الرئيسية / الأعداد / الشخصية والصراع في رواية “أنثى الفصول الأربعة: وجه آخر للحياة” – أحمد الحاج

الشخصية والصراع في رواية “أنثى الفصول الأربعة: وجه آخر للحياة” – أحمد الحاج

الشخصية والصراع في رواية “أنثى الفصول الأربعة: وجه آخر للحياة”

أحمد الحاج*

 

أحمد طايل… هذا الاسم الذي وجد له مكاناً متقدماً في الفضاء الروائي المصري خصوصاً والعربي عموماً في عصرنا الحديث من خلال سرديات الواقعية الروائية والتي انطلق فيها من مدرسة نجيب محفوظ عملاق الرواية في العصر الحديث. ومثلما معروف لدى الكثير من البعض، فإن الرواية الواقعية تمتاز على أنها منهجٌ في سرد ​​القصص التي تترجم الحياة اليومية، والناس العاديين، والظروف الاجتماعية الحقيقية دون دراما زائفة أو سحر. وقد تطورت من جذورها في القرن التاسع عشر لتصبح أداةً عصريةً مرِنةً تستكشف علم النفس البشري، والمشاكل الاجتماعية، والسلوك الإنساني الصادق.

وفي هذه الدراسة النقدية سوف نقدم فكرة موجزة عن سمات الرواية الواقعية، ثم سوف نتكلم بشيء من التفصيل عن أنواع الشخصية في رواية “وجه آخر للحياة”، ثم نتكلم عن الصراع، ثم علاقة الشخصية بالصراع في الرواية قيد الدرس. وسوف نتبع منهج التحليل السردي وفق نظرية علم السرد (Narratology) التي وردت في كتاب ميكي بال (Mieke Bal) المعنون “علم السرد: مدخل لدراسة النظرية السردية”، والذي يعد نموذجاً منهجياً لدراستنا هذه.

تُعرِّف بال علم السرد على أنه دراسة منهجية لتقنيات وأساليب السرد، ونقلها واستقبالها، ويُمثل مجموعة نظريات السرد، والنصوص السردية، والصور، والمشاهد، والأحداث ـ أي المنتجات الثقافية التي تروي قصة. وتُساعدنا هذه النظرية على فهم السرد وتحليله وتقييمه. والنظرية السردية هي مجموعة منهجية من العبارات العامة حول جزء معين من الواقع، ونعني به المدونة، الذي يسعى علم السرد إلى تقديم رؤى عنها، حيث تتكون من نصوص سردية من جميع الأنواع، كُتبت لأغراض متنوعة وتؤدي وظائف مختلفة. ولأغراض الوضوح والإيجاز، تقتصر الأمثلة التي تُشرح من خلالها الأفكار النظرية على الخطاب اللغوي، وهو مجال دراستنا المختصة برواية “أنثى الفصول الأربعة: وجه آخر للحياة” للروائي أحمد طايل.

علاقة الشخصية بالصراع في السرد

تُعَدُّ الشخصية والصراع من أبرز المكوّنات الأساسية في بناء النص السردي؛ إذ لا يمكن دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر، فالشخصية هي المحور الذي تتشكَّل من خلاله الأحداث وتتفاعل الوقائع، في حين يمثّل الصراع القوة المحرّكة التي تمنح السرد توتره وحيويته وتدفع الأحداث نحو التطور والتصاعد. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين الشخصية والصراع علاقة جدلية متبادلة، تقوم على التأثير والتأثر؛ فالشخصية قد تكون مصدر الصراع وفاعله الرئيس، كما قد تكون في الوقت نفسه ضحيته أو طرفاً متأثراً بنتائجه.

وتتحدد طبيعة هذه العلاقة بحسب موقع الشخصية داخل البناء السردي، وبحسب نوع الصراع الذي تواجهه؛ فقد يكون الصراع داخلياً ينشأ في أعماق الشخصية نتيجة التناقض بين الرغبات والقيم والمخاوف والطموحات، وقد يكون خارجياً بينها وبين شخصية أخرى، أو بينها وبين المجتمع والسلطة والواقع المحيط بها. وفي الحالتين، يسهم الصراع في الكشف عن الأبعاد النفسية والاجتماعية والفكرية للشخصية، ويمنحها قدرة أكبر على النمو والتطور داخل مسار الأحداث.

ومن هنا، فإن الشخصية لا تؤدي وظيفة نقل الحدث فحسب، وإنما تتحول إلى قوة فاعلة في إنتاجه وتوجيهه. فقراراتها ومواقفها واختياراتها هي التي تفضي غالباً إلى نشوء الأزمات وتطورها، كما أن الأزمات والصراعات التي تمر بها تسهم بدورها في إعادة تشكيل وعيها ومواقفها. وبذلك يصبح الصراع وسيلة فنية للكشف عن الشخصية، فيما تصبح الشخصية أداة لتجسيد الصراع وإظهاره في صورة ملموسة داخل النص.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن دراسة الشخصيات في رواية “وجه آخر للحياة“، تكتمل بالكشف عن طبيعة الصراعات التي تدخل فيها، والبحث في مدى إسهام تلك الصراعات في تشكيل ملامحها وتحديد مواقفها ومساراتها. كما أن تحليل الصراع يتيح الوقوف على شبكة العلاقات التي تربط الشخصيات بعضها ببعض، ويكشف عن التناقضات الفكرية والاجتماعية والنفسية التي تحكم حركتها داخل الفضاء الروائي. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين الشخصية والصراع في الرواية ليست علاقة عرضية، بل تمثّل جزءً جوهرياً من هندسة النص السردي وآلياته الدلالية والجمالية.

السمات الأساسية للواقعية الحديثة:

  • الشخصيات عادية: التركيز على الناس العاديين بدلاً من الأبطال الأثرياء أو المخلوقات السحرية.
  • لغة واقعية: استخدام اللغة الطبيعية والحوار اليومي بدلاً من الشعر المُنمّق.
  • التركيز الاجتماعي: النظر إلى مشاكل حقيقية مثل الصراعات الطبقية، والفقر، والضغوط الأسرية.
  • العقل الباطن: استكشاف الأفكار الشخصية والعمق النفسي بدلاً من مجرد التركيز على الأفعال الخارجية.

والروائي أحمد طايل يمزج بين الواقع والخيال وهي طريقة متبعة لدى الكثير من الروائيين العالميين، ولكن لكل كاتب اسلوبه ومنهجه في بناء الحبكة الروائية. وطايل ـ هذا الرجل القادم من عمق الريف والمتمسك بالعادات والتقاليد المجتمعية للمجتمع المصري الشرقي، مجتمع البساطة والهدوء والبهجة، مقارنة بعالم المدينة بتعقيداتها وصخبها وتجشمها. لذلك يسعى دائماً إلى تعميق هذا المفهوم من خلال نصوصه السردية. يقول طايل في عتبة الإهداء في روايته التي قيد النقد: “إلى عالم عايشته عقوداً طويلة، عشت معه الحياة الطبيعية العفوية، وأيضاً حاولت التعايش مع المتغيرات التي لا تمضي لحظة إلا ونجد معها هبات رياح عاتية من المتغيرات، تريد بمنتهى العنف والشدة أن تقلب الطاولة على أزمان وأماكن عشناها وألفناها، وأحمد الله أنى ما زلت متشبثا بكل ما ينتمي إلى القيم والتقاليد والأعراف كما ورثتها عن الجد والأب ومجتمع مازال راسخاً بداخلي، وأؤكد أنه لن يغادرني ما حييت”.

أولا- الشخصية الروائية:

تُعدّ الشخصية الروائية والصراع من أكثر العناصر السردية تأثيراً في تشكيل الرواية؛ فالشخصية هي التي تحمل التجربة الإنسانية وتمنح الأحداث حيويتها، بينما يمثل الصراع القوة المحركة التي تدفع الأحداث من حالة إلى أخرى، وتكشف عن التحولات النفسية والاجتماعية والفكرية التي تمر بها الشخصيات. ومن ثمّ، فإن دراسة الشخصيات لا تنفصل عن دراسة الصراع، لأن الشخصية لا تتكشف في الغالب إلا من خلال علاقتها بالآخر وبالمجتمع وبالظروف المحيطة بها.

وتنطلق رواية “وجه آخر للحياة” للروائي المصري أحمد طايل من رؤية تقوم على ثنائية أساسية تتمثل في وجود وجهين للحياة: وجه مضيء وآخر مظلم، وأن الوصول إلى الجانب المضيء لا يكون إلا عبر مواجهة العتمة والتعامل معها بوعي وحكمة. وتصرح الرواية بهذه الرؤية منذ عتبتها الأولى، حين تؤكد أن الحياة الأسرية والإنسانية لا تقوم على السكن المشترك وحده، وإنما على الإحساس والاهتمام والاحترام والتصالح مع الذات والآخر.

وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من محاولة الكشف عن الطريقة التي بنى بها أحمد طايل شخصياته، والوظائف التي أدتها في تشكيل الحدث، فضلاً عن تحليل الصراعات الداخلية والخارجية التي تنهض عليها الرواية. كما تحاول الوقوف على الدلالات الاجتماعية والإنسانية لهذه الصراعات، ولا سيما صراع الأجيال، والغربة، والتحول الاجتماعي، والعلاقة بين الأصالة والمعاصرة.

الشخصية الروائية وموقعها في بناء الرواية:

يميل الروائي الأقل موهبة إلى الانشغال بالحبكة؛ أما الروائي المتميز، فيجد في تعقيدات الشخصية الإنسانية، تحت وطأة تجارب مختارة بعناية، مصدر الإلهام الرئيسي، لذا كان يُعتقد سابقاً أنه لا وجود للخيال بدون شخصيات. وحتى على المستوى الشعبي، ظهرت مؤشرات على أن القراء قد لا ينجذبون إلى الأحداث بقدر انجذابهم إلى الشخصيات.

الشخصية في العمل الروائي ليست مجرد اسم يتحرك داخل الحدث، وإنما هي مركز دلالي تتقاطع عنده الأحداث والأفكار والمواقف. ومن خلالها يستطيع الروائي أن يقدم رؤيته للمجتمع والإنسان. وفي “وجه آخر للحياة” تتعدد الشخصيات، غير أن هذه الشخصيات لا تتساوى من حيث الأهمية؛ إذ توجد شخصية محورية تتحرك حولها الأحداث، وشخصيات أخرى تؤدي وظائف مساندة أو مقابلة أو رمزية.

ويمكن تقسيم الشخصيات في الرواية إلى:

  • شخصيات محورية.
  • شخصيات ثانوية وفاعلة.
  • شخصيات رمزية أو ممثلة لقيم اجتماعية وفكرية.

1- رؤوف الشخصية المحورية:

يأتي رؤوف في مركز البناء الروائي، ومن خلال تجربته تتكشف مساحة واسعة من رؤية الرواية إلى الحياة والأسرة والمجتمع والغربة. وتتميز شخصية رؤوف منذ طفولتها بفضول معرفي ورغبة في اكتشاف العالم خارج البيئة التي نشأ فيها. ويظهر ذلك حين يطلب من والده الالتحاق بمدرسة في حي الشرابية، مبرراً رغبته بأنه يريد أن يعرف “الوجه الآخر للحياة”، لأن أهل ذلك الحي يمثلون بالنسبة إليه عالماً اجتماعياً لم يعشه من قبل. وهذا الموقف المبكر يحمل دلالة تتجاوز الحدث المدرسي؛ إذ يكشف عن البنية النفسية لرؤوف، فهو شخصية باحثة عن التجربة، لا تكتفي بما هو مألوف، وإنما تريد أن ترى الحياة من زوايا مختلفة.

ومن هنا يمكن القول إن عنوان الرواية يرتبط بشخصية رؤوف ارتباطاً وثيقاً؛ فهو منذ طفولته يبحث عن الوجه الآخر، ثم يقضي حياته في اكتشاف وجوه متعددة للحياة: الأسرة، الحب، العمل، الغربة، الأبوة، الفقد، والهجرة.

2- سميرة ودورها في تشكيل العالم العاطفي:

تمثل سميرة الجانب الإنساني والعاطفي في حياة رؤوف، وهي ليست مجرد شخصية زوجة، وإنما تمثل البيت والحميمية والاستقرار والذاكرة المشتركة. وتتضح علاقتها برؤوف في المشاهد التي تجمعهما في الشرفة، وفي التفاصيل اليومية الصغيرة التي تكشف عمق العلاقة بينهما؛ فالكرسي الهزاز، والأغنية التي اعتادا سماعها، والطعام والفاكهة التي كانت تقدمها له، كلها تتحول إلى علامات سردية تختزن تاريخاً عاطفياً طويلاً.

ومن الناحية الفنية، فإن أهمية سميرة لا تتوقف عند حضورها المباشر، لأن أثرها يستمر في شخصية رؤوف حتى عندما تتحول العلاقة إلى ذاكرة. وبذلك تصبح الشخصية حاضرة في الذاكرة أكثر مما هي حاضرة في الحدث. وهنا تتخذ شخصية سميرة وظيفة أساسية في بناء الصراع النفسي؛ إذ إن فقدانها لا يمثل فقدان شخص فقط، وإنما يمثل فقدان جزء من عالم رؤوف الداخلي.

3- الأب ودوره في تكوين شخصية رؤوف:

يظهر الأب بوصفه شخصية تؤمن بأن الحياة خير معلم، ولذلك يمنح ابنه مساحة من الحرية لاكتشاف العالم. وعلى الرغم من دهشته من رغبة رؤوف في الانتقال إلى حي مختلف، فإنه لا يقمع هذه الرغبة، بل يسمح له بخوض التجربة. وتكشف الرواية أن موقف الأب يرتبط بتجربته الشخصية؛ فهو ابن رجل كان صاحب ورشة لصناعة الجلود، وقد كافح من أجل أن يمنح أبناءه فرصة أفضل في الحياة، ومن ثم فإن شخصية الأب تؤدي وظيفة تربوية وفكرية مهمة، فهي تمثل السلطة الأبوية المرنة التي تجمع بين المحافظة على القيم ومنح الأبناء فرصة الاختيار.

4- محمود الشخصية المقابلة:

يؤدي محمود دوراً مهماً في الحوار الفكري داخل الرواية، فهو شخصية تقابل رؤوف في عدد من المواقف والرؤى، ومن خلال حواراتهما تظهر اختلافات في النظر إلى الحياة والانفتاح والسفر والمجتمع والحب. وبالتالي لا يقتصر وجود محمود على دفع الحدث، وإنما يساعد الكاتب على بناء المقابلة الفكرية بين رؤيتين للحياة، وهذا الأسلوب من بناء الشخصيات يجعل الحوار وسيلة للكشف عن الشخصية؛ فالقارئ لا يعرف رؤوف ومحمود فقط من خلال وصف الراوي لهما، بل من خلال ما يقولانه وكيف ينظر كل منهما إلى العالم.

5- الأبناء وصراع الأجيال:

يمثل أبناء رؤوف وسميرة جيلاً جديداً يختلف في خياراته عن جيل الآباء، وتتجسد هذه الاختلافات بصورة واضحة في اتجاه الأبناء إلى التعليم والعمل والسفر والاستقرار خارج الوطن. ويؤدي هذا التحول إلى خلق مسافة بين الآباء والأبناء، وهي مسافة ليست جغرافية فحسب، بل نفسية وعاطفية أيضاً، وهنا تطرح الرواية سؤالاً اجتماعياً مهماً:

هل نجاح الأبناء في بناء مستقبلهم خارج الوطن يمكن أن يعوض الأسرة عن غيابهم؟

إن الرواية لا تقدم الغربة باعتبارها مشكلة اقتصادية فقط، وإنما تنظر إليها من زاوية إنسانية؛ فالأبناء قد ينجحون مادياً، لكن نجاحهم لا يلغي حاجة الوالدين إلى حضورهم.

6- نادي وكامل:

تمثل شخصيتا نادي وكامل نموذجاً مختلفاً عن الشخصيات المرتبطة بالغربة والتباعد الأسري، فهما يمثلان الصداقة والوفاء والتكافل، وقد نشآ معاً وعاشا ظروفاً اجتماعية متقاربة، واستمرت علاقتهما رغم تغير الظروف. ومن خلالهما تقدم الرواية صورة للعلاقات الإنسانية القائمة على الثقة والمساندة، وبذلك تشكل الشخصيتان نقيضاً موضوعياً لعلاقات اجتماعية أخرى في الرواية أخذت تتأثر بالمصلحة والبعد الجغرافي والتحولات الحديثة.

7- الشيخ فاضل رضوان:

يؤدي الشيخ فاضل رضوان وظيفة اجتماعية وأخلاقية واضحة، فهو شيخ الجامع وكبير المنطقة وحكيمها، ويتدخل في حل النزاعات وحماية الضعفاء، ومن خلال هذه الشخصية تستحضر الرواية صورة الحكيم الاجتماعي الذي لا تقتصر وظيفته على الجانب الديني، وإنما تمتد إلى حفظ التوازن الاجتماعي وحماية العلاقات بين الناس، وبذلك يصبح الشيخ فاضل ممثلاً لقيمة الضمير الجمعي في المجتمع.

8- الجد بوصفه صوت الذاكرة:

تكتسب شخصية الجد أهمية خاصة لأنها تمثل الذاكرة والخبرة المتراكمة، ومن خلال حكاياته وتأملاته ينتقل النص من الحكاية الفردية إلى رؤية أوسع للمجتمع، خصوصاً فيما يتعلق بالمال والسلطة والفساد وتغير القيم، ولهذا فإن الجد يؤدي وظيفة تتجاوز الشخصية الواقعية؛ فهو يمثل صوت الماضي وخبرة الأجيال السابقة، ويضع التحولات المعاصرة في ميزان التجربة التاريخية.

 ثانياً- الصراع:

إذا كانت الشخصيات هي القوى الفاعلة في النص، فإن الصراع هو الطاقة التي تحرك هذه القوى. ويمكن ملاحظة عدة مستويات للصراع في “وجه آخر للحياة”.

  1. الصراع الداخلي:

يعد الصراع الداخلي من أبرز المستويات النفسية في الرواية، ويتمثل في الصراع الذي يعيشه رؤوف بين حاجته إلى الاستقرار الأسري ورغبته في فهم العالم والتعامل مع تحولاته. كما يظهر الصراع الداخلي بصورة أشد بعد فقد سميرة؛ إذ يجد رؤوف نفسه أمام أسئلة الوحدة والذاكرة والماضي والمستقبل. وهنا يتحول الصراع من صراع مع الآخر إلى صراع مع الذات. ومن الناحية النظرية، يعرف الصراع النفسي بأنه حالة تنتج عن وجود دوافع أو رغبات متعارضة تجعل الفرد في حالة من التوتر والتردد بين اتجاهات مختلفة؛ وهو مفهوم يمكن الإفادة منه في قراءة البنية النفسية لرؤوف.

  1. الصراع بين الأجيال:

يعد صراع الأجيال من أهم الصراعات الاجتماعية في الرواية، فجيل الآباء يتمسك بالأسرة والجيرة والتقاليد والوجود بالقرب من الأبناء، بينما يميل الجيل الجديد إلى السفر والعمل والاستقلال وتحقيق الذات، ولا يقدم النص هذا الصراع بصورة مباشرة أو عنيفة، بل يجعله يظهر من خلال الاختيارات المختلفة للشخصيات. وبالتالي يصبح السؤال المركزي: هل يمكن للجيل الجديد أن يحقق مستقبله دون أن يخسر علاقته بجذوره؟

  1. الصراع بين الوطن والغربة:

تمثل الغربة أحد المحاور الرئيسة في الرواية، لأنها لا تظهر بوصفها انتقالاً مكانياً فقط، وإنما بوصفها حالة نفسية، فحين يغادر الأبناء الوطن، تبدأ المسافة الجغرافية، ثم تتحول هذه المسافة تدريجياً إلى مسافة عاطفية، ومن هنا تتخذ الغربة وجهاً مزدوجاً:

غربة الفضاء/ المكان.

غربة مجتمعية/ الأسرة.

وهذا ينسجم مع الرؤية العامة للرواية التي تجعل الحياة سلسلة من الوجوه المتقابلة.

  1. الصراع بين الأصالة والمعاصرة:

تظهر الرواية في كثير من مواضعها توتراً بين القيم الموروثة والتحولات الحديثة، فالأب والجد والشيخ فاضل يمثلون، بدرجات مختلفة، قيم الأسرة والتقاليد والتكافل، في حين تمثل شخصيات الأبناء عالماً أكثر انفتاحاً على الخارج، ولا يبدو الكاتب راغباً في رفض الحداثة بصورة مطلقة، وإنما يدعو إلى التوازن؛ فالرواية نفسها تقوم على فكرة أن مواجهة “العتمة” ينبغي أن تتم بالحكمة والوعي، وصولاً إلى الضوء.

  1. الصراع بين الحب والفقد:

يظهر هذا الصراع في علاقة رؤوف بسميرة، فالحب الذي يبدأ بوصفه مصدراً للأمان والاستقرار يتحول بعد الفقد إلى ذاكرة مؤلمة، ولكنها في الوقت نفسه مصدر لاستمرار العلاقة. ومن هنا لا يصبح الموت نهاية للحب في الرواية، بل انتقالاً للحب من الحضور الواقعي إلى الحضور الذاكري.

  1. الصراع بين الفرد والمجتمع:

تكشف بعض الشخصيات والأحداث عن مواجهة الفرد للقيود الاجتماعية والمصالح والتقاليد والتحولات المحيطة به، وتبرز أهمية هذا المستوى في أن الرواية لا تعالج الفرد باعتباره كائناً منعزلا، بل بوصفه جزءاً من شبكة اجتماعية واسعة: الأسرة، الجيران، الأصدقاء، العمل، والوطن. وبالتالي فإن أي تغير في الفرد ينعكس على محيطه، والعكس صحيح.

  1. الصراع القيمي:

يمكن اعتبار الصراع القيمي خلاصة لكثير من الصراعات السابقة، لأنه يقوم على مواجهة مجموعة من القيم التي ترد بشكل متواليات سردية/ متضادات دلالية:

القيمة الأولى/ القيمة المقابلة/ مثل: الأسرة/ الفردية، الاستقرار/ الرحيل، الوطن/ الغربة، الوفاء/ المصلحة، الذاكرة/ النسيان، الموروث/ التحول، الحب/ الفقد، الجماعة/ العزلة…، وهذه الثنائيات تمنح الرواية بنيتها الفكرية، وتجعل عنوانها “وجه آخر للحياة” ذا دلالة عميقة؛ لأن كل قيمة تقريباً تظهر ولها وجه آخر.

الشخصية والصراع

تكمن قوة البناء الروائي في أن الصراع لا يأتي منفصلاً عن الشخصيات، بل يتولد منها. فرؤوف هو محور الصراع بين الانتماء والانفتاح، وسميرة هي مركز الصراع بين الحضور والفقد، والأبناء هم مركز الصراع بين الأسرة والغربة، والجد والشيخ فاضل يمثلان الصراع بين القيم الموروثة والتحولات الاجتماعية، بينما يمثل محمود مساحة للصراع الفكري والحوار حول مفهوم الحياة. وبذلك يمكن القول إن الشخصيات في الرواية تؤدي وظائف مزدوجة:

  • وظيفة حكائية: تحريك الأحداث.
  • وظيفة دلالية: تمثيل قيم وأفكار واتجاهات اجتماعية مختلفة.

وهذه من السمات التي تجعل الشخصية عنصراً مركزياً في الرواية الحديثة، إذ لا تنفصل شخصية الفرد عن السياق الاجتماعي الذي يتحرك داخله.

خاتمة

تكشف دراسة الشخصيات والصراع في رواية “وجه آخر للحياة” لأحمد طايل أن الرواية تقوم على بناء الشخصية ومرآتها في المجتمع، فهي تجعل من الإنسان محوراً أساسياً في قراءة التحولات التي تصيب الأسرة والمجتمع، وقد احتل رؤوف مركز البناء الروائي بوصفه شخصية تبحث عن معنى الحياة وتنتقل من مرحلة إلى أخرى، بينما جسدت سميرة قيمة الحب والأسرة والذاكرة، ومثّل الأب الحكمة والمرونة في التربية، في حين عبر الأبناء عن جيل جديد وجد مستقبله في التعليم والسفر والانفتاح على العالم. أما نادي وكامل فقد جسدا الصداقة والوفاء، في حين مثل الشيخ فاضل والجد صوت الحكمة والذاكرة والقيم الاجتماعية.

أما الصراع… فقد تعددت مستوياته بين الصراع النفسي، والصراع الأسري، وصراع الأجيال، والصراع بين الوطن والغربة، والصراع بين الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن صراع الحب والفقد والصراع القيمي.

وعليه، فإن أهمية الرواية لا تكمن في الأحداث وحدها، وإنما في قدرتها على تحويل الحياة اليومية إلى أسئلة إنسانية كبرى: كيف يحافظ الإنسان على أسرته في عالم متغير؟ وهل يمكن للغربة أن تمنح الإنسان المستقبل دون أن تسلبه شيئاً من ماضيه؟ وهل يستطيع المرء أن يجمع بين الانفتاح على العالم والوفاء لجذوره؟ إن هذه الأسئلة تجعل من “وجه آخر للحياة” رواية ذات بعد اجتماعي وإنساني، وتمنح عنوانها دلالته المركزية: فالحياة ليست وجهاً واحداً، وإنما مجموعة من الوجوه المتقابلة، ولا يكتشف الإنسان معناها إلا حين يواجه النور والظلمة، والحضور والغياب، والحب والفقد، والماضي والمستقبل.

مصادر تمت الاستعانة بها:

– طايل، أحمد، “وجه آخر للحياة”، رواية.

– Ball, Mieke, (2025). Narratology: Introduction to the Narrative Theory, 5ed. University of Toronto Press, Canada. 

– Burgess, A. (2026, July 27). novel. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/art/novel.

  • الغزالي، منذر فالح. “الحاضر وعتبة الأمس.. قراءة في دلالات العنوان لرواية الوقوف على عتبات الأمس للأديب المصري أحمد طايل”، 2025.
  • أبو شهبة، هناء. (2003). حول مفهوم الصراع النفسي بوصفه تعارضاً بين الدوافع والرغبات.

 

ناقد من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً