الرئيسية / الأعداد / وجهان رحلة وجدانيّة على صهوة الحقيقة – زينب الضيقة

وجهان رحلة وجدانيّة على صهوة الحقيقة – زينب الضيقة

وجهان رحلة وجدانيّة على صهوة الحقيقة

زينب الضيقة*

 

كأنّك تعرفين كلّ النساء، كلّ وجوههنّ، القويّة والبريئة، المغناج والضعيفة، فالبطلات كثيراتٌ في [وجهان] دكتورة دريّة!

وما أجملَهنّ في القوّة والضّعف، في الإشراق والانطفاء، في الخيبة والتأمّل، كنتِ تتنقّلين بينهنّ تمسّدين أنوثتهنّ المشتعلة، وصلابتهنّ المتّقدة، امرأةٌ من نورٍ وأخرى من رمادٍ، واحدةٌ تولد من الحلم وأخرى من الجرح، لكنّهنّ جميعًا يمشين في الحياة كأنّ خطواتهنّ صدى القلب نفسه. بين ملامحهنّ، كنتُ أرى الرّجل، ذاك الذي يختزن في صمته وجوهًا لا تقلّ تنوّعًا ولا تناقضًا عن المرأة. وجه المحارب ووجه الطّفل، وجه العاشق ووجه الهارب، وجهٌ يرفع الأحلام كرايةٍ، ووجهٌ يسقط تحت ثقل الخطايا. لكلٍّ منهما لغته في الداخل، لغةٌ تُقال ولغةٌ تُخفى، وجهٌ يواجه الناس، ووجهٌ لا يراه أحد.

“وجهان ووجوه أخرى” الصّادر عن دار النّهضة للدّكتورة درّية فرحات، هو ليس رحلةً عابرةً لنتصفّح النّصوص والوجوه، بل هو رحلةٌ وجدانيّةٌ على صهوة الحقيقة، حقيقة الإنسان عندما يتعرّى أمام تجربته، أمام نضجه وأمام هذه القصص الوجيزة الكثيفة.

“وجهان ووجوه أخرى” لا يُخاطب المرأة وحدها ولا الرّجل وحده، بل يفتح الاحتمالات بينهما، كمِرآتين متقابلتين تعكسان الضّوء ذاته والعتمة ذاتها.

كأنّكِ أخذتِ بي في رحلةٍ رسمتِ لنا نهايتها، رحلة تتزاحم فيها الوجوه، ولكنْ هناك وجهان ثابتان للإنسان، وجهان من تأمّلٍ وعتابٍ، من فرحٍ وحزنٍ، من كبرياءٍ وانكسارٍ، من ماضٍ وحاضرٍ، من صدقٍ وخداعٍ، من نضجٍ وتهوّرٍ، من أملٍ وتشاؤمٍ، وما أكثر “الوجهان”! وجهٌ يمنح الحياة معناها، ووجهٌ يسألها عن الجدوى، وجهٌ يبني ووجهٌ يهدم، وجهٌ يبتسم في الضوء، ووجهٌ يختبئ خلف ستائر الصمت.

وحين نقف بين هذين الوجهين نكتشف ما هو أبعد من الثّنائيّات، فالإنسان هنا يرى نفسه فقط، والمرأة التي عرفتها في النّصوص كانت تتّقد بالحنين، لكنّها لا تنكسر، تتمرّد لتقف، وتضعف لتشتعل من جديد، والرّجل الذي لمحته بين السّطور لا يُختزَل بالقوّة وحدها، بل بقدرته على الاعتراف بضعفه للوقوف مرّةً أخرى، وهما لا يُشبهان القشرة التي نظنّها الحقيقة، بل يحملان في داخلهما قصصًا لا تُقال دفعةً واحدةً، تلك هي قصصكِ الوجيزة دكتورة، قطافٌ من الذّاكرة النّائمة على أرصفة الأيّام.

بين دفّتي كتاب “وجهان ووجوه أخرى” للدّكتورة دريّة فرحات، أجدني أقف أمام امرأةٍ بنضجٍ فاتنٍ، دفّاقٍ بالعاطفة، وما أدراك ما ذلك النّضج! أجدني أمام لحظاتٍ نفسيّةٍ ووجوديّةٍ، كنت معها ألتقط لمعة التّجارب والمعرفة، بل كأنّني أتعرّف إلى نفسي للمرّة الأولى. وأجدني في الوقت نفسه أمام رجلٍ لم يُكتب صوته مباشرةً، لكنّه حاضرٌ حدّ الامتلاء خلف المواقف المشتبكة، خلف الخيبة والانتصار، خلف الشّغف والفقد، حاضرٌ لأنّه الوجه الآخر للحكاية، ولأنّ الحياة تشبه الكتاب، لا تكتمل بدفّةٍ واحدةٍ.

كاتبة من لبنان

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً