعد الإنساني والأُسري:

تتجلى عاطفة الأبوة الدافئة في قصيدة “حنان”، حيث ينكسر التجهم الفلسفي أمام عفوية البنت ومشاكستها؛ إذ يستدل على هذا التوافق الإنساني بقوله لبنته:

“فما أنا إلا أب

لا يؤرقه إلا أن يراك أميرة هذا الوادْ

فاركبي

إنني هدمت أيا بنتي

كلها الأسوار

وما لك إلا هذا الفؤاد فؤادْ) ص 27

3-على سبيل البنية الجمالية واللغة الشاعرية

القاموس اللغوي:

تسيطر على النصوص معجميات الأسى والرحيل، ونلمسها في مفردات متكررة مثل: الليل، السراب، الصقيع، اليباب، الغراب، الجراح، النزيف. وفي المقابل، تتألق رموز الإشراق والأمل كأدوات لمقاومة العدم، مثل الاستشهاد بـ: النوارس، الحمام، الضياء، وسحابة الشعر.

المحاكاة والتناص:

يتناص الشاعر بكثافة مع الرمز التاريخي والأدبي العربي؛ ومن الشواهد البارزة على ذلك:

أبو العلاء المعري: يتقاطع معه في فلسفة العزلة، حيث يستشهد في قصيدة “ما زال النهر كما كان” بقوله:

(إسوة بالمعري إلى جنة العارفين أضاع سبيله) ص 31

وفي قصيدة “شاعر فاشل”:

(وشيخ المعرة مازال يحيا رهين المحبسين)

المتنبي وامرؤ القيس: يرتدي جبة المتنبي للقتال بالكلمة كما في قصيدة “لا تعاتبني”:

(وأنا أرتدي جبة المتنبي وأدخل في غفلة من حراس الليل) ص 29

ويستحضر خيل امرئ القيس في قصيدة “لن أعتزل”:

(غداة تعود إلي فرادى خيول امرئ القيس.) ص 20

الرموز التراثية:

استحضار الخنساء وزرقاء اليمامة، حيث يستشهد في قصيدة “ستون عاماً من الشعر”:

(ما وراءك يا زرقاء اليمامة إلا السواد) ص 38

الصورة الشعرية والإيقاع:

ينتمي الديوان إلى شعر التفعيلة والنثر الشفاف القائم على الصور المركبة، مثل استشهاده في قصيدة “ثلاثة رابعهم قصيده”:

(رأيتك تنسج الأصداف بماء الورد) ص 49

وقوله في قصيدة “أسوار الألم”:

(يعللني الصمت بماء العناد) ص 9

ويعتمد الإيقاع على التكرار والترجيع اللفظي والنداءات المتكررة لإنشاء جرس موسيقي داخلي يعوض غياب القافية .

5- على سبيل الختم:

ديوان “بيادر الأحزان” لإسماعيل زويريق لا نعتبره رثاء للذات أو بكاء على الأيام، بل هو وثيقة شعرية ترصد تجربة إنسانية ناضجة لشاعر قضى ستين عاماً يحمل اليراع، ليعيد من خلاله ترميم الذاكرة ومواجهة جفاف الواقع بماء القصيدة المتجدد.

 كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حين ينقسم الزمن قراءة في كتاب “الازدواج الأنطولوجي للزمن” للهيب عبد الخالق – سمير اليوسف

سمير اليوسف*   ثمة كتب تقرأ الزمن بوصفه ما يمر، وكتب تقرأه بوصفه ما يتركه …

اترك تعليقاً