فصل من رواية
الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية (الجزء السادس عشر)
المصطفى أسدور*
۩ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله ۩
قال: وهو الخُفاش!!
وفي تفسير الجلالين: ﴿قد جئتكم بآية﴾ علامة على صدقي ﴿من ربكم﴾ ﴿أنِّي﴾، وفي قراءة بالكسر استئناف، ﴿أخلق﴾ أصوِّر ﴿لكم من الطين كهيئة الطير﴾ مثل صورته، فالكاف اسم مفعول، ﴿فأنفخ فيه﴾ الضمير للكاف، ﴿فيكون طيرًا﴾، وفي قراءة: طائرًا، ﴿بإذن الله﴾ بإرادته، فخلق لهم الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقًا، فكان يطير وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتًا!!
ولكونه آية في الخلق، ومعجزة في الإبداع الرباني، وأكمل الطير خلقًا، فقد نظر إليه الآباء باحترام، ولم يتطيروا به رغم شكله المخيف والمقزز أحيانًا.

المخلوقات، كالتي ذكرنا، تم ربطها بالظلام والخلاء والأماكن الموحشة التي تسكنها الشياطين والجن والأرواح الشريرة، لتبرير هذه النظرة وتلك الاعتقادات التي تؤمن بها مجتمعاتنا البدائية القروية البسيطة، لولا أن تلك المعتقدات تتكرر مع مخلوقات أخرى، وظواهر طبيعية أخرى لا علاقة لها بالظلام، ولا بالخلاء، ولا بالأماكن المهجورة، كالوزغ “أبو بريص”، الذي نُسجت حوله الكثير من القصص، وبلغ الأمر حثَّ المسلم على قتله، حتى بلغ الاعتقاد حد اليقين بأن قتله يُدخِلُ الجنة.
كانت هذه المواضيع تشغل حيزًا كبيرًا من الوقت، وحولها تدور الكثير من النقاشات بين حميد وهذه المجموعة من الطلبة الغرباء على بعضهم، فلا أحد فيهم يعرف كيف وجد نفسه في هذا المنزل، ضمن مجموعة من اثني عشر طالبًا، لا يجمع بينهم إلا سقف الغرف، وأرضية المطبخ، المجال الحيوي الذي يحجه الجميع على مدار الساعة.
الحسين، شاب عُرف بتدينه المتشدد، كان يثير الكثير من المشاحنات بين أفراد المجموعة، لحرصه على إيقاظ الجميع لأداء صلاة الفجر. حرصه هذا يثير غضب الكثيرين، وخصوصًا عبد العاطي، الطالب في كلية العلوم، والذي يقضي ثلثي الليل في حل مسائله الرياضية ومعادلاته الفيزيائية، فلا ينام إلا وقد “هَلَّلَ” المؤذن، وامتلأت سماء دوار “ارْجَا فالله” بسيمفونيات المهللين (المؤذنين)، يتنافسون بحناجرهم لإيقاظ العباد للصلاة؛ فالصلاة خير من النوم. لكن عبد العاطي له فلسفته الخاصة في موضوع الاستيقاظ مبكرًا، ويرى فيه كلفةً وتكلفًا، والدين يسر، ويرى أن الأمور تؤخذ بالتدريج. وبهذه الفلسفة كان يثير غضب الحسين، الذي يرى فيه شخصًا لبسه إبليس.
وأما إن أُثيرت مسألة فضل قتل الوزغ -المنتشر في العمارة- ودخول الجنة، فإن قهقهات عبد العاطي، حين يرى وزغًا متعلقًا بالسقف، تملأ أرجاء المنزل، فيخرج الطلبة من غرفهم، ويتكدسون حول باب غرفته، يضحكون دون أن يعلموا لماذا؛ فطريقته في الضحك، لوحدها، مدعاة للضحك، بينما الحسين تعلوه حالة من الوجوم والغضب، وتتحول عيناه إلى قاذفتي شرر، ولو امتلك القوة، تلك اللحظة، لمسح عبد العاطي من خارطة الوجود.
كان هذا الشاب الأمازيغي النحيف، حين يرى وزغًا في سقف إحدى الغرف، يصاب بنوع من الهستيريا، فيرمي كل ما بيمينه عليه في محاولة قتله، وإن لم يسعفه ما بيده، يسرع إلى المطبخ أو الحمام، يأتي بعصا مكنسة، فيبدأ في النط والقفز، محاولًا قتل الوزغ. ولأنه قصير القامة، ولا تسعفه إصابته من الضربة الأولى، يكرر المحاولة مرةً تلو أخرى، وتتكرر، مع كل محاولة، أصوات اصطدام العصا بالجدران أو السقف، فتعلو صيحات عبد العاطي:
- وا الخيل، والمكاحل، وا الخيل، والمكاحل.
يبلغ الغضب بالحسين مبلغه، وقد يترك الوزغ في حال سبيله، ويفقد فرصته لدخول الجنة، ليعود إلى غرفته وقد علته الحسرة، حيث ينتظره عبد العاطي بتلك الضحكة العريضة الساخرة، فينهال عليه الحسين بقراطيس من النصوص في فضل قتل هذه السحلية التي نُسجت حولها الكثير من الأساطير.
يعلو الصخب أرجاء البيت والغرف، ويجتمع بعض الطلبة الحاضرين حولهما؛ فالمواجهة بين الحسين وعبد العاطي ممتعة وشيقة ومفيدة، رغم ما يبدو عليها من عنف لفظي أحيانًا، لكنها، في هذا المناخ المخنوق بالنص والعنعنة، تمثل فسحة، تكسب التواجد في هذا السكن نوعًا من حرارة الحياة.
عزوز أكبر من في هذه المجموعة سنًا، متقدم في العمر والدراسة، متقدم على الجميع بسنة أو سنتي دراسة، بينما أغلب الطلبة أول عهد لهم بالجامعة، ما أكسبه مكانة خاصة. لكن ما يميز عزوز ليس فقط تقدمه في السن أو الدراسة؛ إنه شخص كثير الصمت، وإن تكلم فبإيجاز كبير، وإن قاطعه شخص ما أثناء كلامه، صرف النظر عن الحديث، وانصرف إلى غرفته أو إلى ما كان عليه.
يتحاشى عزوز الخوض في المسائل الخلافية بين الطلبة، وإن دعت الضرورة للفصل بين متخاصمين أو مختلفين حول مسألة شرعية أو رأي فقهي ما، فله أسلوبه الخاص في إرضاء الطرفين؛ فكل شيء عنده يستند إلى السياق والحيثيات، واختلاف العلماء. وقد فطن إلى هذه المسألة، فلم يعد يهاب مسألة الفصل بين الطلبة حديثي عهد بالالتزام.
إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله۩ قال: وهو الخُفاش !!
وفي تفسير ذي الجلالين: ﴿قد جئتكم بآية﴾ علامة على صدقي ﴿ مِن ربكم﴾ ﴿أنِّي﴾ وفي قراءة بالكسر استئناف ﴿أخلق﴾ أصوِّر ﴿لكم من الطين كهيئة الطير﴾ مثل صورته فالكاف اسم مفعول ﴿فأنفخ فيه﴾ الضمير للكاف ﴿فيكون طيرا﴾ وفي قراءة طائرا ﴿بإذن الله﴾ بإرادته فخَلَقَ لهم الخفاش، لأنه أكمَلُ الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا !!
ولكونه آية في الخلق، ومعجزة في الإبداع الرباني، وأكمل الطير خلقا، فقد نظر إليه الآباء باحترام، ولم يتطيروا به رغم شكله المُخيف والمقزز أحيانا.
المخلوقات كالتي ذكرنا تم ربطها بالظلام والخلاء والأماكن الموحشة التي تسكنها الشياطين والجن والأرواح الشريرة لتبرير هذه النظرة وتلك الاعتقادات التي تؤمن بها مجتمعاتنا البدائية القروية البسيطة، لولا أن تلك المعتقدات تتكرر مع مخلوقات أخرى، وظواهر طبيعية أخرى لا علاقة لها بالظلام ولا بالخلاء ولا بالأماكن المهجورة، كالوزغ “أبو بريص” الذي نُسجت حوله الكثير من القصص، وبلغ الأمر حثَّ المسلم على قتله، حتى بلغ الاعتقاد حد اليقين بأن قتله يُدخِلُ الجنَّةَ.
كانت هذه المواضيع تشغل حيزا كبيرا من الوقت، وحولها تدور الكثير من النقاشات بين حَميد وهذه المجموعة من الطلبة الغرباء على بعضهم، فلا أحد فيهم يعرف كيف وجد نفسه في هذا المنزل، ضمن مجموعة من اثنى عشرة طالبا، لا يجمع بينهم إلا سقف الغُرف، وأرضية المطبخ، المجال الحيوي الذي يحجه الجميع على مدار الساعة.
الحُسينْ، شاب عُرف بتدينه المتشدد، كان يثير الكثير من المشاحنات بين أفراد المجموعة، لحرصه على إيقاظ الجميع لأداء صلاة الفجر، حرصه هذا يثير غضب الكثيرين، وخصوصا عبد العاطي الطالب في كلية العلوم، والذي يقضي ثلثي الليل في حل مسائله الرياضة ومعادلاته الفيزيائية، فلا ينام إلا وقد “هَلَّلَ” المؤذنُ، وامتلأت سماء دوار “ارْجَا فالله” بسنفونيات المهللين (المؤذنين) يتنافسون بحناجرهم لإيقاظ العباد للصلاة، فالصلاة خير من النوم، لكن عبد العاطي له فلسفته الخاصة في موضوع الاستيقاظ مبكرا، ويرى فيه كلفة وتكلفا والدين يُسر، ويرى أن الأمور تؤخذ بالتدريج، وبهذه الفلسفة كان يثير غضب الحسين الذي يرى فيه شخصًا لَبَسَه إبليس.
وأما إن أُثيرت مسألة فضلِ قتل الوزغ -المنتشر في العمارة- ودخول الجنة، فإن قهقهات عبد العاطي حين يرى وزغا متعلقا بالسقف، تملأ أرجاء المنزل، فيخرج الطلبة من غرفهم، يتكدسون حول باب غرفته، يضحكون دون أن يعلموا لماذا، فطريقته في الضحك لوحدها مدعاة للضحك، بينما الحسينُ تعلوه حالة من الوجوم والغضب، وتتحول عيناه إلى قاذفات الشرر، ولو امتلك القوة تلك اللحظة لمسح عبد العاطي من خارطة الوجود.
كان هذا الشاب الأمازيغي النحيفُ حين يرى وزغا في سقف إحدى الغرف، يصاب بنوع من الهستيريا، فيرمي كل ما بيمينه عليه في محاولة قتله، وإن لم يسعفه ما بيده، يسرع إلى المطبخ أو الحَمَّام، يأتي بعصا مكنسة، فيبدأ في النط والقفز محاولا قتل الوزغ، ولأنه قصير القامة، ولا تسعفه في إصابته من الضربة الأولى، يُكرر المحاولة المرة تلو الأخرى، وتتكرر مع كل محاولة أصواتُ اصطدام العصا بالجدران أو السقف، فتعلو صيحات عبد العاطي:
- وا الخيْلْ، وَالمْكَاحَلْ، وا الخيْلْ، وَالمْكَاحَلْ
يبلغ الغضب بالحسين مبلغه، وقد يترك الوزغَ في حال سبيله، ويفقد فرصته لدخول الجنة، ليعود إلى غرفته وقد علته الحسرة، حيث ينتظره عبد العاطي بتلك الضحكة العريضة الساخرة، فينهال عليه الحسين بقراطيس من النصوص في فضل قتل هذه السحلية التي نسجت حولها الكثير من الأساطير.
يعلو الصخب أرجاء البيت والغُرف، يجتمع بعض الطلبة الحاضرين حولهما، فالمواجهة بين الحسن وعبد العاطي مُمتعة وشيقة ومفيدة رغم ما يبدو عليها من عنف لفظي أحيانا، لكنها في هذا المناخ المخنوق بالنص والعنعنة، تمثل فسحة، تُكسب التواجد في هذا السكن نوعا من حرارة الحياة.
عَزُّوزْ أكبر من في هذه المجموعة سنًّا، متقدم في العمر والدراسة، متقدم على الجميع بسنة أو سنتي دراسة، بينما أغلب الطلبة أول عهد لهم بالجامعة، ما أكسبه مكانة خاصة. لكن ما يميز عَزُّوزْ ليس فقط تقدمه في السن أو الدراسة، إنه شخص كثير الصمت، وإن تكلم فبإيجاز كبير، وإن قاطعه شخص ما أثناء كلامه، صرف النظر عن الحديث، وانصرف إلى غرفته أو إلى ما كان عليه.
يتحاشى عَزُّوزْ الخوض في المسائل الخلافية بين الطلبة، وإن دعت الضرورة للفصل بين متخاصمين أو مختلفين حول مسألة شرعية أو رأي فقهي ما، فله أسلوبه الخاص ليرضي الطرفين، فكل شيء عنده يستند إلى السياق والحيثيات، واختلاف العلماء، وقد فطن إلى هذه المسألة، فلم يعد يهاب مسالة الفصل بين الطلبة حديثي عهد بالالتزام.
آه، لم يكن عزوز وحده الأكبر سنًّا، فقد التحق بالسكن زميل له في الثانوي، تربطهما عشرة وزمالة وصداقة ومغامرات ما قبل الالتزام.
محمد، شاب نحيف، يتفوق على عزوز في قدرته على الصمت وأحاديث “الوشوشة”، فبالكاد يعلم الآخرون بوجوده؛ دائم الرفقة والصحبة مع عزوز، وبينهما تواطؤ أو تفاهم من نوع ما، بحيث لم يحدث أن شوهدا مختلفين في رأي ما، وحتى إن اختلفا، فلا أحد يعلم بما اختلفا حوله، فكلٌّ منهما يحرص على الحفاظ على رأيه لنفسه، ويرى أن لكل واحد الحقَّ في تبني هذا الرأي الشرعي أو ذاك.
هذه الحالة الخاصة لم تدم طويلًا، فبعد التحاقهما بأحد مراكز تكوين المعلمين، اعترضت طريقهما ظروف مختلفة، باعدت بينهما لبعض الوقت، لكنهما ظلا على تواصل رغم بُعد الشقة.
ظل الحسين يعبد النص أكثر مما يعبد الله، وإن أتاه شخص بمتن مُعنعن، وفي سنده بعض الأعلام، وأما إن ذُيِّل بعبارة: “صححه فلان”، فليس هناك مجال للنقاش أو الحوار، ولا حتى التفاهم معه. وأما إن جاءه أحدهم بنص آخر، مُعنعن ومذيل بعبارة: “صححه فلان” أيضًا، لكنه مخالف لما تجذر في قناعته من رأي أو حكم، فلا بد أن يُذَكِّر صاحبه بالحديث الشهير:
- الحلال بين، والحرام بين، وبينهما شبهات…
وأما إن حدث الخلاف وهم في الطريق إلى الجامعة، فلن يتردد في إيقاف الجميع، وكما فعل النبي، قبل ألف وأربعمائة ونيف، هبط الحسين إلى الأرض، وأخذ قطعة خشب، أو قطعة من سيخ حديد مرميٍّ، وفي رواية أخرى لم يستعمل أي شيء، واكتفى بأصبعه، فرسم خطًّا مستقيمًا، ثم فرع منه كثيرًا من الخطوط على اليمين والشمال، وأشار إلى الخط المستقيم ووصفه بالخط الناجي، أي أهل السنة والجماعة، ثم أشار إلى الخطوط المتفرعة، ووصفها بالفرق الضالة، ثم نظر إلى رفاقه وقال: قال النبي ﷺ:
“افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة”. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
حميد، الذي حضر هذه اللحظة، سأل الحسين:
- وأيُّنا في هذه المجموعة من الفرقة الناجية؟
صحيح، لم يخطر على بال الحسين أن يُطرح هذا السؤال، ففي هذه المجموعة الصغيرة، التي يحلو له -حينما يكون في حالة من الإشراق- أن يسميها “الحواريين”، أسوة بأصحاب المسيح في غربتهم وتمسكهم بالشريعة، يوجد الشيء الكثير من الاختلاف، وإن شئنا الدقة، فلا أقل من ثلاثة اتجاهات “عقائدية” تتصارع فيما بينها، ليس فقط حول النص، بل أيضًا في طريقة تنزيل النص إلى أرض الواقع، وحين يصل الخلاف إلى هذه النقطة، يتحول إلى خلاف “وجودي”، لأن كل مجموعة ترى في الأخرى “إقصاءً” ونفيًا لها، نفيًا يصل حد رفع “الشرعية” عنها، وإدراجها ضمن الفرق الثلاث والسبعين الذاهبة إلى النار!!
ومع مرور الوقت، انتقلت تلك الصراعات إلى ساحة الجامعة، وانقسم “المؤمنون” بشكل عنيف، وتعمق الشرخ بينهم. في تلك المرحلة عرفت الجامعة ظاهرة “الحلقات”، فكان معسكر “الرفاق” في مقابل معسكر “الإخوان”. في البدايات الأولى لظهور الحلقات، كانت تهدف إلى تحقيق بعض المطالب الطلابية، كتوفير الحافلات، والمقصف، وتحسين خدمات المكتبة الجامعية، وغيرها. ويومًا بعد يوم، بدأت تطفو على السطح تلك الخلافات الإيديولوجية، وبدأ حميد يُصدم من هول الصراع، الذي بلغ حد الاختلاف حول صيغة التحية؛ فرفض الرفاق صيغة “السلام عليكم“، وتشبث الإخوان وأصروا على تصدير الكلام بالتحية الإسلامية.
ولم يمض وقت حتى وجد حميد نفسه على مفترق الطرق، فإما أن يكون وفيًّا لمشاعره التي تميل إلى المتدينين، أو يستمع إلى صوت العقل، وينضم إلى صفوف الرفاق. عاش فترة محدودة في تردد، قبل أن يحسم خياره، ويختار حضور حلقة الإخوان، التي تُنظم غير بعيد عن حلقة الرفاق، والتي تضم كل أطياف اليسار، أو ما تبقى من اليسار، بينما ضمت حلقة الإخوان اثنين من أهم فصائل ما يعرف بالحركة الإسلامية، قبل يوم الخميس الأسود، الذي عجّل باتخاذه قرار الانفصال عن الإخوان، وبدأ صراع بينه وبينهم، صراع بين العقل والنص.
الخميس الأسود، يوم اشتبك فيه الطلبة الإسلاميون فيما بينهم، بالأيدي والنعال، كان مشهدًا سرياليًّا؛ إذ ترى الشباب الملتحي يتقاذفون النعال، والشباشب، والبلغات، وأصنافًا من الشتيمة “الإسلامية”، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الظاهري والمباشر بين إخوان الأمس وأعداء اليوم. كان مشهد الحسين، ذو القامة القصيرة، الذي لم يطل قتل الوزغ، وهو يرمي خصومه في الحلقة بما تناولته يده، مشهدًا دراميًّا وساخرًا في الوقت نفسه، ظل عالقًا في ذاكرة حميد، حتى بعد أن غير قناعاته، ورؤيته للدين كمنظومة من النصوص، تقول ما لا يقوله العقل في أغلب الحالات.
عزوز، حينما ينظر إلى هذه الوجوه المنحدرة من القرى الجبلية، وبعض القرى المحاذية للأنهار ومجاري المياه، ويستذكر تلك الحياة البسيطة التي عاشها بين الآباء والأجداد، وكيف كانت الأمور سلسة وبسيطة، وكيف كانت علاقة الإنسان بربه علاقة شخصية، فلا رفث ولا جدال حول الدين والعقيدة، وحين يجري النقاش بين بعض المنتمين إلى زوايا مختلفة، كان يجري بكثير من الود والمحبة، وإن كان كل طرف لا يألو جهدًا في إفحام الطرف الثاني، ويقارن ذلك كله بهذا القدر من التعصب والتشنج في الخطاب الذي طبع العلاقات بين أفراد هذه المجموعة من الطلبة الاثني عشر، التي لا يجمع بينهم غير سقف الحجرات، حينما يفعل ذلك، تعلوه حالة من الوجوم والحزن على هذه الأدمغة الخفيفة، التي لم تنضج بعد، ولم تعقل، والتي سبقت عمرها بالخوض في أمور ضاربة في عمق الخلاف الذي طبع هذه الأمة.
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي