البلاغة والأسطورة في ديوان “عريس الدالية” للزجال محمد شحيم

رشيد بلفقيه*
تمهيد
يفتح ديوان “عريس الدالية”[1] نافذة على التجربة الزجلية للزجال “محمد شحيم”، باثنتي عشرة قصيدة متوسطة الطول، اتسمت جميعها بالنضج، وعبرت عن عمق الرؤية وكثافتها، كما جعلت الكتابة الزجلية تسمو بالنسق الدارج في الكلام (الدارجة المغربية) لاعتمادها على تعابير جزلة بليغة، حفظت للزجل خصوصيته بوصفه فنا لصيقا بالحياة اليومية ومرتبطا بالثقافة الشعبية، وارتقت به بلغة صُقلت لتكون أبرز ملمح يستوقف قارئ الديوان.
وفقا لهذا المدخل تبدو المقاربة البلاغية الحجاجية القائمة على تتبع الأثرين الجمالي والإقناعي في اللغة أنسب مقاربة لفراءة القصائد وتحليلها، ولهذا أُطّرت الورقة النقدية بالسؤال التالي: “ما هي أبرز الأساليب التي قام عليها فعل الكتابة في الديوان؟ وكيف وظفت بما يتجاوز الإمتاع إلى الإقناع”؟
في مستوى آخر، حضرت العديد من الأسماء ذات المرجعية الأسطورية في القصائد من قبيل “باخوس، وشهريار، وسيزيف”، موظفة بكيفية قامت على تفكيكها وإعادة بنائها بما يمنحها دلالات جديدة، مما حفز على السؤال ك “ما هي أبرز هذه المعاني والدلالات التي ارتبطت باستعمال هذه الأسماء؟”.

أ- بلاغة أسلوب الاستفهام في قصيدة “الطير الحر”
في “قصيدة الطير الحر”، فاتحة قصائد الديوان، يتجاوز أسلوب الاستفهام السؤال بوصفه طلبا للعلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة من أدوات الاستفهام، ليغدو تحريضا للمتلقي على تمحيص ما قد يبدو بديهيا بحكم الاعتياد، ويستدرجه خلال رحلة البحث عن أجوبة للأسئلة التي يثيرها، إلى الانتباه للتغيرات التي لحقت بالمجتمع وبقيمه، والتي عميَ عنها بحكم التعود، مخاطبا مستمعا غير محدد بزمان أو مكان معينين، موسعا بما في اللغة من إمكانيات دائرة المتلقين المفترضين لخطابه، فيتساءل مثلا في قصيدة “الطير الحر”: “وشكون كال الطير الحر/ بعد كان في السما حُرْ/ وكان امفرد جنحيه/ البارح يتكسب واليوم يتباع/ ومع الدجاج/ كتفاتو ليام”.
تستنكر الذات الزجالة في مضمر سؤالها تغير أحوال الطائر الحر(الصقر) من طائر جارح إلى طائر مدجن مسخر لخدمة صاحبه، جاعلة من صورة تحوله استعارة يمكن تعميمها على تغير أحوال بعض الناس تحت ضغط الحاجة، موجهة لوما مبطنا إلى الزمن الذي يسير مغيرا الأحوال، وجاعلا الأحرار تابعين.
يوظف الوصف المطنب لسيرورة انتقال الصقر من طائر حر يحلق فاردا جناحيه تجسيدا للحرية والانطلاق، إلى طائر مدجن يعرض مقيدا بين الدجاج، مقيدا مجبرا على تقبل مصيره، للتعبير عن حالة التدجين المستعرة التي تخلقها وضعية العوز، والتي تنقل الكائن من أقصى حالات الحرية إلى أقسى وضعيات الخنوع، فيصير السؤال آلية لإعادة التفكير والنظر، ودعوة لتأمل الأسباب والمسببات، والعودة إلى الطريق بدل التيه خلف السراب، هو الذي سبق أن قال في القصيدة نفسها: “اوهمنا السراب/تبعناه … اجلانا/ اغواتنا الدنيا/بنت الكلاب”.
تدرك الذات الزجالة أن هذا الوضع ليس سويا، لذلك تفتح طاقة للأمل وتتطلع إلى التغيير، متسائلة: “متى اتصوط ريح/اتفك هاد الخبال/وتعري هذا الحال/وتفاكد الخاطر”، وتتوجه إلى أحد عناصر الطبيعة، ممثلا في الرياح، التي تهب في نهاية كل تغيير، مستعجلة هبوبها الحتمي، إذ أن تشبع الذات الزجالة بالحرية يجعلها مؤمنة أن زمن الاختلال لا يمكن أن يكون أبديا.
لا تقف آمالها المتطلعة إلى الحرية، عند هذا الحد بل تتطلع إلى اللحظة التي تستعيد فيها المعاني أصالتها أيضا، فتتنج تعابير دقيقة بدل الجعجعة التي لا تنفع، ونتابعها متسائلة شاكية اختلاط جيد الكلام برديئه: “امتى تتعازل/ لمعاني تتعازل/ من تحت ارحى الوقت/ يخرج الطحين منيل”.
لا يقتصر الاستفهام على قصيدة بعينها، إذ يوظف في بناء العديد من القصائد، ففي قصيدة “اتفلست الوقت” نجده يتساءل: “اشكون اطفا الضو/ أو شكون حرز الشوف/أو خلى الخوف فينا عشش”. كما نجده يتساءل أيضا مواصلا بحثه الحثيث عن القيم الفضلى في المجتمع: “اشكون الصادق فينا/ايغني الجرح موال/ اشكون يحيي ثاني فينا/ روح الزهر/ايلا ادبال”.
على مستوى الرسم الكتابي تغيب علامات الاستفهام حين طرح السؤال -في قصيدة الطير الحر مثلا-، قد يُحمل ذلك على أن الكتابة الزجلية متشبعة بالنبرة ومعولة على النسق الشفهي في التعبير، وليس على دقة الرسم والكتابة، فالزجل فن يلقى أكثر مما يقرأ، كما قد يعبر عن تحلل من قواعد الكتابة التقليدية أيضا، أو على الرغبة في تكسير الحواجز بين القول والسؤال فهذا من ذاك، مما يخلق بعض الالتباس في نية الذات الزجالة أحيانا أ هي بصدد طرح سؤال أم بصدد إلقاء كلام خبري يصف ويدين أكثر مما يبحث عن أجوبة مغلقة.
ب- بلاغة أسلوب الأمر
في قصيدة “قراية اللوح” تُشهد ذات الزجال متلقي خطابها على رغبتها في تقييد الحقائق التي تلقي بها بشكل رسمي، ورغبتها في جعله شاهدا عليها، فتقول: “زمم زمم/ وايلا نشف لقلم/ ها دمي مداد”، لتحقيق غرض الإشهاد الرسمي وظف الفعل “زمم” الذي يحيل على الكتابة في الكنانيش والعقود قديما من طرف العدول، ليؤكد هذا الانتقاء المعجمي ارتباط اللغة بالتراث، ويجعل فعل الكتابة ممارسة طقوسية تستمد عمقها من أصالة الكتابة، ومن مكانة الكاتب في القديم.
يعزز هذا الاعتقاد استدعاء نوع آخر من الخطوط، هو الخط الزناتي، التراثي أيضا في المقطع التالي من قصيدة “عريس الدالية” : “سير وآجي يا عقل/ أو تدحيك أمواج التيه/أو نقراني بخط ازناتي”، ولعل التركيز على هذا الخط بوصفه مفتاح قراءة الذات الزجالة يحيل على أصالتها وأصالة فنها، فوحده النسق الخطي الأصيل قادر على فك مغلقات الذات الأصيلة، ووحده القارئ المتمكن من تلك الأداة قادر على الإتيان بهذا الفعل.
وتأكيدا لثقل ما يلقى من قول في القصيدة، تعرض الذات الزجالة دمها بديلا عن المداد في حالة نفذ قبل أن تنفذ تعابيرها، إيمانا منها بنبل مهمتها، ولا تكتفي بعرض الملموس من جسدها في سبيل الاستمرار في الكتابة، بل تعرض المحسوس أيضا ممثلا في حظها، ذلك الجزء الصلب والحاد الذي يمكن تحويله إلى سكين مسنونة تبري القلم. فيقول: “زمم زمم/ ويلى ردم لقلم/من زهري/انجر الف اقلم”.
تواصل الذات الزجالة تحريض الآخر على الكتابة، فبها تستعيد الحياة رتابتها ونظامها، وبها تنفرج الغمة، وتستعيد الذات الزجالة توازنها، وفرحها، فيقول: “زمم زمم/اتفاجى الظيم/ الساكن الخاطر/ يفرح البال”.
وتتعدد مواضيع فعل الكتابة، إذ لا تقف عند الألم اليومي المعيش، بل تتجاوزه إلى التعبير عن الماضي ممثلا في الأجداد وثراتهم الموروت، ولإدراكها أن التعبير أمانة ثقيلة، فإنها لا يمكن أن تتم إلا في حالة ارتقاء صوفي، في جدبة يفرضها ‘لحال’، ولا تستقيم إلا إذا مزجت الواقع المعيش بالخيال، فتقول: “وكول على جدك/الحال ايجي بلا ميجال/حرك حركة/واركب لخيال”.
تدرك الذات الزجالة أن آثار المعاني لا تظهر بسرعة، بل تتحين الظروف الملائمة لتنبت كما تنبت النباتات بعد فصل الشتاء: “لحروف امخضرة اللوح/ احتى ايلى جا الصب/او بان العام/اللي ما عندها راس/اتديرو تاج ووسام”.
ولأن للذات الزجالة قلبا مرهفا، يقف في محراب الجمال ويتعبد متألما، فإنها لا تهمل الجانب البشري منها، ذلك الذي يحس الجمال، ويسحر به، لذلك يتوجه في قصيدة “شرجم الكية” للمحبوبة بأمر هو إلى الاستعطاف أقرب: “ديريني اكحل/ايلا داك النعاس/اعلى عتبة ارموشك/انبات أنا عساس”. كما يقول: “ديريني خلخال في عركوبك/وساريني/كاع ادروبك”. كما يقول أيضا: “ديريني مجدولك/ أو بيا تحزمي/راني بخيال/ قدك هواس”.
تبرز بلاغة التفاصيل، والتوجه بالخطاب إلى جسد المحبوبة جزءا جـزءا، الشغف الشديد بتفاصيلها، وشدة الوله بها، وبأجزاء جسدها كاملة، فهي الكل الذي لا يدرك إلا بالاعتناء بأجزائه كلها، وهي الكل الذي يشكل كثرة تغني عن البقية بكثافة أجزائه، وهي الكل الذي يملك القدرة بسلطة الحب على جعل المحبوب يتوه بين الأجزاء متلمسا الفرج ممثلا في نظرة من المحبوبة عبر نافذتها (الشرجم) حيث تطل هي على الدنيا، ويطل هو على الألم (الكية).
ج- بلاغة أسلوب النداء
تستغل الذات الزجالة مساحة البوح المفتوحة لها لتطالب بحقوقها، فترفع عقيرتها منادية في قصيدة مكسورة لجناح: “واااامول الحق/ابغيت حقي/في الحقوق ارزق”، ولأنها ذات لا تحمل همها فقط ولا تطالب بحقوقها وحدها، فإنها لا تفوّت الفرصة للمطالبة بحقوق فئات أخرى ترى أن واجبها يفرض عليها استغلال صوتها للمطالبة بحقوقها فتهتف في غلاف اللوم والعتاب، ومعممة خطابها على متلق متعدد في القصيدة ن: “وااامول الحق/ها عار ليتيمة/ سعدها اتسرق/اعمرها اسبق/الظالمها غول الزمان”، دون أن تخفي شغفها الخفي بلذة النداء بوصفه صرخة، رغم انها صرخة في واد، لكنها تبدو للذات الزجالة نغمة وموالا لأنها تدافع عن حق أصيل كما يُبرز هذا المقطع من القصيدة نفسها: “يا صيحة في واد/ يااا محلاها/نسمع صداها/في غرق النوم/نغمة وموال”.
تتساند الأساليب في بعض المقاطع، حين نجد تكامل النداء والسؤال، مخاطبين متلق محدد: “أيا المنطيح/ أيا خرب ليام/ لاش اتشرشم الحلمة؟ لاش ايفيقو بيك لنيام؟”، تركز صيغة الكلام على لوم المتلقي محددا هذه المرة في ذلك الغافل البليد الذي أفسد الحلم، وتسبب في جعل النوم يستيقظون ويكشفونه متلبسا بالقول وبالحلم.
د- بلاغة الأسطورة والرمز في الديوان
استدعت القصائد شخصيات أسطورية، كما سبقت الإشارة، محققة الانفتاح على التراث الإنساني من خلال جعل النصوص تنفتح على مجموعة من الأساطير الكونية التي أعطت القصائد بعدا كونيا تجاوز المحلي، فتشكل خطابها مزاوجا بين التوجه إلى متلق مغربي يعرف الزجل ويفهمه، لأنه يمتلك القدرة على فهم النسق الدارج، المستمد من عمق البادية المغربية، ومتلق آخر كوني (عربي أو مهتم باللغة العربية) يستدرجه حديث الأسطورة ورموزها، تقول الذات الزجالة في قصيدة “عريس الدالية” التي يحيل عنوانها على دوالي العنب التي تستخرج منها الخمور : “أو هد لفام/متلاتش مسدودة/ هازة المرفودة/ لعرس باخوس/ وباخوس اعريس الدالية/المزردة عنكود”.
تستحضر الذات الزجالة-في المقطع- إله النشوة والخمر والخصوبة في الأساطير اليونانية، مبرزة تأثيره على الثقافة المحلية، التي لا تقف عند الألم والوجع فقط، بل تعرف كيف تجعل النشوة والفرح والرغبة في الحياة تكسر الصمت، وتفتح الأفواه للتعبير عن نشوتها وفرحها في مواسم الخصوبة والفرح، كما تقول في القصيدة عينها :”شحال ديال تمارة/اضربتي يا سيزيف/ شحال من سيف .. اردم/اشحال داز/اشحال باقي/أو يخلف/فينا اللي يتحش”. مستغلة عذاب سيزيف المتجدد، لتسقطه على عذابات المقهورين، التي تتجدد كلما تم حصاد ثمار تعبها.
وفي مقطع آخر من القصيدة عينها نقرأ: “شهريار … أو شهرزاد/ والفروج كان امعكس/ من كثرة ما هو امطمس/ شارك الليل بالنهار/ ما عوق/ ما سالات لحكاية/ ولا اركد شهريار”، يبرز العبث بأسطورة شهريار، من خلال التصرف في أدوار شخصياتها وتحوير سير أحداثها، بتغييب الديك الذي رفض الالتزام بدوره في الصياح معطيا المبرر لإيقاف قصة شهرزاد، رغبة الذات الشاعرة في تأسيس روايتها الخاصة للأسطورة، وبالتالي تأسيس تفرد رؤيتها للأشياء التي تم عرضها في العديد من القصائد، كما تبرز النعوت امعكس، امطمس، جرأتها وحسها الكوميدي الساخر بلغة قريبة من المتلقي، تجعل الأسطورة في متناوله.
ختاما
يكشف تأمل آليات اشتغال الأساليب البلاغية في بعض قصائد الديوان عن وعي بوظيفتيها التزيينية والحجاجية، إذ لم تستثمر بوصفها أساليب للتعبير أو للزخرفة اللفظية فقد، وإنما استثمرت بوصفها آليات لإنتاج المعنى، ولتعزيز قوة الخطاب وللتأثير في المتلقي وتوجيه مواقفه.
كما يكشف توظيف الأسطورة عن انفتاخ الذاكرة الثقافية المحلية على الموروث الثقافي الكوني، وعن رغبتها في إقامة حوار خلاق معه يتجاوز مجرد الاستحضار أو التناص. فالأسطورة لم تُستدعَ باعتبارها معطى جاهزا، وإنما أعيدت قراءتها وتفكيكها وإعادة إنتاجها بما ينسجم مع أسئلة النص ورؤيته، لتتحول من موروث مستعاد إلى مادة إبداعية يجري تملكها ومنحها دلالات جديدة.
ومن ثم، يتساند الاشتغال البلاغي والأسطوري في ديوان “عريس الدالية” للزجال البنوري محمد شحيم بقصد بناء تجربة كتابية تجعل من أساليب علم المعاني وسيلة للتأثير وليس التعبير فقط، وتجعل من الموروث فضاء لإنتاج المعنى، بما يحقق توازنا بين خصوصية الذاكرة المحلية والانفتاح على الأفق الثقافي والإنساني الكوني.
ناقد من المغرب
[1]- محمد شحيم، عريس الدالية، مطبعة الجديدة برو، سنة 2019.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي