الرئيسية / الأعداد / صورة المرأة وبناء الخطاب الاجتماعيّ في مجموعة “على ضفاف دمعة” لنبيهة محضور قراءة في ضوء السّرديّات الحديثة – درية فرحات

صورة المرأة وبناء الخطاب الاجتماعيّ في مجموعة “على ضفاف دمعة” لنبيهة محضور قراءة في ضوء السّرديّات الحديثة – درية فرحات

صورة المرأة وبناء الخطاب الاجتماعيّ في مجموعة “على ضفاف دمعة” لنبيهة محضور قراءة في ضوء السّرديّات الحديثة

 درية فرحات*

 

تجاوزت الدّراسات السّرديّة الحديثة النّظر إلى الأدب بحسبانه انعكاسًا مباشرًا للواقع، فمع البنيوية والسّيميائيات ثمّ السّرديّات بات النّصّ يُقرأ كونه نظامًا من العلامات ينتج دلالاته الخاصّة. ويؤكّد جيرار جينيت أنّ الخطاب السّرديّ لا يكتفي بنقل الحكاية، وإنّما يعيد تشكيلها من خلال تنظيم الزّمن والرّؤية والصّوت. ويرى سعيد يقطين أنّ الخطاب السّرديّ يكون بالطّريقة التي تُبنى بها الحكاية داخل النّصّ.

وعليه فإنّ القيمة الفنيّة لمجموعة “على ضفاف دمعة” تكمن في الكيفيّة التي حوّلت بها تلك القضايا إلى بنية سرديّة قادرة على إنتاج المعنى.

وستحاول هذ القراءة الإجابة عن سؤالين متلازمين: كيف شُيّد الخطاب الاجتماعيّ في المجموعة؟ وكيف أسهمت تقنيّات السّرد في بناء صورة المرأة كونها علامة ثقافيّة تكشف اختلالات المجتمع؟

لم تكن المرأة في هذه المجموعة شخصيّة تضاف إلى بقية الشّخصيّات، إنّما هي المحور الذي تدور حوله أغلب الحكايات. وقد حضرت في المجموعة كونها تمثيلًا لبنية اجتماعيّة كاملة. وابتعدت نبيهة محضور من تقديم خطاب يدافع عن المرأة بصورة مباشرة، أو أن تجعلها بطلة مثاليّة أو ضحية مطلقة، فكانت المرأة في هذا العمل نقطة التقاء لمختلف التّوترات الاجتماعيّة، فيصبح الحديث عن المرأة حديثًا عن المجتمع نفسه.

وقد نستفيد هنا من مفهوم العنف الرّمزيّ عند عالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو” الذي يميّز بين العنف الماديّ والعنف الذي تمارسه الثّقافة والعادات والتّقاليد من دون أن يشعر المجتمع بأنّه يمارس عنفًا أصلًا، ففي هذا النّوع من العنف تُقهر المرأة عبر منظومة من الأفكار التي تجعل التّمييز أمرًا طبيعيًّا.

ويتجلّى ذلك بوضوح في قصّة “غنيمة” التي تبدأ من واقعة تبدو مألوفة في البيئات التّقليديّة، لكنّها تحمل أبعادًا ثقافيّة عميقة، إذ يُتاح للأخ أن يغادر القرية ليتلقّى تعليمه الجامعيّ، وتُحرم الأخت من التّعليم بحجّة أنّ تعليم الفتاة لا ضرورة له، وأنّ مصيرها الطّبيعيّ هو الزّواج، وتختزل الكاتبة هذه الثّقافة الشّعبيّة في العبارة المتداولة “المرأة ما لها إلى الزّوج ولا القبر”، وهي عبارة تكشف أنّ المجتمع قد حسم مستقبل المرأة مسبقًا، فلم يترك لها حقّ الاختيار أو بناء ذاتها.

وإن ألمحت الكاتبة إلى هذا الأمر، لكنّها لا تجعل هذه الحادثة غاية في ذاتها، وتبني عليها سلسلة من النّتائج الدّراميّة، فحرمان الشخصيّة الرّاوية من التّعليم يؤدّي إلى جهلها بالتّعاملات الرّقميّة، ويجعلها فريسة للاحتيال الإلكترونيّ الذي تمارسه صديقتها المقربة، فتخسر معظم ثروتها بضغطة زر. واللافت هنا أنّ العنف الرّمزيّ وقع عليها أيضًا من امرأة مثلها.

وتتحوّل القصّة من الحديث عن امرأة سُرقت إلى مساءلة البنية الثّقافيّة التي صنعت هذه الضّحية أصلًا. فالجهل هنا ليس صفة شخصيّة، هو نتيجة مباشرة للتّمييز الاجتماعيّ، وفي ذلك تبرز رؤية الكاتبة من أنّ المجتمع هو المسؤول عن سقوط المرأة في دائرة الاستغلال.

وتتجاوز نبيهة محضور في هذه القصّة التّقليديّة قضية المرأة، فهي لا تجعل الرّجل خصمًا دائمًا للمرأة، إذ يظهر الأخ شخصيّة داعمة ومتفهمّة، بينما تأتي الخيانة أو العنف كما ذكرنا من امرأة أخرى هي الصّديقة “وفاء”، وهذه المفارقة تكسر الثّنائيّة السّائدة التي تختزل الصّراع في مواجهة بين الرّجل والمرأة، وتؤكّد أنّ الأزمة الحقيقيّة كامنة في منظومة القيم، لا جنس الشّخصيّات، وقد يلفتنا أيضًا سيميائية استخدام الاسم والتّضاد النّاتج بين وفاء اسمًا ووفاء تصرّفًا.

ويتبين لنا أنّ المرأة في جانب ما ليست ضحية الرّجل بقدر ما هي ضحية الثّقافة، وهو ما ينسجم مع ما يذهب إليه عبدالله الغذامي في حديثه عن الأنساق الثّقافيّة المضمرة التي تستمر في إنتاج الهيمنة حتى عندما يختفي ممارسوها المباشرون.

ويبرز هذا التّصوّر بصورة أكثر عمقًا في قصّة “عوض” إذ تبدو الشّخصيّة منذ البداية امرأة استنفدت سنوات عمرها في خدمة زوجها الذي ترى فيه زوجًا محبًّا قدّم لها الكثير “كان لي الزّوج والحبيب والصّديق، تقاسمنا الحياة مرّها وحلوها ، لم أشعر يومًا باليتم الذي خلفه رحيل والدي ووالدتي”، لكن في الختام تجد نفسها مطلقة بعد أن خضع الزّوج لمحاولات رفيقه بضرورة الزّواج من أخرى، لينجب ابنًا له. وقد يبدو الأمر مألوفًا لكنّ الكاتبة جعلت من هذا الطّلاق انهيارًا للهوية، فالزّوجة لا تفقد زوجها فقط، وإنّما تفقد المكان الذي بنت فيه حياتها، والذّكريات التي صنعت وجودها، والإحساس بالأمان الذي كانت تستمدّه من الأسرة، لذلك يبدأ السّرد من لحظة لحظة العودة، لا من لحظة الزّواج، وهو اختيار فنّيّ بالغ الدّلالة.

وفي العودة إلى مفهوم الاسترجاع عند جيرار جينيت، نجد أنّ القاصّة تعمد إلى كسر الخط الزّمنيّ، فلا تروي الحكاية من بدايتها، وإنّما تنطلق من لحظة الأزمة، ثم تعود تدريجيًّا إلى الماضي، لتكشف للقارئ كيف وصلت الشّخصيّة إلى هذه النّهاية. وهكذا يصبح الماضي عنصرًا تفسيريًّا، وليس مجرد ذكرى، ويغدو الزّمن أداةً لبناء الدّلالة، وليس إطارًا لترتيب الأحداث.

إنّ شخصيّة المرأة في “عوض” تستعيد الماضي لأنّها تحاول إعادة تركيب ذاتها بعد الانكسار، وهنا يتحوّل المكان، ولا سيما بيت الأسرة الأوّل، إلى فضاء نفسيّ يستعيد الوظيفة التي تحدّث عنها غاستون باشلار في جماليات المكان، فالبيت يتجاوز كونه جدرانًا وسقفًا إلى خزانٍ للذّاكرة، ومستودعٍ للهوية، ومصدرٍ للشّعور بالأمان. ومن ثمّ فإنّ العودة هي عودة إلى الذّات، وليست عودة جغرافيّة.

وما يميّز صورة المرأة في هذه القصّة أنّها تعيد بناء حياتها من جديد، فتغادر موقع الإنكسار إلى موقع الفاعليّة. ومن هنا فإنّ الكاتبة تترك الخطاب البكائيّ إلى تأسيس رؤية تؤمن بإمكان تجاوز الهزيمة، وهذا ما يمنح النّصّ بعدًا إنسانيًّا يتجاوز حدود القضية النّسويّة الضّيقة.

ونبيهة محضور لا تحصر نفسها في الدّفاع عن المرأة، إنّها تنشغل بالإنسان عندما يُصبح أسيرًا لبنية اجتماعيّة مضطربة، فالمرأة والرّجل في هذه المجموعة كلاهما ضحيّتان لاختلال القيم، وإن اختلفت صورة المعاناة وتجلّياتها.

ويظهر هذا في قصة “فرح” حيث يبدو الزّواج في ظاهره بابًا للخلاص من الفقر، لكنّه يتحوّل إلى شكل من أشكال الاتجار بالمرأة. وتبنى الكاتبة قصّتها على المفارقة بين ما تتوقعه الشّخصيّة، وما تواجهه عند وصولها إلى بلد الاغتراب، فالأحلام التي غذّتها البيئة الاجتماعيّة سرعان ما تنهار أمام حقيقة ارتباطها برجل مسنّ، لتدرك أنّ السّفر تحوّل إلى انتقال إلى قيد جديد. وهنا لا يكون الزّوج هو الشّخصيّة المركزيّة في القصة، إنمّا المؤسّسة الاجتماعيّة التي شرعنت هذا النّوع من الزّواج هي الشّخصيّة الحقيقيّة للنّصّ. فالسّرد هنا يكشف ثقافة ترى في المرأة وسيلة لحلّ الأزمات الاقتصاديّة، فتفقد إنسانيّتها وتتحوّل إلى موضوع للتّبادل.

وأجادت الكاتبة في ابتعادها عن الخطابة أو التّعليق المباشر، وتركت الحدث نفسه يؤدّي وظيفته الدّلاليّة، وهذا ما ذهب إليه رولان بارت حين ذكر أنّ النّصّ الأدبيّ يتكسب قوّته من تعدّد شفراته، لا من التّصريح برسائله. وتترك المساحة للمتلقي ليكتشف أنّ ما بدا في البداية بشارة بالخلاص لم يكن سوى بداية مأساة جديدة، ومن ثمّ تتحوّل المفارقة إلى تقنية لإنتاج المعنى وليس فقط لإحداث الدّهشة.

ويزداد هذا التّوظيف الفنيّ للمفارقة في قصّة شغف، وتتحوّل وسائل التّواصل الاجتماعيّ للتّعبير عن فضاء جديد لإعادة إنتاج الاستغلال الإنسانيّ،  فهذه العلاقة العاطفيّة الافتراضيّة، تقود إلى جريمة منظمة، فتغدو الثّقة بابًا للخداع والحبّ وسيلة للاتجار بالبشر. فتتجاوز القصّة معالجة قضية فرديّة لتلامس إشكالية عالميّة ترتبط بتحوّلات المجتمع الرّقميّ. ومن منظور السّرديّات فإنّ الكاتبة تستثمر ما يسمّيه بارت بالشّفرة الغامضة، إذ تؤجّل الكشف عن الحقيقة وتزرع في مسار السّرد أسئلة متلاحقة تدفع القارئ إلى إعادة تأويل الوقائع مع كلّ مرحلة من مراحل الحكي.

وإذا كانت المرأة تمثّل المدخل الرئيس للخطاب الاجتماعيّ في المجموعة، فإنّ هذا الخطاب لا ينغلق عليها، بل يتّسع ليشمل المجتمع اليمني بكلّ تحوّلاته. فالحرب والفقر والاغتراب والانهيار الاقتصادي تشكّل قوى فاعلة في تشكيل مصائر الشّخصيّات.

ويتجسّد ذلك في قصّة “على الرّصيف” فشخصيّة القصّة معلّم أفنى ثلاثين عامًا في تربية الأجيال، يجد نفسه مضطرًا إلى بيع البطاطا في الشّارع كي يوفّر الحليب لطفله. والمفارقة هنا تكمن في انهيار القيمة الاجتماعيّة للمعرفة نفسها، فالشّخصيّة التي كانت تبني المستقبل اصبحت عاجزة عن إطعام أسرتها، وبهذا تتحولّ القصّة إلى نقد عميق لبنية اقتصادية فقدت قدرتها على حماية أكثر الفئات إنتاجًا.

ويتعزّز هذا البعد في قصّة “استلاب” حيث يتحوّل بائع التّين الشّوكيّ إلى رمز للإنسان الذي يسحقه الفقر مرتين، مرة حين يعجز عن توفير قوت أسرته، ومرّة حين يعاقب لأنّه حاول العمل. فالسلطة التي تصادر بضاعته وتسجنه بحجّة تشويه الشّارع تبدو غير قادرة على رؤية المأساة الإنسانيّة الكامنة خلف هذا العمل. وهنا يصبح الرصيف علامة تدلّ على التفاوت الاجتماعيّ واختلال مفهوم العدالة.

إنّ القيمة الفنيّة لهذه المجموعة القصصيّة تبرز من خلال ما تطرحه من قضايا اجتماعيّة، وأيضًا بالطّريقة التي أعادت بها تشكيل تلك القضايا داخل خطاب سرديّ متماسك. وما يلفتنا هو كيف روت الكاتبة. ويرى جينيت أنّ الخطاب السّرديّ يقوم على ثلاثة محاور هي: الزّمن والرّؤية السّرديّة والصّوت، وهي العناصر التي تشكلّ في هذه المجموعة بنية متماسكة تسهم مباشرة في إنتاج الخطاب الاجتماعيّ.

فالزّمن السّرديّ في هذه المجموعة يكاد يشكّل العمود الفقري، والقارئ للقصص يلاحظ أنّ نبيهة محضور لا تستسلم بالتّتابع الزّمنيّ التّقليديّ، إنّما تكسر خطية الزمن باستمرار، معتمدة الاسترجاع والاستباق والحذف والاختزال. وهذا الاختيار يعكس طبيعة الشّخصيّات نفسها، فهي تعيش على ذاكرة الماضي أكثر مما تعيش في الحاضر.

ويتجلّى ذلك بوضوح في قصة ” عودة” فالسّرد يبدأ من لحظة وصول السّائق إلى القرية وليس من لحظة سفر جابر، وهنا يبدأ القارئ بتجميع أجزاء اللّغز، فلا تقدّم الكاتبة الحكاية بصورة كرونولوجية، وتعتمد ما يسميه جينيت بالاسترجاع الخارجيّ، فتتكشف الوقائع شيئًا فشيئًا حتى تبلغ ذروتها باكتشاف الجريمة، ويسهم الزّمن في إنتاج التّشويق.

والأمر نفسه في قصّة “عوض” كما رأينا سابقًا، والاسترجاع هنا يعمل على كشف التّحوّلات الدّااخليّة للشّخصيّة، ويصبح زمنًا نفسيًّا أكثر منه زمنًا تاريخيًّا.

ويقودنا هذا إلى عنصر التبئير الذي يعدّ من أكثر مفاهيم جينيت أهمية. فقد ميّز بين التّبئير الدّاخليّ والتبئير الخارجيّ، وتبدو الكاتبة في معظم قصص المجموعة منحازة إلى التبئير الدّاخليّ، أي إنّ العالم يُرى من خلال وعي الشّخصيّة لا من خلال معرفة الرّاوي المطلقة.

ففي قصّة ” المسافرة” لا نعرف المرأة من الخارج إنّما نراها وهي تشدّ الغطاء على رضيعها، وتراقب النّافذة وتغرق في شرودها. والقارئ يعيش قلق الشّخصيّة ويشاركها ارتباكها. وبهذا يتحوّل التبئير إلى وسيلة لتعميق الأثر النّفسيّ وإشراك المتلقي في بناء التّجربة الشّعوريّة.

أمّا الصّوت السّرديّ فيتجلّى من خلال تنوّع الرّواة بين راوٍ عليم وراوٍ مشارك، وهو ما يمنح القصص مرونة في تقديم الأحداث. ففي بعض النّصوص يفسح الرّاويّ المجال للشّخصيّات للتعبير عن نفسها. وفي هذا السّياق نستحضر تصوّر باختين حول الحواريّة، إذ يرى أنّ النّصّ السرديّ الحقيقيّ لا يقوم على صوت واحد، بل على تفاعل أصوات متعدّدة.  ومن المهم الإشارة إلى أنّ الرّواية وإن كانت لا تنتمي إلى الرّواية متعدّدة الأصوات بالمعنى الباختينيّ الكامل، فإنّها تستثمر الحوار وسيلة لكشف التّوتر الاجتماعيّ، فالشّخصيّات تكشف من خلال كلامها عن أنساقها الفكريّة والثّقافيّة وعن موقعها داخل المجتمع. ومن النّماذج على ذلك ما نراه في قصّة “غنيمة”، فالحوار الذي يدور بين أفراد الأسرة لا يقتصر على تقرير منع الفتاة من التّعليم، إنّما يكشف النّسق الثّقافيّ الذي يجعل هذا المنع طبيعيًّا.

ولا يقلّ المكان أهمية عن الزّمن أو الرّاوي، فيتحوّل في هذه المجموعة إلى عنصر دلاليّ فاعل، فكما يذكر حسن بحراوي أو عبد الملك مرتاض بأنّ المكان هو بنية دلاليّة إضافة إلى كونه إطارًا للأحداث. فمثلًا القرية في هذه المجموعة هي فضاء يحفظ سلطة الأعراف والتّقاليد، والمدينة موطن للاغتراب والاستغلال.

ففي قصّة المسافرة تحوّل المكان إلى فضاء انتقاليّ بين عالمين يحمل دلالة القلق أكثر مما يحمل دلالة السّفر. وفي قصّة الرصيف يؤدّي المكان وظيفة رمزيّة فهو الحدّ الفاصل بين الكرامة والإذلال، وبين الوظيفة التي تمنح الإنسان مكانته الاجتماعيّة والعمل الهامشيّ الذي يفرضه الفقر. وعليه فإنّ المكان يكتسب قيمة رمزيّة تعكس التّحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي يعيشها المجتمع اليمنيّ.

ومن السّمات الفنيّة البارزة في المجموعة أيضًا اقتصاد اللّغة، فالكاتبة تتجنّب الإسهاب وتعتمد الجملة المكثّفة التي تخنزن قدرًا كبيرًا من الدّلالة. وهذا ما يجعل نصوصها قريبة من الكثافة السّرديّة الذي يعدّ أهم خصائص القصة القصيرة الحديثة.

ويلاحظ كذلك حضور النّهاية الصّادمة، وهي نتيجة منطقيّة لبناء سرديّ محكم، ففي قصّة عودة لا تأتي جريمة قتل مفاجئة بمعنى الاعتباط، إنّما يسبقها عدد من العلامات السّرديّة التي تؤجّل الحقيقة وتغذّي الشّك، حتى إذا ما انكشفت النّهاية بدا كلّ ما سبقها مسوّغًا. وهذا ما يسمّيه رولان بارت بالتّأجيل الدّلاليّ، فتتراكم المعلومات لتدفع القارئ إلى إعادة تفسير النّصّ بعد انتهائه.

إنّ هذه التّقنيّات مجتمعة تؤكّد أنّ نبيهة محضور تعاملت مع القصة القصيرة بحسبانها بناءً فنيًّا تنتج داخله الدّلالة عبر الزّمن والصوت والرّؤية والمكان والشّخصيّات والحوار، لذلك فإن الخطاب الاجتماعيّ في هذه المجموعة لا يُفرض على السّرد من الخارج، إنّما يتولّد من داخله، وهو ما يمنح النّصوص قيمتها الجماليّة إلى جانب قيمتها الفكريّة.

وأسمح لنفسي في الختام أن أشير إلى العنوان فالدّموع نفسها تتحوّل إلى نسق دلالي، فهو عنوان يشكّل بنية كاملة، فالدّمعة ليست دمعة واحدة، هناك دمعة الفقر، ودمعة الحرب ودمعة الغربة ودمعة المرأة ودمعة الطّفل ودمعة الأب وأخيرًا دمعة الوطن، من هنا فقد أجادت الكاتبة واستخدمت ضفاف، والضّفاف قد تكون مكان الانتظار أو مكان العبور، أو مكان الاحتمال، وكأنّ الشّخصيّات جميعها تقف على ضفاف الألم ولا تسقط فيه بالكامل وهذا اختيار لغويّ شديد الذكاء من الكاتبة.

ناقدة من لبنان

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً